نبيل فياض

إبراهيم يقسم العالم: بين الشمولية والحصرية!

مقدمّة المترجم!

"إبراهيم" هو الشخصية الأهم في التاريخ الديني الإنساني. كلام قد لا يوافق عليه كثيرون؛ خاصة من علماء الأركيولوجيا أو النقدية الكتابية، من أتباع تيّار "الحد الأدنى"، الذين "يعتقدون" أن إبراهيم شخصيّة رمزية لا وجود لها في عالم الحقائق التاريخية، لا من قريب ولا من بعيد.- وإن كان غياب الدليل لا يعني دليل الغياب، وإن كنّا ستقدّم في هذا العمل الضخم دراسة تفصيلية حول الأسباب والأدلة التي يعتمدها أولئك الذين يرفضون إبراهيم كحقيقة تاريخية ويتعاملون مع تلك الشخصية الأهم من منظور المقاربة الميثولوجية.

في استعراضنا لأهم الشخصيات في الأديان التي نشأت في الشرق الأوسط أو بتأثير من أديان الشرق الأوسط، أي اليهودية، المسيحية، الإسلام والمورمونية، يتضح لنا دون أدنى شك أن إبراهيم هو أهمها – ومن هنا كان دافعنا الأهم على نقل هذا الكتاب الكبير المعقد غير العادي إلى اللغة العربية.

إذا استعرضنا أهم الشخصيّات الدينية في التاريخ الديني للشرق الأوسط والعالم، كما قدّمها شباير في عمله الرائد، الحكايا الكتابية في القرآن، يمكن الإشارة إلى شخصيتين هامتين للغاية، بغض النظر عن تصنيفهما كحقيقتين تاريخيتين أو كرمزين ميثولوجيين، أي آدم ونوح. ورغم أن هاتين الشخصيتين تتواجدان بكثافة في نصوص من خارج الكتب المقدّسة للأديان الأربعة، خاصة في ميثولوجيات الشرق الأوسط ما قبل التوراة – بما في ذلك التراث الشفوي الأيزيدي – نعتقد أن أهمية إبراهيم تفوق بما لا يقارن تلك التي لآدم أو نوح. فالاثنان الأخيران مشتركان، بحسب النصوص المقدّسة ذاتها، بين جميع سكّان الأرض: آدم، بحسب ميثات الخلق، هو أبو البشريّة؛ ونوح هو نبيّ الكتلة البشرية التي خرجت منها، وفق ميثة الطوفان، كلّ شعوب الأرض.

بالمقابل، فإن إبراهيم وحده كان بداية تقسيم العالم بين الأديان الإبراهيمية، والأديان غير الإبراهيمية. الأديان الإبراهيمية هي تلك التي تشمل، اليهوديّة، المسيحية، الإسلام، والمورمونية، وفق الترتيب الكرونولوجي لظهورها. أما الأديان غير الإبراهيمية فتشمل كل الأديان الباقية، خاصة تلك التي تمتد من شرق الباكستان إلى شرق اليابان، وأديان الإسكيمو، إفريقيا السمراء، وهنود أميركا.

ثمة نص في سفر التكوين تسيطر روحه على هذا العمل الضخم من صفحته الأولى إلى صفحته الأخيرة:"فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة. وأبارك مباركيك وألعن لاعنيك، وبك تتبارك جميع الأمم" (تك 2:12 -3). والحديث هنا طبعاً هو من الله لإبراهيم أو أبرام، قبل تغيير اسمه.

يسيطر إبراهيم أساساً على بعض من إصحاحات سفر التكوين من التوراة، وإن كان يظهر أيضاً في المدراش الشهير، تكوين راباه، ونصوص أخرى متفرقة في الكتاب المقدّس العبراني، هذا غير العمل غير المعروف خارج الأوساط المهتمة أو المختصّة، والذي اعتمدنا عليه كثيراً في دراستنا حول العلاقة بين القرآن والأغاداه [القصص أو الميثات العبرانية]، أي معاسه أبراهام [أعمال إبراهيم]. والقسم من هذا الكتاب الذي يتناول "إبراهيم في النصوص التوراتية والأدب اليهودي ما بعد التوراتي"، إنما يركّز للغاية على النص من التكوين، "وبك تتبارك جميع الأمم"، لأن فيه نقض واضح لمسألة "كراهية الآخر عند اليهود"، أو حصريّة إبراهيم بالشعب العبراني فقط لا غير. وقد يكون واحداً من أهم النصوص في هذا القسم هو ذلك الذي يعالج مسألة الفارق الكبير بين تقاليد التلمود الأورشليمي الشموليّة من ناحية، وتقاليد التلمود البابلي الحصرية في مسألة التبشير والانفتاح على الآخر غير اليهودي. – وبشكل خاص تقديم الفيلسوف اليهودي فيلون السكندري إلى قارئ لا يعرف عن هذا المفكّر الكثير.

أبسط ما يمكن قوله عن القسم المسيحي من هذا العمل الكبير هو تركيزه على رسائل بولس، خاصة غلاطية، التي تتضمن إشارات واضحة إلى إبراهيم وزوجتيه وابنيه. وهناك، يتم الربط بين هاجر وإسماعيل وأتباع موسى والعهد القديم، وسارة وإسحق بأتباع يسوع-المسيح والعهد الجديد. كذلك نجد مداخلة هامة تعيد استعراض بعض أفكار فيلون السكندري، بغض النظر عن مداخلة هامة أخرى تتناول بعض أفكار الغنوص.

القسم الإسلامي هو الأصغر، حيث يتألّف من مداخلتين بحثيتين، واحدة مطولة حول إبراهيم، وثانية مختصرة حول هاجر. وهكذا، فقد أضفنا إلى هذا النص الصغير مقدّمة مطوّلة حول إبراهيم بين الميثولوجيا والحقيقة التاريخية. ثم أضفنا نصّاً آخر مترجماً عن كتاب هاينريش شباير، الحكايا الكتابية في القرآن، القسم المتعلّق بإبراهيم.

إلى القسم الخاص بالعلاقة بين إبراهيم والاسلام، أضفناً نصّاً ثالثاً مترجماً للباحث المورموني الشهير هيو نبلي، من كتابه الهام، إبراهيم في مصر. وهذا البحث يحمل عنوان، "جوزيف سميث والمصادر"؛ ومعروف عموماً أن إبراهيم يحتلّ مكانة خاصّة في الأسفار المورمونية المقدّسة، حيث يكرّس سفر خاص له بعنوان، "سفر إبراهيم".

دون أدنى شك سيعترض كثيرون، خاصة من أتباع الديانات الأربعة المذكورة آنفاً والتي وصفناها "بالإبراهيمية"، على تصنيفنا لإبراهيم كأهم شخصية في التاريخ الديني على الإطلاق؛ معتبرين، كل من ناحيته، أن مؤسس ديانته الشخصية بالنسبة له أكثر أهمية من إبراهيم. لكن، في نهاية الأمر، فديانته تصنّف على أنها إبراهيمية أولاً، قبل أن تأخذ اسم مؤسسها الخاص.

دمشق، أول تشرين الثاني-نوفمبر 2015.

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي إبراهيم يقسم العالم: بين الشمولية والحصرية!