نبيل فياض

الإسلام الوسطي المعتدل: خرافة أم حقيقة؟

حين يقرأ المرء بعض كتب كلية الشريعة بجامعة دمشق، التي توصم بالاعتدال مقابل بعض المراكز الدعوية الخاصة المنتشرة كالفطر في سوريا والتي تفوح منها الرائحة الداعشية؛ يتساءل : إذا كان ترك المسلم للصلاة يوجب قتله دون استتابة، كما تعلّم تلك الكلية، فماذا تعلّم غيرها من التي توصم بالتطرّف؟

  لكن ثمة سؤال يطرح نفسه بقوة هنا يبدو وكأنه نتيجة منطقية للسؤال السابق: إذا أرادوا قتل – دون استتابة – كل تارك للصلاة في سوريا، كم سيتبقى من الشعب السوري على قيد الحياة؟ أيضاً، سؤال ثالث: هل ثمة دين في العالم كلّه يقتل أتباعه إن لم يلتزموا بكل دقائق الدين، غير الإسلام؟ وهنا أيضاً نتساءل: هل جرؤ " عالم " [ كذا ] مسلم على اعتبار داعش، عبر تصرفاتها الإجرامية، خارجة عن ملّة الإسلام السنّي؟ - خاصة وأن الدواعش على الدوام يقدّمون الأدلة الشرعيّة التي تبرر لهم تلك الجرائم بحق الإنسان وحقوقه؟؟

أعمل اليوم بجد هائل وربما متعب على كتاب اسمه " إبراهيم "! هذا الكتاب هو عمل جماعي بحثي يتناول شخصية هذا النبي المفترض، ومكتوب بأكثر من لغة. الكتّاب يركّز بأكثر ما يمكن على الآيتين 2:12 – 3 من سفر التكوين، خاصة مسألة مباركة الله لشعوب الأرض عبر إبراهيم. والكتاب يدخل في تفاصيل قصة إبراهيم من سفر التكوين إلى فيلون السكندري، ومن ثم يوسيفوس فالتلمود والمدراش، ليتوقف عند ما كتب في العهد الجديد عن هذا الأب، خاصة رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية، لينتهي أخيراً في " إبراهيم في الإسلام "! وجيد أن لا عربي ولا مسلم ساهم في هذا العمل النادر، وإلا شوه البحث بالخرافات.

من جانبنا، سنضيف مقدّمة مطولة عن قصة هذا النبي بين الروايات التاريخية والدينية، نرتكز فيها إلى أحدث ما قيل عن هذه الشخصية في البحوث العلمية الرصينة؛ ثم نقدّم في نهاية الكتاب دراسة حول سفر إبراهيم في كتاب العهود والمواثيق، أحد النصوص المقدّسة في الكنيسة المورمونية، لنختم بنص مترجم عن مصادر قصة إبراهيم في القرآن، للباحث الألماني الشهير، هاينريش شباير.

بعكس العلوم، أدلة الأديان كلّها ظنية! ولو كانت أدلة مطلق دين غير ظنية، لآمن به الناس جميعاً، وانتهت بذلك نغمة التعددية الدينية في هذا العالم. كيف؟ بتبسيط شديد، نقول: إن H2 + O = H2O! أي أن ذرتي هيدروجين + ذرة أوكسجين = ماء. وهذا الأمر يتفق عليه الجميع، كحقيقة علمية، من الصين إلى الدنمارك. لكن الفروقات الدينية أمر لا إمكانية لإلغائه: حين تقول الكنيسة الرسمية إن يسوع هو ابن الله؛ حين تقول اليهودية الأرثوذكسية إن إيلياهو النبي صعد إلى السماء وكذلك أخنوخ؛ حين يقول المسلمون إن ملاكاً كان يأتي محمداً كلما تطلّب الأمر؛ حين تقول المدارس البوذية عموماً إن بوذا أحرز الاستنارة؛ حين يؤمن الهندوس بآلهة لا حصر لها – كل هذا لا يخرج عن تأملات بأدلة ظنية تلزم صاحبها؛ وتلعب في تكوينها البيئة المجتمعية الدور الأول والأخير – من يولد يهودياً أو مسلماً لا يمكن أن يتقبّل عموماً الفكرة المسيحية التقليدية من أن يسوع هو ابن الله؛ بل يسخر منها أو يكفّر حاملها! بالمقابل، فمن يولد مسيحياً لا يشعر بطعم لعيشه دون المخلّص، ابن الله!

الثقافة الحقيقية عدو التطرّف والإقصاء. وحين اطلعت على ما أرسل لنا من مشاريع للترجمة لندوات بحثية عقدت في الغرب مؤخراً، لا يمكن إلا أن أشعر بالأسى إزاء الانفتاح الثقافي الغربي الذي أوصل إلى ندوتين غير عاديتين معرفياً، مثل إبراهيم والقرآن في سياقه التاريخي، وإلى الانغلاق المعرفي العربي الذي أوصلنا إلى داعش!

الحسم المعرفي هو عنوان عملنا الدائم، الذي يحميه الحسم العسكري. لكن يداً وحدها لا تصفق؛ ودون أن تتدخل الدولة – لمرة واحدة – من أجل القضاء على بؤر التطرف، سيظل حسمنا الثقافي مقصوراً على فئة قليلة هي أصلاً غير متطرفة ولا إرهابية.

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي الإسلام الوسطي المعتدل: خرافة أم حقيقة؟