نبيل فياض

من هو الله!!؟ - الجزء الرابع والأخير

مقارنة ميثودينية - رموز وطقوس عشتارية تناقلتها الديانات التوحيدية

أسطورة التثليث، و أطوار القمر الثلاثة:

إذا نظرت إلى السماء في ليلة مقمرة، تجد ضوء القمر يلج في العتم ويتشابك معه، والعتم يسكن في ضوء القمر وبين أجزائه، فالنور والظلام لا يتنافران عند سيدة القمر بل يتجاذبان ويلتقيان.. نحو النور تدير وجهاً، و نحو الظلام تدير وجهها الآخر، وفي دورة حياتها الشهرية تظهر الضدين وتوحد بينهما من خلال تعاقب أطوارها الثلاثة: الطور المتزايد، والطور الكامل، والطور المتناقص.

الطور الأول هو الفترة التي يقضيها الهلال في التزايد والتحول من خيط رفيع إلى قرص مكتمل، والطور الثاني هو فترة القمر البدر الذي يتوسط السماء بكامل استدارته وتألقه، والطور الثالث هو الفترة التي يقضيها القمر في التناقص والميلان عن كبد السماء حتى التلاشي والغوص في أعماق الظلام..

لقد اعتقد الأقدمون أن بركة القمر وخصائصه الإيجابية إنما تكمن في طوره المتزايد، طور اكتمال النور، لذا كانوا يقومون بفلاحة حقولهم وبذرها خلال أيام القمر المتزايد، فإذا ابتدأ القمر بالتناقص كان ذلك نذيراً بكل سوء محتمل، فكانوا يقلعون عن مباشرة الأعمال الزراعية والشروع في أي نشاط يأملون له فلاحاً. ذلك أن الأم القمرية الواحدة مسؤولة عن القوى السالبة في الكون مسؤليتها عن القوى الموجبة وعن الخير مسؤوليتها عن الشر، وعن الحياة مسؤوليتها عن الموت. وهي في طورها المتناقص قد تأخذ ما أعطته في طورها المتزايد. وعندما تختفي تماماً في الظلام ترسل عفاريت العالم الأسفل لقبض أرواح من وهبتهم الحياة..

إن ديانة تؤمن بإله واحد ولا تؤمن معه بوجود إبليس ليحمل عنه مسؤولية الشرور في العالم، ستتوصل بلا شك الى الإيمان بوحدة النقيضين في تركيب واحد، كما في الديانات العشتارية.

لقد عبرت الأعمال التشكيلية القديمة عن الوجوه الثلاثة لعشتار سيدة القمر، وقد رمز الفينيقيون في سورية إلى أطوار عشتار الثلاثة بثلاثة أعمدة متفاوتة الطول يعلوها الهلال، أو بثلاثة أعمدة على هيئة صليب يعلوه  هلال، وقد يرسم القمر على شكل دائرة تحتوي ثلاثة أهلة، يرمز كل منها إلى طور من أطواره.

و عندما تحول القمر إلى مذكر في بلاد الرافدين تحت اسم "سن" بقيت الأعمال التشكيلية تعبر عن وجوهه الثلاثة.

وقد صورت الأم القمرية أحياناً في هيئة مثلثة، قفد صورت الهة الاغريق أرتميس بثلاثة رؤوس، يلتفت أولها إلى اليمين دلالة القمر المتزايد، والثاني نحو الأمام دلالة القمر التام، والثالث إلى اليسار دلالة القمر المتناقص..

