نبيل فياض

من هو الله!!؟ - الجزء الثالث

مقارنة ميثودينية - رموز و مفاهيم مقارنة

مشاركة من الصديقة شيرين حداد

كانت الأم الكبرى في المجتمع الأمومي تتربع وحيدة على عرش الألوهة، ومع بداية الصراع مع الذكورة شاركها في السلطة ابنها الذي نشأ عنها كمقدمة لظهور بقية الآلهة الذكور..

و حين انتقلت السلطة في المجتمع نهائياً الى الرجل، و تكونت دولة المدينة القوية ذات النظام المركزي والهرم السلطوي والطبقي الصارم الذي قام على أنقاض النظام الزراعي البسيط، يظهر الآلهة الذكور ويتشكل مجمع الآلهة برئاسة الإله الأكبر.. هنا نجد الآلهة الكبرى للعصر النيوليتي نفسها وقد غدت احدى آلهة هذا المجمع.
حاولت الديانات الذكرية المتطرفة أن تجتث تماماً صورة الأم الكبرى من نظامها الأسطوري، كما هو الحال في ديانة العبرانيين بشكلها التوراتي المتأخر، فهنا لا نكاد نجد ما يذكر بالأم الكبرى سوى أثر باهت في شخصية حواء التي حولتها الاسطورة التوراتية من مبدأ للكون إلى مجرد أم للجنس البشري.

لكن التقاليد المسيحية اللاحقة ما تلبث أن تعيد للأم الكبرى سابق مجدها و سلطانها، وتبدأ مريم العذراء رحلتها من أم يهودية تقية كما تبدو في الأناجيل، إلى أم كونية ووالدة للإله الذي اقترب من البشر بدخوله في تاريخهم وتجسده في عالمهم، ومروره عبر جسد الأم الكبرى طفلاً لها.

بداية أسطورة العذراء:

يوم أحيل إلى فناء كل ما قد خلقت

ستعود الأرض محيطاً بلا نهاية كما في البدء

وحدي أنا أبقى

فأستحيل إلى أفعى كما كنت

خفية عن الأفهام

هذا ما تحدثت به عن نفسها الأم المصرية الكبرى مختصرة مبدأ الأشياء وحالها ونهايتها. فقبل البدء كان العماء، الظلمة الأزلية، الأوقيانيوس المائي بلا سطح او قرار، التماثل الساكن قبل أن تخرج منه الأشكال، الواحد قبل أن يتولد منه الكثير، التركيب المطلق قبل نشوء المتناقضات، النقطة التي تملأ كل فراغ، الرحم المظلم الخصيب بكل الممكنات، الأم الأزلية عشتار العذراء، الأفعى الكونية التي تستدير على نفسها فتعض على ذيلها واصلة مبتدأها بمنتهاها..

هذه الحالة الأولى التي تتداخل فيها الظلمة والمياه والسكون، هي الهيولي البدئية والمدار الأعظم الذي رمزت إليه ميثولوجيا الشعوب بشكل الحية التي تعض على ذيلها دلالة اكتمال الأزلي للمطلق قبل أن ينحل إلى مظاهر الكون المختلفة..

فعشتار كانت ولا شيئ معها، قيومة بذاتها، مكتملة بنفسها، غنية عن العالمين، و كانت عذراء لأنها ابتدأت الكون فيما بعد من خصبها الذاتي دون معونة من مبدأ ذكري يشاركها أزلها.. فتولدت عنها الموجودات كما يتولد النور من مصدر الاحتراق وإليها تعود الموجودات في نهاية الأزمان لتفنى فيها وتبقى وحدها كما كانت، دائرة مكتملة بعد أن يهدأ صخب الوجود وتسكن حركة السالب والموجب وتتصالح المتناقضات، الين واليانغ، الإيروس واللوغوس، الأنيما والأنيموس

اسطورة القمر و الخصوبة:

وجد الانسان القديم علاقة بين القمر وخصب  الارض ونمو الزرع، قبل أن يكتشف العلاقة الفعليه بين الشمس والحياة النباتية.. فضوء القمر الأصفر اللين وطراوة الليل الذي يترك الندى ليمد اوراق النبات بالحياة وبرطوبة تنعش الارض، كان في تصور الانسان أكثر ملاءمة من اشعة الشمس الحارقة ونور النهار الساطع.

