نبيل فياض

رمضان والجذور الوثنية

رمضان، الشهر التاسع في التقويم الإسلامي والذي يتميّز بالتزام صارم بصوم يمتد لثلاثين يوماً من الفجر إلى الغروب، له جذوره الوثنية في الهند والشرق الأدنى. إن الالتزام بالصوم من أجل إجلال القمر، ونهاية الصوم حين يظهر الهلال، كان يمارس مع طقوس أخرى من قبل عبدة القمر في الشرق. ويحدّثنا ابن النديم والشهرستاني عن الجاندريكينيه، وهي طائفة هندية كانت تبدأ الصوم حين يختفي القمر  وتنهي الصوم باحتفال كبير حين يعود الهلال للظهور.

من ناحية أخرى، فالصابئة، الذين كانوا طائفة وثنية في الشرق الأوسط، كانوا منقسمين إلى جماعتين: المندائيين والحرانيين. لقد عاش المندائيون في العراق في القرن الثاني للميلاد. وكما هي حالهم حتى اليوم، فقد كانوا يعبدون آلهة متعددة، أو الشخصيات النورانية. وكانت آلهتهم تصنف إلى أربعة أقسام: الحياة الأولى، الحياة الثانية، الحياة الثالثة، والحياة الرابعة. تنتمي الآلهة القديمة إلى الصنف الأول. لقد استدعوا الآلهة الذين خلقوا بدورهم الحياة الثانية، وهكذا.

الجماعة الأخرى، التي كانت تعتبر من الصابئة، كان اسمها الحرانيين. وهؤلاء كانوا يعبدون سين، القمر، كإله رئيس لهم، كما عبدوا الكواكب وغيرها من الآلهة. الصابئة كانوا على تماس مع الأحناف، وهم جماعة عربية انضم إليها محمد قبل أن يزعم أنه نبي. وكان الأحناف يبحثون عن المعرفة في شمال العراق، حيث وجدت طوائف مندائية عديدة. كذلك ذهبوا إلى مدينة حرّان، في منطقة الجزيرة شمال سوريا، على الحدود مع العراق وآسيا الصغرى.

في مكة، كان الأحناف يدعون بالصابئة بسبب المبادئ التي كانوا يعتنقونها. وبعدها، حين أعلن محمد أنه نبي، دعاه سكان مكة بالصابئي لأنهم رأوه يقوم بطقوس صابئية والتي كانت تتضمن خمس صلوات في اليوم، حيث كان يؤدي حركات تتطابق مع ما كان يقوم به المندائيون والحرانيون؛ إضافة إلى الوضوء، قبل الصلاة. وفي القرآن، كان محمد يسمي الصابئة بأهل كتاب، مثلهم مثل اليهود والنصارى.

كان رمضان بالتالي احتفالاً وثنياً مارسه الصابئة، حرانيين كانوا أم صابئة. ومن كتابات ابن  أبي زند، وهو كاتب عراقي عاش عام 747 تقريباً، نستنتج أن طائفة مندائية واحدة على الأقل كانت تلتزم برمضان.

ومع أن صوم رمضان كان ممارساً في الأزمنة ما قبل الإسلامية من قبل وثنيي الجاهلية، فإن الحرانيين هم من أدخله إلى جزيرة العرب ... وكانوا يصومون صوماً كبيراً يمتد لثلاثين يوماً، يبدأ مع الثامن من آذار وينتهي عادة في الثامن من نيسان. وقد ماثل بعض المؤرخين العرب، مثل ابن حزم، بين هذا الصوم ورمضان.

لقد انتشر صوم رمضان من حرّان إلى جزيرة العرب. وربما أن هذا حدث بعد احتلال نابونيدوس، الملك البابلي، لشمال جزيرة العرب، حوالي العام 552 ق.م.، أثناء إقامته في مدينة تيماء. كان نابونيدوس من مدينة حرّان. وكان من عبدة القمر، سين، المتقدين، فأمه كانت إحدى كاهنات سين. وقد اختلف مع كهنة بابل، الذين اعتبروا إلههم، مردوخ، كبير آلهة بابل. فكان نابونيدوس متحمساً لنشر عبادة سين، القمر، ككبير الالهة. وهكذا، ترك بابل في عهدة ابنه وذهب للعيش في تيماء.

يبدو أن رمضان كان يمارس في مدن عديدة في شمال جزيرة العرب حيث حكم نابونيدوس. كانت يثرب، التي تغيّر اسمها لاحقاً إلى المدينة، واحدة من تلك المدن.

كتب ابن النديم في عمله الفهرست عن طوائف دينية كثيرة في الشرق الأوسط. ويحدّثنا في كتابه عن الشهر الذي يصوم فيه الحرانيون ثلاثين يوماً، وهم يبجلون الإله سين، الذي هو القمر. ويصف ابن النديم الطقوس التي يقومون بها والقرابين التي يقدمونها للقمر. ويقول أيضاً إنهم كانوا يسمون عيدهم عيد الفطر.

مؤرخ آخر هو ابن أبي الزند الذي يتحدّث أيضاً عن الحرانيين، يقول إنهم يصومون ثلاثين يوماً وينظرون إلى اليمن أثناء صومهم، ويصلّون خمس مرات في اليوم. التشابه بين صوم الحرانيين وصوم المسلمين ملفت أيضاً في أن الطرفين يصومان من الفجر إلى الغروب.

مؤرخ آخر هو ابن الجوزي يصف صوم الحرانيين خلال هذا الشهر. ويقول إنهم يختمون صومهم بأضاحي من الحيوانات وتقديم الصدقات للفقراء.

ويقول المسعودي إن رمضان أخذ اسمه من الطقس الحار خلال ذلك الشهر. والتسمية من ما قبل الحقبة الإسلامية. مع ملاحظة أن الشهر ثابت، أي أنه غير قمري هنا. وكان العرب الوثنيون يصومون حيث يمسكون عن الطعام والشراب والعلاقات الجنسية. كما تميز صومهم بنوع من الصمت عن الكلام. ( راجع ذكر القرآن لصوم مريم عن الكلام ).

  إعداد: نبيل فياض

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مقالاتي رمضان والجذور الوثنية