نبيل فياض

مسيّر مخيّر، مخيّر مسيّر

المقال مشاركة من الصديقة شيرين حداد

كان واضحاً في الأديان السماوية أن الإنسان كلاً من مسير و مخير في آن. أما فيما هو مسير، فهو القدر المرسوم مسبقاً بما يخص رزقه و أجله و سعادته و شقاءه... و أما فيما هو مخيّر، فالله أعطاه عقلاً وسمعاً و بصراً و أدوات، فهو بها يعرف ما يضره و ما ينفعه، و ما يناسبه و ما لا يناسبه، فإذا أتى الطاعة فقد أحسن الاختيار، و إذا أتى المعصية فقد أساء الاختيار، فليس بالمجبور ولا مكره، بل له عقل ينظر و يميز به بين الضار و النافع، و الخير و الشر، و الصالح و الطالح. و له سمع يسمع، و بصر يبصر به، و له أدوات من أيدٍ يأخذ بها و يعطي، و أرجل يسير عليها، إلى غير ذلك فهو بهذا مخير.

إذاً نستنتج بحسب الأديان أن قدر الإنسان مرسوم مسبقاً، و إن تحقيقه لأي نجاح أو غنى أو سعادة، يعتقد بغروره أنه حققه بذاته، إنما هو مرسوم مسبقاً.

ما يثير تساؤلي هو: إن كان الإنسان و ما يحققه بعمله مسيراً به، أي أنه كان مدفوعاً بحافز أو طريقة ما ليقوم به و يعمل به، فكيف ممكن أن يكون مخيراً!!؟؟؟

لنأخذ بعين الإعتبار الأدوات التي منحها الله للإنسان ليختار الجيد و السيء في حياته، و أولها هو العقل:

هناك عقل واعي و هو العقل الذي نفكر و نتواصل و نقوم بالعمليات الحسابية عن طريقه... كما أنه هو الجزء الجسدي المتصل بشبكه عصبية بكل الجسم، لينبئنا في حالة المرض و الألم و السعادة و الحزن...
وتقوم آليته على شيء يشبه المخزون أو الداتا التي تختزن تجاربنا منذ الصغر.

مثلاً إذا كنت لا تعرف أن النار تحرق كالأطفال تماماً، فلن يكون لديك مانع بأن تمد يدك للنار، لكن حين تحترق يدك، سيتخزن في عقلك فكرة أو مفهوم أن النار تحرق و تسبب الألم في حال ملامستها.. هكذا يعمل العقل الواعي، هو مخزون فكري مستمد من تجربة فعلية أو من قراءات أو مشاهدات تمت على مدى العمر.

كما أن لهذا العقل مهمة أخرى و هي التخطيط للمستقبل و إمكانية التنبؤ بنتائج و عقبات أو حلول صابت أم أخطأت، لكن كل هذا يكون استناداً على تلك الداتا المقتبسة من الماضي.

و لكل عقل امكانية و مقدرة محددة، تكبر أو تصغر بفعل زيادة أو نقصان التجارب و القراءت الفكرية.. و بفعل عوامل وراثية جينية قامت بتشكيل مقدرة هذا العقل بالأساس.

إذاً فعقل الإنسان مستند بالأساس على ماضيه التربوي، الاجتماعي، التجريبي، و الجيني.

السؤال هو: هل اختار أي إنسان أبويه؟؟ مجتمعه؟؟ بيئته التي هيأت له أن يختبر ما يختبر؟؟ أو حتى مدرسته و ما تم تلقينه ثقافياً؟؟

فكيف إذاً يختار بعقله؟؟ و هل ما يختاره بعقله هو فعلاً اختيار؟ أو أنه مجرد ردة فعل مقتبسة من تاريخه التجريبي. فكيف يكون الإنسان مختاراً بعقله و هو غير مسؤول عن ما وضع فيه؟؟

هناك نظرية جاء بها الجاحظ و خالف بها المعتزلة، و هي نظرية ذات أهمية غير قليلة في موضوع المنطق، و للأسف أنها لم تحفظ بتفاصيلها كما جاء بها الجاحظ، فهي قد ضاعت أو أتلفت كما ضاعت كتب للجاحظ كثيرة، إنما بقي منها شيئ يسير نجده في كتب الناقدين للجاحظ أو المترجمين له.