وقد يؤدي تثليث سيدة القمر إلى عبادتها في ثلاثة أشكال، كما هو الحال في الأم الكبرى لحضارة السلت "بريجيت"، وكانت بريجيت أم الآلهة وسيدة الطبيعة، من ألقابها، الأم الطيبة، و كانت أيضاً تدعى بالمتألقة وبمونا، وهو الاسم الذي بقي قائماً في اللغات الأوروبية للدلالة على القمر. وكانت ديانة السلت والحالة هذه توحيدية و تثليثية في آن معاً. و في الفترات الأولى في المسيحية اختلطت هذه الآلهة بمريم العذراء.
وربما كان تثليث الأم الكبرى لجزيرة العرب هو الذي أدى إلى انقسامها الى ثلاثة هن، اللات والعزى ومناة، اللواتي كن أعلى آلهة العرب شأناً، وكان اسمهن يذكر أثناء الطواف حول الكعبة، ورغم استقلال كل قبيلة عربية بعبادة واحدة من هذه الآلهات، فإن كل آلهة على حدة كانت تظهر خصائص تثليثية واضحة.

وقد حاول الفن المسيحي اتباع اسلوب التثليث في رسم المسيح، إلا أن الكنيسة كانت ضد هذا الإتجاه في أحيان كثيرة، لأنها رأت فيه نوعاً من الوثنية المقنعة.. إلا أن العبادة المسيحية لن تخلو من التثليث، عن طريق عبادة الله بأقانيمه الثلاث، الآب والإبن والروح القدس، تجليات ثلاث تعبر عن إله واحد.

الصليب:

يظهر رمز الصليب أكثر ارتباطاً بالأم الكبرى في تجليها القمري، فخطّا الصليب المتقاطعان ، ربما يرمزان إلى الامتداد اللانهائي للحضور الإلهي وإلى شمولية الأم الكبرى.. وقد نُحتت الأم الكبرى نفسها و صُورت على هيئة صليب، كما هو الأمر في مستوطنة شتاك حيوك التي صورت فيها الأم الكبرى بالطريقة الكلاسيكية المعروفة لذلك العصر، بحيث شكل خط الصليب العمودي جسم الآلهة ، بينما رسمت الذراعان خطه الأفقي.
و مع مطلع عصور الكتابة يتابع الصليب اقترانه بالقمر، ففي اهرامات الجيزة عثر على أشكال زخرفية تمثل الأم الكبرى في هيئة صليب يعلوه هلال، حيث استبدل الرأس بالهلال. و قد استمدت الرموز المسيحية هذا التكوين، حيث نعثر على الهلال الذي يرتكز في وسطه عمود أو صليب في بعض الكنائس اليونانية الأولى.

لقد رافق صليب الأم السورية الكبرى الانسان منذ بدايات مغامراته الروحية، وما زال قائماً بيننا ليؤكد وحدة التجربة البشرية عبر العصور.

الأم الكبرى سيدة الموت:

<<تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي>> (سورة ال عمران اية ٢٧)

إن الإله الكوني الشمولي عندما لا يجرد من نفسه ظلاً له يحملّه مسؤولية الموت وشرور الحياة، لا بد له من الامساك بخيوط القوتين الكونيتين بذراعيه الاثنتين، فباليمنى يمسك قوة الحياة والخير، و باليسرى قوة الموت والشر، وهنا تغدو مسألة استرضاء وجه الإله الأبيض واتقاء وجهه الأسود الموضوع الأساسي لكل العبادات والطقوس. من هنا نستطيع فهم الخصيصتين المتناقضتين للام الكبرى للعصر الحجري، أول إله شمولي عبده الانسان. فقد دلتنا الاكتشافات الأركيولوجية الحديثة في الشرق الأدنى، على ان الأم الكبرى للعصر النيوليتي قد عبدت كسيدة للموت كما عبدت سيدة للحياة.

و تدل طقوس الدفن التي مارسها سكان المستوطنات الزراعية النيوليتية على أن الموت لم يكن بالنسبة إليهم سوى معبراً للعودة إلى أحضان سيدة الموت التي كانت في الوقت نفسه سيدة الحياة.
أسطورة الموت و البعث:

