نبيل فياض

المتديّن ... والبهيمة!

أحببت للغاية التعبير "بهيمة" الذي يستخدمه فويرباخ في أعماله التي نقوم بترجمتها وشرحها، والتي سيكون باكورتها الذي سيصدر افتراضاً الأسبوع القادم، "جوهر المسيحيّة". – فما هي العلاقة بين المتديّن [من دين، religion] والبهيمة؟

قبل الإجابة على هذا السؤال الهام، أريد طرح بعض الأسئلة البسيطة: لو افترضنا أني ادعيتُ أنّ إلهاً ما [من جوبيتر إلى يهوه] أرسل لي جحشاً مُجنحاً فأخذني إلى القدس وأقمت الأنبياء السابقين [غالبيتهم الساحقة خرافيون] من بين الأموات وصليت بهم في هيكل سليمان، ثم أخذني الجحش المجنّح من سماء إلى سماء [طبعاً، مفهوم السماوات السبع لا علاقة له بالواقع الحقيقي لا من قريب ولا من بعيد] حيث كنت ألتقي النبي المشرف على كلّ سماء، حتى أصل إلى السماء السابعة العليا حيث يقيم الإله، فأشرب معه كأس متة مالطة وأعود، وفي طريقي أخطف رجلي إلى الجنة والنار [ أشهر ما لفّقه الزرادشتيون] فأشاهد ما يحصل للناس هناك، لأرجع إلى فراشي قبل أن ينسكب كأس الماء الذي أصابته قدمي وأنا أهم بامتطاء الجحش المجنّح – ماذا سيفعل المحيطون بي؟ أبسط الأمور أنهم سيأخذونني إلى أقرب مصحّ نفسي أو إلى أقرب طبيب أمراض عقليّة لدراسة حالتي الغريبة!

سؤال آخر: أعرف بيتاً في منطقة طالع الفضّة كان من أغرب ما عرفت من بيوت في دمشق. الطابق الأرضي من هذا البيت "العربي" كان مسكوناً من قبل شيعة اثني عشريين؛ الطابق الثاني كان مسكوناً من عائلة إنجيلية؛ الشقة الملاصقة كانت مسكونة من قبل فلسطينيين سنّة؛ الصيدلية الخارجة من البيت كانت مملوكة لشاب يهودي؛ المحلات المواجهة لبطريركيّة الروم الأرثوذكس كانت ممتلكة من قبل عائلة أرمنيّة أرثوذكسية. – ماذا يعني كلّ هذا؟ المسألة الدينيّة مسألة صدفة جغرافيّة. كيف؟ إذا ولد أحدهم في الطابق الأرضي فسوف يؤمن بحقيقة المهدي المنتظر القاطعة؛ خارج تلك الأمتار القليلة، سيعتبر القضية خرافة يا أم عمرو! إذا ولد في الطابق الثاني أو في محلات الأرمن، سيؤمن بأن يسوع هو ابن الإله الذي صلب لأجلنا وعنا وبقيامته نقوم؛ خارج الطابق الثاني ومحلات الأرمن سيؤمن أحدهم أن هكذا تفكير كفر محض يوصل صاحبه إلى جهنّم وبئس المصير؛ أما إذا ولد في البيت السنّي الفلسطيني، فسوف يحمل في رأسه كلّ خرافات السنّة المشعّة بالإرهاب التي يعرفها الجميع؛ ولا داعي للحديث عن العته التلمودي الذي يمكن أن يلبس مخه إذا ما غضبت عليه الطبيعة وولد في بيت يهودي – السؤال: هل الدين حقيقة موضوعية عامة شاملة جامعة مانعة مثل معادلة أن H2+O=H2O؟ ما هو دور البيئة المحيطة في اكتساب المرء لقناعاته الدينية؟ إذا كانت نبوّة محمد مثلاً قضيّة لا مجال لدحضها، لماذا يرفضها معظم العالم، ولماذا يتعامل معها المسلمون أنفسهم كلّ بحسب البيئة التي ولد فيها، من الإسماعيليين إلى الوهابيين؟
الإنسان يشترك مع البهيمة في الوظائف الحيويّة؛ بمعنى أن آلية الأكل والشرب، التناسل وإفراز المفرزات، بل حتى بعض العواطف الغرائزية هي ذاتها عند البشر والبهائم – لماذا الإنسان متديّن [ يؤمن بوجود إله ] والبهيمة غير متديّن، مع الرفض المطلق علميّاً لمسألة تدين الفيلة!؟ السبب الأبسط هو المخيّلة: المخيّلة البشريّة عرفت نوعاً من التطور التصادفي عند البشر وهو ما لم يحصل عند البهائم. ومن خلال المخيّلة خلق الإنسان كينونة أخرى اشتقها من كينونته الخاصّة هي الإله، ثم أفرغ الإله في قالب ديني يختلف بحسب عوامل عديدة لا سبيل إلى تفسيرها هنا، وهي مشروحة بالكامل في "جوهر المسيحية" الذي سيصدر كما أشرنا الأسبوع القادم!

الإنسان، كما البهيمة، محكوم بخارطته الجينيّة. فهو غير حرّ في طوله ووزنه، في لون شعره وعينيه، في صوته وميوله الجنسية، في سنوات عمره وحجم عضوه التناسلي – باستثناء العقل. الإنسان حرّ في تحرير عقله؛ فالعقل هو العضو الوحيد في الجسد الذي يمكن للإنسان التحكّم به باتجاه الحريّة أو الاستلاب!

حين يسجن الإنسان عقله في زنزانة خرافات دينيّة لا سبيل إلى فهمها منطقيّاً أو استيعابها واقعيّاً، فهو لا يعدو كونه بهيمة أو ربما أسوأ من البهيمة – من لا يصدّق؛ فلينظر إلى ما فعله الدين الإسلامي في سوريّا وغيرها؟!

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي المتديّن ... والبهيمة!