نبيل فياض

مقالات مميزة

أهلا بكم في موقع الدكتور نبيل فياض

السقوط المعرفي للشعب السوري

حين قلنا إن البعث دمر المعرفة السورية، فإن ذلك لم يكن بالأمر الجديد. كانت سوريّا واحدة من أهم قلاع المعرفة في العالم القديم. وهذه القلعة أسقطت، بشكل أو بآخر، على يد واحد من أسوأ صحابة محمد، والذي " برأ محمد إلى الله " يوماً من أفعاله: خالد بن الوليد. هذا الرجل الذي لم يكن همه غير الدم والجنس، وحادثة مالك بن نويرة تسكن اللاوعي الجمعي العربي منذ بداية " الدعوة "، لا يمكن أن يكون إلا معادياً لأبسط صنوف المعارف. وبما أن البعث لم يخرج قط عن كونه أصولية-جديدة تسعى إلى سرمدة النماذج البشرية المشوهة، كخالد بن الوليد، وإن بلغة حداثوية مكشوفة النفاق، فهو غير قادر عضوياً على أن ينجح كجماعة مؤدلجة، بالمعنى العصري للكلمة.

 القرآن هو السبب الأول وربما الأخير لفشل المسلمين في الخروج من البربرية. ففي الواقع أن جميع الشعوب المغرقة في التحضّر اليوم، كالألمان أو الدانمركيين، مروا ذات يوم بحقبة بربرية، إن عبر القبائلية القوطية أو من خلال الفايكنغ. الطاقة الهائلة الموجودة عند الجماعات البربرية، كالمغول على سبيل المثال لا الحصر، كانت تدفع بالبرابرة إلى اجتياح الشعوب الأخرى الأكثر تمدناً والأقل وحشية؛ لكن المدنية أقوى من البربرية معرفياً. لذلك يكون قدر البرابرة دائماً أن يستوعبوا من قبل المدنية الأضعف منهم. – فلماذا لم يخرج المسلمون من الحالة البربرية، رغم اقتحامهم غير المسبوق للمناطق المدنية في عالمنا المعاصر؟ القرآن هو الأزمة؟ سؤال يحتاج طرحه إلى جرأة هائلة للخروج من الذات إن كان المرء من أصل إسلامي؛ وإلى جرأة أكبر في مواجهة الذات الأخرى الإسلامية إذا كان المرء غير مسلم! لماذا انتقلت دول العالم الثالث، بما فيها تلك التي كانت شعوبها تأكل لحم البشر قبل قرن، إلى سوية ديمقراطية معقولة، في حين ظلت الشعوب الإسلامية تعاني من أعنف درجات القمع حتى في تلك الدول التي يقال إن شعوبها انتفضت بحثاً عن الحرية، كليبيا مثلاً؟ 
لا سبيل إلى الإنكار إن الغرب ذا الخلفية الدينية اليهودية-المسيحية هو المنبع شبه الأوحد للمعرفة في العالم الحالي. ومفاهيمنا الأهم اليوم حول حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية جاءت أساساً من الغرب. الشرق الناطق بالعربية، بعد الغزو الهاجري له، صار عقيماً ثقافياً. وحتى حين تبرز فيه عبقرية غير مسبوقة بجهد ذاتي كابن رشد مثلاً، فإنه يرذلها ويتخلى عنها ليتلقفها الغرب. والحقيقة أن هنالك ألوفاً من الابن رشديين في الغرب، الذين رذلهم الشرق المسلم القمعي، ففتحت لهم حرية الغرب أبوابها وقلوبها. في دول إفريقيا السمراء، حيث لا قرآن ولا من يقرئنون، كان سهلاً جداً انتشار القيم الأخلاقية الغربية، وبالتالي انتقال تلك الدول إلى مستوى مبشر من بدايات التمدن، مهما بدت الدولة فقيرة مادياً، كبوركينا فاسو. بالمقابل، فالدول الإسلامية الناطقة بالعربية، بسبب القرآن على وجه الحصر، غير قابلة على تبني منظومة القيم الغربية الراقية، بما فيها المعجم الديمقراطي وقاموس الحريات، بسبب القرآن. أزمة المسلمين هي اعتقادهم أن القرآن كتاب إلهي صالح لكل زمان ومكان، مع أن أبسط معرفة بالقرآن ذاته، تفسيراً وأسباب " نزول "، تناقض ذلك. القرآن كتاب رعوي أفرزته بيئة قبائلية معادية لأبسط حقوق الإنسان والحرية. لذلك لا يمكن للمسلمين، مهما تفاءلنا بتلميحاتهم وأقوالهم وبعض ممارساتهم، أن ينتقلوا إلى عالم مدني لأن عالماً كهذا هو النقيض الحقيقي لكتابهم المقدّس. وفي اعتقادنا أيضاً فإن العنف المنتشر بين المسلمين اليوم، الذي لا سابق له في عصرنا، والذي واكبناه في سوريا من قبل الجماعات المسلحة، هو انعكاس طبيعي لواقع التناقض الضدّي الداخلي الإسلامي، الذي يفشل في التوفيق ذاتياً بين قيم مدنية غربية راقية، وبين قيم كتابه المقدّس الرعوية المعادية لاحترام البشر.
البعث، نقول من جديد، والذي شطب كامل التاريخ السوري قبل اليرموك من أجندته، ساهم أكثر من أي شيء آخر، في تلك القطيعة المعرفية بين الشعب السوري، أكثر شعوب المنطقة تأهيلاً لأن يقود الردّة الحقيقية على اليرموكية، وبين ماضيه الثقافي العميق. لذلك لم نستغرب أن يكون الجهل سيّد الموقف في التعامل مع مقالة لنا حكت عن فلاسفة سوريا من " الوثنيين ". بل إن اعتبار بولس السميساطي، الذي طالما أشرنا إليه، رمزاً مسيحياً هو عين الجهل؛ فهذا الرجل، الذي عرف بأنه أحد مستشاري زنوبيا الثقافيين، كان " هرطوقياً " بعرف الكنيسة الأرثوذكسية. لذلك انقضوا عليه بعد سقوط زنوبيا وجردوه من موقعه وصلاحياته، رغم فشلهم في القضاء على فكره حتى اليوم.
لسنا ضد العروبة، لكننا ضد تقنين الهوية السورية بعنصر مفرد اسمه العروبة؛ لسنا ضد الإسلام، لكننا ضد أن يكون الإسلام العمود الفقري السوري.

Who's Online

31 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مييزة السقوط المعرفي للشعب السوري