نبيل فياض

شعب بلا تاريخ أم تاريخ بلا شعب

أسوأ ظاهرتين اجتاحتا بعض المنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان ثمن ذلك الاجتياح هو الأغلى في القرن الحادي والعشرين: الناصريّة والبعثيّة. فماذا فعل بنا جمال عبد الناصر، المصري المنشق عن جماعة الأخوان المسلمين الإرهابية الإسلامية ليلفّق متأثراً بالتيارات القوميّة في الغرب ما اصطلح على تسميته بالقومية العربية، والذي تخلّى له شكري القوتلي، بسذاجة لا تليق بالرؤساء، عن استقلال سوريا، مما أدخل تلك الدولة الأهم في شرق المتوسط في نفق مظلم لم نجد في نهايته غير "داعش"! – فماذا فعل بنا جمال عبد الناصر؟

1 – جمال عبد الناصر أدخل الطائفيّة المصريّة الإسلاميّة الإرهابية بأسوأ صورها إلى الكيان السوري الأبعد عن النَفَس الطائفي، فكان أن زُرِعت للمرة الأولى في التاريخ السوري الحديث، تاريخ ما بعد فرنسا، بذور رفض الآخر على أسس دينية-طائفية-مذهبية، التي طالما عانى منها السوريون زمن الاستعمار العثماني؛

2 – جمال عبد الناصر كان أخوانيّاً ضد-علماني بثياب قومية خادعة؛ من هنا، فقد كان جليّاً للغاية تفضيل جماعة "الاتحاد الاشتراكي" المصري للعنصر السنّي السوري على حساب بقية مكوّنات المجتمع السوري، خاصة العنصر المسيحي، وانعكس ذلك بوضوح في هجرة مسيحية وربما درزية باتجاه الخارج؛

3 – تحت عنوان "الاشتراكية" الفارغ، حصلت مصادرات وتأميمات وغيرها من الممارسات القمعية بحق بورجوازية المدينة في سوريا؛ وصرنا نشهد انتقالاً تدريجياً لرموز البورجوازية السورية، الحامل الحقيقي للديمقراطية والحرية والمجتمع المدني، إلى لبنان والغرب؛

4 – كان أسوأ ما قام به "حبيب الملايين" إدخال العمل الأمني في الحياة المجتمعيّة-السياسيّة السورية؛ وما يزال كثيرون في سوريا يذكرون بنوع من الألم أسطورة السراج، رجل عبد الناصر الأمني؛

5 – جمال عبد الناصر، هو أول من أدخل إلى تاريخ المنطقة الحديث طقس عبادة الفرد؛ وهو الذي طوّع الفن والأدب والتاريخ في مصر لخدمته.

إن أسوأ شاهد على عقم الناصرية وتسطيحها هو حسن عبد العظيم، آخر رموز هذا التيار الإرهابي الإسلامي-القومي [مثل حزب المفدال الإسرائيلي]! فهذا الرجل، الذي فشلت سنواته التسعون في تهذيب غرائزه الطائفية، فتح أبواب مزرعته كما أوردت التقارير لجماعة جبهة النصرة الإرهابية الإسلامية كي تتدرّب لقتال الجيش السوري؛ كما أنّ حسن عبد العظيم هو المسئول الأول والأخير عمّا حصل في الغوطة الشرقية بدءاً بدوما، حين أنزل مسلحين في تلك المدينة، محولاً ولاءه، بتناقض ملفت مع ملهمه ونبيّه، جمال عبد الناصر، إلى ألد أعداء الناصرية: آل سعود!

البعثيّة هي الناصرية-من-جديد وإن بطريقة أكثر فجاجة، وأقل مدنيّة.

سنتوقف هنا عند معلم بارز من معالم البعثيّة، وهو ما يسمّى بعروبة سوريا:

سؤال:

هل أنكر المصريون قط تاريخهم العظيم، رغم كل محاولات عبد الناصر العروبية، قبل العروبة والإسلام؟

بالمقابل، هل سمعتم يوماً عن أن ما يسمى بالسعودية تتبنى تاريخ سوريا العظيم والساطع قبل الغزو الإسلامي؟ هل قرأتم عن تدريس السعودية لتاريخ زنوبيا أو جوليا دومنا أو أباطرة روما السوريين؛ هل قرأتم يوماً عن أن السعودية تدرّس فلسفة لونجينوس الحمصي أو يوحنا فم الذهب أو يوحنا الدمشقي؟ هل سمعتم بالدراسة العلميّة التي قامت بها مجموعة بحثية في لبنان والتي اكتشفت بموجبها أنه وفق علوم الـDNA فإن معظم اللبنانيين من أصل فينيقي؟ هل كتب أحدهم قط عن أن بعض قبائل هنود أميركا هم من أصل سوري، فالـDNA الخاص بهم مطابق لمثيله عند بعض الدروز السوريين، كما أثبت الصديق الباحث الأمريكي، دان بيترسون؟ وهو ما يعني أن أجدادنا وصلوا بسفنهم إلى أميركا قبل الأوروبيين بمئات السنين!

طلبت إلى طبيب من أقاربي مساعدتي في إعداد حلقات لمحطة تلفزيونية أمريكية حول زمن معاوية؛ وقد حددت ذلك بأن يعدّ لي الوثائق المتعلقة بقتل حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي؛ كان تعليق قريبي الشاب: ما أبشع تاريخنا! هل يعقل أننا أبناء ذلك التاريخ؟ الآن أفهم لماذا انتهينا إلى داعش والنصرة!

قلت لقريبي الشاب: هذا ليس تاريخنا؛ هذا تاريخ "كمشة البدو" التي غزتنا! ولو كان البعثيون غير طائفيين، لكان عليهم بالقطع تدريسنا تاريخ "كمشة بدو" أخرى دمّرت حضارة سوريا أو ما أبقاه الإرهاب الإسلامي من حضارة سوريا: أي، البدو المغول.

لقد شطب البعثيون، بتخلّف البدوي وانغلاقيته وعدائيته للحقائق، كل ما سبق مجزرة اليرموك من تاريخ؛ وافتتحوا تاريخ سوريا بسفر تكوين خالد بن الوليد، قاتل مالك بن نويرة!

سوريا كانت قبل الغزو الإسلامي منارة الثقافة في العالم؛ وتحوّلت بعد الغزو الإسلامي إلى مجرّد مصدّرة للقتلة والمجانين من المسلمين-العرب من أمثال بسر بن أبي أرطأة ومسلم بن عقبة والحجاج بن يوسف الثقفي...

أعيدوا لنا تاريخنا العظيم؛ تاريخ إليسار وتانيت؛ تاريخ زنوبيا وجوليا دومنا؛ تاريخ بولس السميساطي ونسطوريوس ولوقيانوس الأنطاكي وغيرهم كثير...

لسنا شعباً بلا تاريخ، انتظرنا أن يأتينا شخص اسمه محمد كي يدخلنا في التاريخ؛

نحن من اخترع الحرف في أوغاريت ومن ثم بيبلوس، ونحن من ثم من أعطى البشرية الأداة كي يكون لها تاريخ.

لن أغفر ما حييت للمسيحيين الذين باعوا دمشق يوماً للغزاة القادمين من الجنوب...

بهذا الجبن ابتدأ تاريخ مآسينا وسقوطنا من سلّة الحضارة.

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي شعب بلا تاريخ أم تاريخ بلا شعب