والنظرية في مجملها تناقض النزعة العقلانية

و يتبين من خلال دراسة البقية الباقي من النظرية أن الجاحظ يعتقد بأن العقل البشري لا يستطيع أن يرى الحقائق الخارجية رؤية صحيحة تامة، فهو محدود في مجال معين لا يستطيع أن يتعداه، مثله في ذلك كمثل البصر. فأنت تنظر إلى الدنيا بعينيك و لكنك لا تستطيع أن ترى بها كافة الأشياء الموجودة، إذ أن بصرك محدود تحده الحواجز الكثيفة من جهة و المسافة البعيدة من جهة أخرى، و ليس في مقدور إنسان إذاً أن يرى ما يراه إنسان آخر إلا إذا كان مجال البصر لديهما متماثلاً، ( و هنا أضيف، أنه يجب أن يملك نفس المقدرة البصرية أيضاً ). و هذا هو شأن العقل. و لهذا فإن من الظلم أن نطالب الناس بأن يحكموا في الأمور حكماً مشابهاً. إن مجال عقولهم مختلف و لا بد أن تأتي أحكامهم مختلفة. ( أضيف، هل اختاروا مجال عقولهم؟؟)

وافق الجاحظ على أن الإنسان قادر على توجيه إرادته كما يشاء، و لكن هذه المقدرة لا تعني في رأي الجاحظ أن الإنسان قادر أن يفكر كما يشاء. فأنت قادر أن تفتح عينيك و تغلقها و لكنك مع ذلك لا تقدر أن ترى أبعد من مجال بصرك. و إذا كنت مصاباً بعمى الألوان فأنت تريد أن تميز اللون الأحمر عن الأسود و لكنك غير قادر.

و كذلك الأمر في التفكير فالانسان يستطيع التفكير في الأشياء و الإمتناع عن التفكير فيها، إنما هو غير قادر أن يفكر في أمور خارجة عن نطاق تفكيره، أو في أمور يعجز عقله عن استيعابها.

و من الواضح أن هذه النظرية لم ترق في أعين الفقهاء و المتزمتين فسعوا الى اتلافها أو ضياعها، و لعل من الأسباب التي جعلت الفقهاء يمتعضون من نظرية الجاحظ هو أنها تؤدي الى القول بأن الكثير من الكفار غير مسؤولين عن كفرهم و لا يجب معاقبتهم عليه فالكافر الأمي الذي يعيش في قرية منعزلة مثلاً لا يعرف من العقائد غير الذي نشأ عليه، و هو إذاً لا يستطيع إلا أن يفكر في نطاق تلك العقيدة. انه غير ملوم في ذلك و غير معاقب عليه.

مما سبق يتبين أن الإنسان لا ذنب له في ما تم ادخاله في عقله، فهو لم يختار، بل هي البيئة و الزمان و المكان و التربية و المجتمع و الثقافة هي من فرض عليه التفكير بطريقة ما. و بالتالي فإنه مدفوع بخياراته العقلية بدوافع موجودة فيه دون أن يعرف أصلها و منشأها.

إذا أردنا التطرق إلى أدوات اختياراتنا الأخرى و هي، السمع، البصر، و اللمس، سيكون علينا التحدث عن الدوافع مجدداً و مصدرها.

فمن البديهي أن باستطاعتك الآن إغماض عينيك، لكن من المؤكد أنك إن قررت أن تفعل، فإنك مدفوع بدافع ما، كحاجتك الجسدية مثلاً للراحة أو النوم.

السؤال هو: هل أنت مسؤول عن هذا الدافع أم هو أصلاً موجود فيك؟؟ و إن قررت برغم دافعك هذا أنك تريد البقاء متيقظاً و فعلت، أولست أيضاً مدفوعاً بدافع أقوى و برغبة أخرى عليك تحقيقها متيقظاً، إن كان لقضاء متعة معينة أنت بحاجتها أو أي شيء آخر..

