نبيل فياض

الدين: مصادرة العقل والتفكير والمسئولية!

كنت قبل قليل أقرأ دراسة لأوريجانس حول سلسوس؛ وكان جوهر الحديث فيها عن تناقض القوانين الدينية الكثيرة [ كثرة الشرائع الدينية دليل على عدم أحقية أي منها ] مع قانون الطبيعة الموحد. وهذا يدفعنا للتساؤل: لماذا يتخلّى المرء عن قانون الطبيعة الإلهي – وفق فهمنا نحن لمعنى الألوهة – لمصلحة قوانين وضعها بعضهم لصالحه ثم صادروا حق مناقشتها عبر نسبها إلى إله معين!

اليهود هم سادة هكذا تلفيقات. واليهود هم أول شعب يصوغ وثيقة تكفير بحق الآخر لمنع أي جذب من قبل ذلك الآخر لعناصر يهودية، والتي حملت اسم "رسالة عبدة الأوثان" التلمودية. وهكذا، بدأ ركام رسم حدود الفرد والمجتمع على أيدي الحاخامات يكبر حتى وصلنا إلى كم من الصفحات لا يمكن قراءته أو الإحاطة به – وكلّه تحت عنوان "الله يريد والله لا يريد".

لم يعد مطلوباً من الفرد اليهودي أن يفكّر. فالله – بالأحرى، الحاخام – يفكّر عنه، منذ أن يولد حتى يصبح تحت التراب: ختانه كذكر، تربيته، معارفه، زواجه، علاقاته الجنسية، طريقته في الأكل والشرب، مشيه وترحاله... كل ذلك قرره الحاخام نيابة عن الإله – يهوه!

الإنسان في طبعه، بسبب أصله الحيواني، لا يميل كثيراً إلى استخدام العقل، بما في ذلك استخدامه للتأكد من صحة ما يقوله الحاخامات من أنهم مجرد واسطة خيّرة تنقل إرادة يهوه وأوامره إلى البشر، الذين ليس أمامهم غير الطاعة، إن أرادوا أن يكسبوا عالماً قادما [ آخرة أو عولام هاباه ] مليئاً بمتع يهوه ومباهجه. وحين حاول يهودي عبقري استخدام العقل الصغير لثقب جبل النفايات الحاخامية ذاك، يقوم غرائزي يهودي منحط بطعنه لكنه لم يمت – اسبينوزا!! وحتى اليوم، ما يزال تلاميذ اسبينوزا، في كل العقائد، يتلقون الطعنات القاتلة أحياناً وغير القاتلة أحياناً أخرى من قبل الغرائزيين على اختلاف انتماءاتهم.

الإنسان، ربما أيضاً بسبب أصله الحيواني، يحب أن يكون مسيّراً لا مخيّر! ورغم كل التقدّم المعرفي، ما تزال الغرائز الحيوانية هي الأقوى عند الحيوان الناطق المسمّى بالإنسان. الحيوانات كلّها تسير خلف قائد – كالحاخام تماماً – يأخذها أحياناً إلى حالة انتحار جمعي لا سبيل إلى تفسيره: هل تذكرون جماعة هيكل الشعب الذين انتحروا بسريّة غامضة ذات يوم في غويانا؟ من هنا، يبدو أنه من المريح تعطيل المسئولية، مثل الأطفال الصغار أو القرود، وتحميلها لأحد المبرّزين!

الإنسان الفرد اليهودي لا يملك ما يبرر به كتلة السخافات التي يطلق عليها تراث مقدّس إلا بأن الله أنزلها. الدليل الدائري: كيف تعرف أن النص من الله؟ لأنه إعجازي!! وكيف تعرف أنه إعجازي؟؟ لأنه من الله!! والمسألة برمتها رغبة الحاخام بوضع اليد على حاضر الشعب ومستقبله!!

الله يريد: بوضوح أكثر: الحاخام يريد!!

الله لا يريد: بوضوح أكثر، المسألة لا تتناسب مع مصالح الحاخام...

هل فُهمنا؟؟

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي الدين: مصادرة العقل والتفكير والمسئولية!