يشكل عيد الربيع السنوي البابلي اختصاراً لعيدين قديمين تم دمجهما في عيد واحد، هما عيد الحصاد الذي كان يتم في شهر يوليو ( وهو الشهر الذي ما زال المشرق العربي يطلق عليه اسم تموز) حيث كانت تقام طقوس ندب تموز القتيل، روح القمح، وعيد الربيع الذي كان يتم مع الانقلاب الربيعي، حيث كانت تقام طقوس الاحتفالات بعودة روح القمح القتيل الى الحياة.. ثم جرى تأخير الاحتفال الربيعي ليستقر حول الخامس والعشرين من نيسان، ملخصاً الاحتفالين معاً في عيد مدته ثلاثة أيام، حيث يتم في اليوم الأول بكاء تموز وتمثيل عذاباته وآلامه، بشكل يدفع جمهرة المحتفلين الى هستيريا جماعية، يتخللها الى جانيب النحيب والعويل، لطم الخدود وتمزيق الثياب. وفي اليوم الثالث عندما يعلن الكهنة قيام السيد من بين الأموات ينقلب المأتم إلى عرس وتبدأ احتفالات العيد الحقيقية، إلا أن مدة العيد لا تعكس فترة موت تموز واحتجازه في العالم الأسفل فطقوس العيد ليست سوى دراما يستعيد فيها المحتفلون قصة عشتار و تموز وهي بقية من طقس قمري قديم كان يتم في كل شهر لمساعدة القمر على الظهور ثانية عند المشرق، ثم صار يتم كل عام لمساعدة روح النبات على قهر الموت. أما موعد العيد السنوي، حوالي الخامس والعشرين من نيسان فقد بقي موعداً تجمعت حوله معظم أعياد ابناء الأم الكبرى، وصولاً الى عيد الفصح، ذكرى قيامة المسيح في اليوم الثالث من الأموات.

أسطورة الحج والكعبة والحجر الأسود:

لقد حارب الإسلام ما تبقى من عبادات وثنية إلا أنها ما لبثت أن عادت لتستمر حتى يومنا هذا كما استمرت جميع طقوس الأساطير السابقة، لتؤكد لنا استمرار الإنسان بالخضوع للآلهة الأولى رغم المحاولات المستمرة عبر التاريخ لتحريف و تغيير تلك العبادة عن مسارها.

لقد عبدت الأم القمرية من خلال رمز الكتلة الحجرية، فالصخر الذي هو رمز الأرض، هو في الوقت نفسه رمز القمر، فالأم الكبرى لجزيرة العرب كانت لها أكثر من حجر مقدس، من ذلك الحجر الأسود للآلهة مناة الذي كانت تعظمه العرب.

وكان للأم الكبرى لآسيا الصغرى سيبيل، حجر مقدس أسود في مقر عبادتها الرئيسي في فرجيا نقله الرومان إلى عاصمتهم في احتفال تاريخي مشهود.

وقد يتحول شكل الكتلة الحجرية إلى عمود متطاول أو مخروطي، يظهر في النصب والمنحوتات البارزة وقد علاه هلال.

وقد ذكر الباحثون الاسلاميون أن العرب الوثنيين كانت لهم عادات وعبادات متصلة بالحجر الأسود، وقد كان الحجر الأسود مقدساً في الجاهلية لدرجة أن الكعبة استمدت تقديسها منه كما يذكر.

و كانت الكعبة المكيّة إطاراً لحجر أسود كما كانت باقي الكعبات تتسم بذات السمة،  

وقد حدث أن أكرم نبي المسلمين الحجر الأسود، واستمر في إكرامه واستخدامه في العبادة إلى آخر أيامه ومنها حجة الوداع.

الخلاصة:

اذا ما تتبعنا العبادات القديمة و قارنناها بالعبادات الحديثة، وجدنا أنها لوحة فسيفساء ضخمة متماسكة، مشتقة من إله واحد مهما تعددت أسماؤه ورموزه التي تصب كلها في بحر واحد، بحر عميق أزلي، قديم قدم الإنسان. فكرة أولى انبثقت مع أولى تأملات الانسان الكونية، وعبّر عنها بطقوس وعبادات عدة لإله يتجلى في كل زمن بما يناسب فكر انسان هذا الزمن.

