نبيل فياض

الدواعش... وخراف العيد

والعيد هو عيد الأضحى الذي يقوم فيه المسلمون بذبح ملايين من الخراف الجميلة لاعتقادهم أن الله، ذات يوم، أمر إبراهيم بأن يقدّم ابنه قرباناً لأسباب تفوق قدرتنا غلى التخيّل؛ ثم استبدل الابن بكبش أو خروف ...!!! والباقي معروف.

أما الدواعش فهم تلك الكائنات الخرافية القادمة من سماء الماضي، والتي تريد نقل المجتمع، بحركة أقرب إلى اللامعقول، إلى القرن السابع في جزيرة العرب، زمن بدايات الإسلام.

دواعش القريتين:

حتى لا نتكلّم في ما لا نعلم، فسوف نشير باختصار شديد إلى القريتين، التي أنتسب إليها عن طريق جدي لوالدي، والتي أعرف عنها الكثير. على هذه الصفحة كتبت مقالات كثيرة، وسفك حبر الكتروني غزير، تحذيراً مما يمكن أن يحصل في القريتين التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الداعشيّة؛

تحدّثت كثيراً عن أحد أقاربي الذي كان يوقفه غلمان من القريتين في شارع البلدة العام، ويهددونه بقطع الرأس إن هو أعاد قص شعره بطريقة تتنافى مع "الآداب" الإسلامية!!! أو إن ارتدى بنطالاً يكشف العورة؛ وذلك قبل أن تجتاح داعش القريتين رسمياً قبل ثلاثة أشهر!! ولم يصغ أحد.

قصر العدل الداعشي ... بدمشق!

في كل شرائع البشر، عدا المسلمين، تنتهي حريتك عندما تبدأ حريتي. يحق للمسلم بالفعل أن يؤمن أن الحج شيء مقدّس؛ مثلما يحق لي أنا بالمقابل أن أؤمن أن الحج عرف وثني أخذه محمد عمن سبقوه، وهو أبعد ما يكون عن العقل حيث تقوم - مثلاً - ألوف البشر برمي الشيطان بأحجار (؟؟؟) غالباً ما تنشأ عنها تدافعات تؤدي إلى وفيات كثيرة؛

يحق للمسلم أيضاً أن يؤمن مثلاً بقصة الإسراء والمعراج على أنها واقعة تاريخية؛ مثلما يحق لي أن أؤمن إنها "ميثولوجيا" بأحسن حال، تحتاج إلى كثير من الخيال والتجرّد من أجل الإمساك بمعانيها.

لكن لا يحق لي الاستهزاء من قناعات المسلم الدينية مهما بدت في نظري خرافية، مثلما لا يحق له فرض تلك القناعات علي بأية طريقة.

أعرف فتاة مسيحية علمانية مرتبطة بشاب علوي علماني، والإثنان يبغيان الزواج من أجل المجتمع ليس إلآ. لكن ما أعرفه من قصص حول ما حصل للإثنين في ما يسمى قصر العدل الدمشقي، لا يختلف كثيراً عما يحصل في سراديب داعش، باستثناء أن القضاة الدواعش ومن يتبعهم من محامين، لا يمارسون أفعال القتل بسبب قبضة الدولة حتى اليوم.

كليّات الشريعة:

عندما طرح السيّد عبد الحليم خدّام مسألة أسلمة حزب البعث ومن ثم الدولة، شهدنا تكاثراً سرطانيّاً لمؤسسات داعشية حملت أسماء مثل كليات شريعة أو جامعات للدعوة، مع ما يقابلها من حوزات لا تقل تطرفاً - هل تذكرون "السيّد" محمد علي طباطبائي؟ - عند الطرف الشيعي أو المتشيّع. وهكذا، اجتاح مثلاً معهد الفتح الإسلامي منطقة ريف دمشق وغوطتها، حيث تعشعش داعش بتسرطن رهيب اليوم. وهكذا، انتشر نوع من التشدد ذو الطابع الوهابي في سوريا هو الأغرب عن البيئة السورية، أخلاقياً ومجتمعياً.

لا ينكر أحد أن العلويين، والذين يحظون بقدر لا بأس به من التحكّم بالقرار السوري، هم علمانيون بالفعل عموماً؛ لكن أزمة العلويين الحقيقية، ربما بسبب اللاوعي الجمعي القادم من زمن السلطان سليم الأول، هي خوفهم غير المبرر من سيف التكفير السني المتشدد؛ ومن ثم عدم رغبتهم بإزعاج متطرفي السنة لأن عواقب ذلك وخيمة. وهكذا، فقد غض العلويون الطرف عن الانتشار السرطاني الأفقي الرهيب للتشدّد السنّي، وبتنا قبل الأحداث نشهد ظواهر مخيفة مثل إغلاق الشوارع الكبيرة أثناء صلاة الجمعة، وتعميم اللباس السعودي في بيئات تتنافر معه جذرياً مثل بانياس، كما رأيتها عام 2004. نعم!! هناك من أعطى الشيطان إصبعه، فأكل يده كلّها... حتى قوس تدمر الذي يجرح العين لمرآه...

قانون الأحوال الشخصية:

حين كنت أقرأ فقرات من قانون الأحوال الشخصية السوري في مؤتمر في واشنطن، وقف كبير قضاة هندي - مسلم - وقال: هذا لا يصدّق؛ هذا غير معقول!! هل لديك دليل على صحة ما تقول؟ وكنت أضع في جيبي "فلاشة" تحتوي النص الكامل للقانون. سألته: هل تجيد اللغة العربيّة؟ أجاب: لا؛ لكن لدي تلاميذ كثيرون يجيدونها!

في اليوم التالي قابلني القاضي المحترم؛ قال الرجل: لم أستطع النوم. لقد تأكدت من صدق كلامك!! هل تريد الحقيقة؟

أجبته: نعم!

قال: أنتم المسئولون أولاً وأخيراً عن تصنيع الدواعش! هذا القانون كاف وحده لخلق ملايين الدواعش! أنتم تفعلون بهؤلاء كما يفعل الجزّار بخراف العيد: تسمنونهم ثم ...!!!

الدواعش، رغم كل شيء، لم يهبطوا من كوكب الزهرة!!

الدواعش - وحوش صغيرة أشرف بعضهم على تربيتها والعناية بها حتى التهمت النوم من أعيننا.

قال لي صديق: هل قرأت النص المعدّل من قانون الأحوال الشخصية الجديد؟

أجبته: لا!!

قال: رحم الله ذلك القديم! وكأنهم كانوا يتوقعون زمن الجولاني والبغدادي فكتبوه على مقاس الإثنين!!!

محاربة الإرهاب تبدأ من العقل لا من البندقية!!

وما دام قصر "عدل" دمشق على حاله: لا تستغربوا إن ظهر بعد عقد من الزمان أبو عمر الحرستاني أو أبو صهيب البنشي، ليقضيا على ما تبقى لسوريا من حضارة... أو سكّان!!

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي الدواعش... وخراف العيد