نبيل فياض

كيشيا علي: مقاربة نسوية إلى الجنس القرآني!

ليست الباحثة الأكاديمية الأمريكية كيشيا علي بالاسم الجديد في عالم البحث "الإسلامي" في الولايات المتحدة الأمريكية. فرغم حداثة سنّها (مواليد عام 1972)، أثبتت الأستاذة علي أنها قادرة على وضع بصمة خاصة بها في عالم البحث الإسلامي الأمريكي.

ليست كيشيا علي، بالمقابل، بالاسم المعروف في العالم [والجماعات] الناطق باللغة العربيّة رغم أنها أصلاً تركّز جهودها وبحوثها على هذه اللغة بمخرجاتها المتنوعة؛ وربما أن ترجمتنا لكتابها "الأخلاق الجنسيّة في الإسلام: تأملات نسويّة في القرآن، الحديث، والفقه"، هي أول عمل لهذه الباحثة بلغة الضاد، والذي صدر باللغة الإنكليزية عن أكسفورد عام 2006.

كيشيا علي، التي تعمل أستاذاً مساعداً في جامعة بوسطن، أصدرت العديد من الكتب غير كتابنا المترجم هذا؛ من بينها: الزواج والرق في بدايات الإسلام؛ الإمام الشافعي: العالم والقديس؛ وكتابها الأخير، حيوات محمد. كما ساهمت أيضاً مع كتّاب آخرين في أعمال مثل، نساء في أميركا اللاتينية؛ الكاريبي والإسلام: المفاهيم الأساسية.

يتألّف كتاب كيشيا علي، الأخلاق الجنسية والإسلام، من الفصول التالية: الزواج، النقود، والجنس؛ أهون الشريّن: الطلاق في الأخلاق الإسلامية؛ ما ملكت أيمانكم: التسرّي بالرقيق في النصوص والخطابات الإسلامية؛ الأفعال المحظورة والشركاء المحرّمين: الجنس غير الشرعي في الفقه الإسلامي؛ لا تسأل، لا تُخبر: العلاقة الجنسية بين أفراد من الجنس نفسه في الفكر الإسلامي؛ أشمّي ولا تنهكي: ختان الإناث في المراجع الإسلاميّة؛ إذا لامستم النساء: أجساد الإناث وسلطة الذكر في القرآن؛ النبي محمد، حبيبته عائشة، والحساسيات الإسلامية الحديثة؛ ونحو أخلاق إسلامية للجنس.

قد تبدو المواضيع كلها هامة – وشائكة. ومن الصعوبة بمكان معالجة أمور تأخذ في عالمنا كثيراً من الوقت والسريّة بلغة لا تخلو من الصرامة البحثية الجديّة. – وهذا ما كان. مع ذلك، ثمة مواضيع شائكة هامة جداً ومترابطة للغاية بالأخلاق الجنسية في الإسلام – مثل الحجاب الإسلامي – لم تغامر علي بالولوج في عالمها لأسباب لا ندري ما هي. لكن ما عالجته في عملها غير الضخم، واف إلى حد ما رغم اختزاليته وحاجته الملحّة إلى مزيد من الشواهد، خاصة من اللغة العربية.

على سبيل المثال، ربما بسبب معرفتها الجيدة بالنتاج الثقافي للإمام الشافعي، كثيراً ما نجدها تستشهد به، بل وتناقش بحق التشويه المتعمد الذي أصاب نتاجه الفقهي حين قام نوه كيلر بترجمة هذا النتاج إلى اللغة الإنكليزية؛ بالمقابل، لا نجد عندها أدنى إشارة إلى أبي حنيفة ومدرسته الفقهية التي ربما تبزّ المدرسة الشافعية في الانتشار وقوة الحجج؛ وكذلك الأمر بالنسبة لمدرستي مالك وابن حنبل.

مع ذلك، فالكتاب، رغم حجمه الصغير، يفتح الأبواب على مصراعيها أمام حدث في الغرب، لا يعرف عنه الناطقون بالضاد في بلاد المشرق [ربما أيضاً عرب الغرب] شيئاً – هذا الكم الكبير من الباحثين في الولايات المتحدة في الشأن الإسلامي، من مسلمين وغير مسلمين؛ خاصة ما يمكن لنا تسميته "الحركة النسوية الإسلامية" الأمريكية، التي نعرف من رائداتها في الشرق، الراحلة فاطمة المرنيسي، والدكتورة نوال السعداوي.

