نبيل فياض

السياسيّون ... والعداء للدولة المدنيّة

ما هي الطريقة الأسهل لتكوين قطعان بشرية تثغو خلف هذا السياسي أو ذاك، ويستخدمها وقت الحاجة قرابين سهلة على مذبح مصالحه؟

الطائفية!! فكيف تجذّرت الطائفية بكل هذا العمق؟

1 – لأن الفكر النقدي-العلماني لم يُسمح له قط بدخول بئر العفونة المسمى بثقافة غرب آسيا الناطقة بالعربية: هكذا ثقافة، حين تبتدئ بعلي عقلة عرسان ورياض نعسان آغا، كيف يحق لنا أن نتفاجأ أن تنتهي بأبي بكر البغدادي وأبي محمد الجولاني؟

2 – لأن الثقافة الحقيقية [هل يمكن لأحد أن يتصوّر أنه لا توجد في سوريا الصمود والإشتراكية كلية تدرّس الأنتروبولوجيا؟؟ أو لغاتنا الأصلية قبل لغة الغزو البدوي؟] لم تشق طريقها يوماً إلى عقول الناس؛ وأنا هنا لا ألوم الداعشي لأنه داعشي، بل ألوم من جعل الداعشي داعشيّاً، تحت أكثر رايات التقدّم نفاقاً وزيفاً!

3 – لأن السياسي الفاسد، ولبنان مثالنا الأبرز، لا يمكنه الاستمرار في مجتمع مدني لا طائفي؛ فالطائفيّة هي أساس وجدوده ومبرره – هل كان بإمكان شخص "كاريكاتوري" مثل وليد جنبلاط التواجد دون الطائفيّة الدرزية؟ هل كان بإمكان "ولد" مراهق مثل سعد الحريري، أو نصاب من الدرجة الأولى مثل فؤاد السنيورة، التواجد والاستمرار لولا عمى الألوان السنّي؟ وهذا يمكن تطبيقه على كل الطوائف في سويسرا [كذا] الشرق!

أي أمي في مجاهل منغوليا، يتلقى بعض دروس في أنثروبولوجيا فويرباخ سيدرك للتو أن الدين والطائفة والمذهب غباءات ملفقة لا علاقة لها بالحقيقة، وفق أكثر معاني الحقيقة طفولية! أي قرد أورانج أوتان من غابات جاكرتا يعرف أنه "قرديته" مسألة جينية، وأن تفكيره وحده هو مسألة خيار شخصي – فهو يستطيع أن يسمو فوق قرديته أو أن يهبط بها إلى مستوى البراميسيوم!

من تجربتي الشخصية الطويلة في لبنان زمن الحرب الطائفية أدركت بما لا يطاله الشك أن زعماء الطوائف غير طائفيين بل ربما أنهم أقرب إلى الإلحاد وإنكار الدين، لكنهم يستخدمون الدين والطائفة من أجل فهرسة البهائم التي تثغو خلفهم، فدون أغنام تابعة لا يستطيع السياسي تقديم قربان لإلهه، لأناه الأنانية التي لا تشبع من لون الدم!

وليد جنبلاط، المثال الأوضح على ذلك، هو الزعيم الدرزي، الخارج عن ملة الدروز في سلوكه الشخصي والعام، لكنه الذي يستخدم الدروز كأغنام محرقة على مذبح شهواته السياسية – ألم يتزوج من امرأتين من غير الدروز، ومن ثم خرج إلى الأبد عن الملّة، لكنه مع ذلك يلعب ببيضة التقدّم وحجر الطائفية، ويصدقه الأتباع بعمى ألوان لا يضاهى!

هل ثمة من فكّر مليّاً في ذاته، تخارج عن ذاته، وضع ذاته خارج ذاته، وحاول أن يفهم حقيقة وجوده الإنساني دون غريزة الطائفة؟

هل ثمة من نظر في مرآة الحقيقة بشكل موضوعي، وفهم أن انتماءاته متخارجة عن إرادته؟ أنه لم يختر اسمه ولا دينه، لونه ولا أهله، جنسيته ولا جنسه؟ وأن تفكيره وحده هو الذي ملكه؟ فلماذا يكون عقله مستلباً لمحيطه وموروثاته مثل عدد الشعيرات تحت إبطه؟

الطائفية تفيد الزعيم وتقتل الأتباع – هذه هي الحقيقة! ولولا معرفة الزعماء بدور الطائفية في حماية العروش لحاربوها بكل ما في جعبتهم من سهام معرفية!!!

عاشت سوريا المدنية!

عاش وطن آرام وفينيقيا!

عاشت العلمانية...

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي السياسيّون ... والعداء للدولة المدنيّة