الاحتياجات الجسدية دائماً مسيرة بدوافع منها ما نعلم مصدره و منها لا، منها ما هو عقلي و ما هو غريزي، و ما هو عقلي أيضاً و ما هو لاشعوري.

فمثلاً حاجتك للأكل دافعها هو جوعك، و حاجتك للنوم دافعها هو جسدك المرهق، و حاجتك للاسترخاء دافعها هو شعورك بالتوتر. و هكذا دواليك، فإن كل احتياجاتنا مرهونة بدوافع منها شعورية و منها لاشعورية.

قد نكون قادرين على التحكم باحتياجاتنا طبعاً مدفوعين بدوافع مقنعة، لكن هل نحن قادرين على التحكم بدوافعنا؟؟ و إن تحكمنا، ألا نستمد قدرتنا على التحكم من دافع آخر موجود فينا؟؟

لعل أهم من تكلم عن الدوافع هو سيغموند فرويد، و هنا كان لابد من الإطلاع على رأي علم النفس بما يخص الدوافع البشرية.

قدم فرويد الفكرة المحورية بأن معظم سيرورات السياق العقلي التي تحدد أفكارنا اليومية و مشاعرنا و إرادتنا إنما تحدث بشكل لاشعوري... و كذلك حدد المختصون بعلوم الأعصاب هوية منظومات الذاكرة اللاشعورية التي تتوسط في التعلم الإنفعالي. ففي عام ١٩٩٦، أوضح لودوكس (في جامعة نيويورك) وجود مسار عصبوني يقع تحت القشرة المخيّة الواعية و يربط المعلومات الإدراكية بالبنى الدماغية البدائية المسؤولة عن توليد استجابات الخوف. و لما كان هذا المسار يلتف حول الحصَيْن (الذي يولد الذاكرات الواعية) متجاوزاً إياه، تبعث الأحداث الحالية على نحو روتيني ذكريات لاشعورية لأحداث ماضية مهمة من الناحية الإنفعالية، الأمر الذي يسبب مشاعر واعية تبدو غير منطقية، مثل القول، "الرجال الملتحين يجعلوني غير مرتاح".

مما سبق يتضح أن جزء من الإنسان هو شعوري (واعي)، و جزء منه لاشعوري (لاواعي). و الجزء الواعي متأثر بشكل كبير لا إرادي بالجزء اللاواعي... راقب نفسك حين تقوم بأي فعل و قم بطرح الأسئلة على نفسك.

مثال:
-لماذا أدخن؟؟

الجواب لأني مدخّنة

-كيف و لماذا بدأت التدخين؟؟

رأيت في مراهقتي فتاة مدخنة أعجبتني، جربت التدخين مثلها و أعجبني

-لماذا أعجبني؟؟

لا أعرف

قد أعتقد للحظة الأولى أني اخترت أن أكون مدخنة، هذا ما يوحيه لي جزئي الشعوري، لكن هناك جزء لاشعوري جعلني ألتفت إلى الفتاة، و أعجب بشكلها و هي تدخن، و أتمثل بها و أستمر..

في النهاية و باعتقادي الشخصي، أن الإنسان أضعف من أن يكون مخيراً، فهو محكوم بسلسلة غير معروفة البداية من الدوافع و الإنفعالات التي لم يكن بالأصل مخولاً بأن يختارها.. حتى أنه في حياته اليومية يتغير مزاجياً عدة مرات و تتغير انفعالاته بما يتوافق مع ما تعرض له من تأثيرات، إن كان عن طريق المحيط أو المكان أو الصحبة و الطقس أو حتى الطعام، و كل شيء حتى أدق التفاصيل.. فكيف إذاً له أن يكون مخيراً؟ و هو حتى عاجز عن اختيار ما يؤثر فيه سلباً أم إيجاباً، و إن أوهمه غروره بالعكس، فهو يبقى مخيراً من ضمن المختار، أي إنه بالنهاية مسير.


المراجع:

منطق ابن خلدون (علي الوردي)

الأنا والهو (فرويد)

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مشاركات الأصدقاء مسيّر مخيّر، مخيّر مسيّر