وهكذا، تتيح كيشيا علي المجال أمام القارئ العربي كي يتعرّف، على سبيل المثال لا الحصر، على الباحثة الأمريكية من أصول إفريقية، أمينة ودود (مواليد 1952)، صاحبة الكتاب الهام، القرآن والمرأة: إعادة قراءة النص المقدّس من منظور امرأة؛والباحثةإسراء نعماني  ( مواليد 1955 من أصول هندية)، صاحبة العمل الشهير، الوقوف وحيدة في مكّة: امرأة أمريكية تناضل لأجل روح الإسلام! وغيرهما كثيرات.

ما تطرحه كيشيا علي وغيرها من رائدات الحركة النسوية الإسلامية في الولايات المتحدة ليس بالمواضيع الجديدة، فكثير منّا يحفظ عن ظهر قلب أحكام الإسلام في الزواج، الطلاق، ملك اليمين، المثلية الجنسية، وغيرها؛ الجديد والجميل في الأمر هو مقاربة هذه المواضيع بعيون أخرى، غير تلك العيون التقليدية التي تطاردنا حيث يممنا وجوهنا في الشرق. على سبيل المثال، حين تحكي عن مسألة "الزنا" [آسف على استخدام المصطلح المليء بالتداعيات السلبية]، فهي تناقشها بعيون إسراء نعماني، الأم المسلمة العازبة، التي لا ترى تناقضاً بين الإسلام و"المساكنة"، بل تعتبر إن المساكنة بين طرفين بالغين بالتراضي أكثر أخلاقية – بما لا يقارن – إسلامياً من زواج "شرعي" تكره فيه المرأة على هذا الاقتران، أو تكون فيه قاصراً تحت سن الإدراك (أنظر ما كتبته نعماني تحت عنوان: قائمة حقوق إسلامية للمرأة في غرفة النوم).

قد يكون الفصل المتعلّق بالزواج بين طرفين من الجنس ذاته هو "الأقوى" في هذا العمل؛ إذا ما تغاضينا عن مسألة "ملك اليمين" التي حذفها نوه كيلر من عمله دليل المسافر [ترجمة لفقه شافعي]، على أساس أنها أحد ذيول العبودية التي انتهت. مع ذلك، ثمة سؤال كبير تطرحه كيشيا علي وإن بشكل موارب على طريقة الباحثين الغربيين في الشأن الإسلامي: كيف يمكن أن نفهم قضية العدل الإلهي في مسألة الجنس، حين يبيح الله العبوديّة في القرآن – والكتاب المقدّس أيضاً – ومن ثم يصبح أحد تجلياتها، أي ملك اليمين، محللاً أيضاً، ولا يُعترض على المسألة وقتها من منظور العدالة؛ ثم يتغيّر الزمان فتتغيّر معه الأحكام، ويصل الوعي البشري لمسألة كرامة الإنسان إلى مرحلة حظر العبودية بكافة أشكالها، وهو ما دفع الدول الإسلامية المغرقة في محافظتها إلى تحريم عرف حلله الله تحت عنوان برّاق اسمه العدالة البشرية.

 بالعودة إلى بحث كيشيا علي عن الزواج المثلي، هنا يبدو التألق والتمكّن في غاية الوضوح حين تمزج علي بين ما هو تقليدي في المسألة [قصة لوط وما إلى ذلك]، مع أحدث ما توصّل إليه عالم البحوث الغربي في العلاقات الحميمة بين طرفين من الجنس ذاته: حسم الصراع بين المدرسة البيولوجية والمدرسة السيكو-اجتماعية لصالح الأولى، باعتبار أن الميول المثلية مسألة فطرية لا علاقة لها بالتربية. – بل تجرؤ أيضاً على التساؤل، وإن ليس بهذا الوضوح، هل علاقة مثلية بين رجلين أو امرأتين بالتراضي لا تنقصها الديمومة والاحترام المتبادل أقل أخلاقية إسلاميّاً من علاقات بين طرفين مختلفي الجنس لكنها مليئة حتى الثمالة بالانكسارات والاستغلال والقمع؟

في الشرق حيث الأنظمة التي تصادر حق التفكير والتعبير، لا يمكن أن ننتظر التغيير؛ وفي اطلاعنا المتكامل عمّا يكتب في الغرب عن الإسلام والعرب، حيث لا ضابط يضبط ضوابط تفكيرنا، نستطيع القول بلا تردد، إن الفهم الحقيقي لصيرورة الإسلام كدين ومجتمع لا يمكن أن يأتي إلا من باحثين غربيين، من مسلمين وغير مسلمين، فالشرق أُنضِب!!

هنا – نحن غربيون قلباً وقالباً.

نبيل فيّاض،

منتصف كانون الأول-ديسمبر، 2015

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي كيشيا علي: مقاربة نسوية إلى الجنس القرآني!