نتيجة لما سبق سنجد نفسنا أمام تساؤل خطير، هل خلق الله الإنسان أم أن الانسان ابتدع الله بحسب رغبات ومخاوف عصره؟

 يرى فرويد مؤكداً لسابقه فيورباخ، بأن الشعور بالتبعية هو إحدى الأسباب المنتجة للدين. كما أن الدين هو شعوراً محيطياً، محض ذاتي، نابع من نكراننا لفنائنا و رغبتنا بالأبدية، مما دفعنا للتفكير بوجود عالم آخر ينفي صفة الفناء عن الموت و يعد بحياة أخرى.

أما بما يخص التصديق والإيمان، فهو موروث عن مجموعة من الأفكار والمبادئ المنقولة إلينا عبر الأجيال عن أسلافنا الأوائل.. وهذا هو مبدأ الطوطم، فمع التصديق الأعمى المنقول عبر التاريخ من جيل إلى جيل، تصبح الشعوب التي تعبد أي رمز غيبي مقيدة بطوطمها و لا تجرؤ على الانتفاض عليه، إلا أنها تسقط منه بعض العادات الغير قابلة للحياة الحالية، لكن الطوطم يبقى حياً.

إن هذا الموروث الذي جمع بين المقدس و المدنس و راكم الشعور بالخطيئة والذنب، وتمظهر بالنهاية بهيئة ضمير أخلاقي، كان كفيلاً بانتاج جمهوراً منوماً يستند إلى أضعف البراهين.. وما يعين هذه الصيغة على الاستمرار ويجعلها قابلة للحياة هو وجود الفرد ضمن مجموعة أو جمهور. فوجود الفرد في مجموعة دينية كفيل بخلق جمهوراً نفسياً محدد، يجعل من الفرد عبداً لنشاطاته اللاواعية، وموجهاً عبر المنوّم كما يشاء.
إن سيطرة الطوطم (المقدس) هو العجز عن مواجهة الواقع بعيونه، إنما بعيون الماضي.

من هو الله؟؟ هو حاجتك للحماية من مخاوفك، ورغبتك بتحقيق أمنياتك.. هو ملاذك الوهمي الذي يواسي شدتك و عذابك، هو طوطمك الفقاعي المتلاشي عند أول خيوط الشك. هو أنت وما تواجهه من رغبات ومخاوف لاواعية.

خاتمة:

بحثت عم نجمة تنير طريقي المعتم بوضوح، فوجدت الله

بحثت عن ملاك مخلص أناجيه في عجزي فوجدت الله

وبحثت عن يدٍ سحريةٍ خفية قادرة على نشلي من مآسي الحياة المادية، وقادرة على استحضار حلمي بإيماءة منها..فوجدت الله

ثم بحثت عن الله نفسه، فارتطمت بفكرة ذهبت بي إلى الماضي البعيد، فوجدته تارة طيراً وتارة حجراً، وأخرى شجرة ومرة بقرة، وشمساً وقمرا.. لم أجد سوى رموز تختلف بحسب الزمان وكلها هي الله.. رغبة ورهبة الإنسان، تعبيراً عن خوف أو عن حاجة.. حلماً يأخذه إلى حياة أفضل وأنقى من هذه الحياة.. حلماً يجرده من عجزه الحالي ويأخذه إلى مكان خالٍ من التناقضات، لا قوة ولا ضعف لا شهوة ولا خوف، مكان ما تستوي فيه جميع التناقضات فيذوب ويلتحم بكل الموجودات، مكان أشبه بالعدم، بالسكون المطلق.. حلم أراد الإنسان تجسيده وعبر عنه ب"الله".

هذه السلسلة مبنية على مجموعة اقتباسات من عدة مصادر لتحقيق المصداقية بما يخص آخر البحوث الأركيولوجية، والتحاليل النفسية والفلسفية للمفهوم الإلهي، والمصادر هي:

كتاب لغز عشتار لفراس السواح

كتاب الطوطم والتابو لفرويد

كتاب علم نفس الجماهير لفرويد

كتاب أصل الدين لفيورباخ

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مشاركات الأصدقاء من هو الله!!؟ - الجزء الرابع والأخير