من ناحية أخرى لاحظ الانسان أن تتابع الفصول هو الذي يهيء الشروط لتستكمل الدورة الزراعية غايتها، وأن تتابع الفصول بدوره نتاج دورة القمر الشهرية التي تضع علامات الزمن، فكان القمر بالنسبة للانسان القديم خالق الزمن وسيده، ورب الفصول التي تتوج حركتها بفصل الربيع الذي يحيي الارض بعد ثباته.

كان مشهد الليل الجليل وقبة السماء الحالكة بنجومها وشهبها ومذنباتها السابحة من اكثر المشاهد تأثيراً في نفس الإنسان القديم.. وكان الليل بالنسبة اليه هو الاصل والنهار هو الفرع، الليل ازلي و النهار حادث.. وعن العماء الأول ظهرت كل الموجودات كما تظهر النجوم في كل يوم من جوف الليل كما يأتي، وعن الظلمة الخافية ظهرت المرئيات الواضحة، والخلق فعل سري يسمو على الفهم لذا فإنه يصدر عن الليل و الظلمة.

تؤكد معظم أساطير الخلق والتكوين على ظهور النشأة الأولى من الظلمة الأزلية.

ففي أسطورة التكوين البابلية، كانت تعامة هي الرحم المائي المظلم الذي نشأ عنه الكون والآلهة، وفي الأسطورة المصرية نجد "نون" العماء البدئي المظلم والرحم المائي الذي أنجب أول الآلهة "رع".. وعند الكنعانيين نجد أنه في البدء لم يكن هناك سوى ريح عاصفة وخواء مظلم.  وفي التكوين التوراتي نجد أنه في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة خالية وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الرب يرف فوق الماء: (سفر التكوين، الإصحاح ١)

وفي القرآن خلق الله الظلمة قبل النور من العدم ولم يكن هناك شيء سوى عرشه على الماء كما في الاسطورة البابلية: «وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء....» (سورة هود: 7)

 «أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا# رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا# وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا#» (21 الأنبياء: 31-32).

 إن أولوية الليل على النهار تستدعي أولوية القمر سيد الليل على الشمس، وأسبقية الديانات القمرية على الشمسية. ففي جميع الثقافات كانت الميثولوجيا القمرية، سابقة على الميثولوجيا الشمسية. ومع انهيار الثقافات الأمومية وصعود الثقافات الذكرية، غلبت الشمس القمر. وراح آلهة الشمس يبنون أمجادهم بعد معارك حاسمة مع سيدة العتم وابنها الثور، فقتل مردوخ الأم تعامة في صورة تنين رهيب.

وفي ملحمة جلجامش نرى هرقل، البطل الأغريقي ابن زيوس من امرأة بشرية، الذي يوجه أعماله الخارقة ضد الرموز القمرية، يقتل هرقل "هيدرا" التنين ذي الرؤوس السبعة، ويمرغ أنف الآلهة "ارتيميس" (نظيرة عشتار الاغريقية) في التراب، و يتغلب على قبيلة النساء الأمازونيات، وبعده يأتي ثيسيوس ابن الاله بوسيدون من امرأة بشرية الذي يقتل الميناتور، الثور الكريتي (احد رموز الأم الكبرى)..

إن أسطورة قتل الميناتور ليست في الحقيقة سوى صياغة اسطورية لواقعة تاريخية تتعلق بهجوم القبائل البطريركية اليونانية على كريت وتقويض ثقافتها الامومية، وهدم هياكلها القمرية وتحطيم تماثيل الإله الثور الابن وإحلال عبادة الآلهة الآباء.

مما سبق يمكننا معرفة أهمية الرمز القمري لإنسان العصر الأمومي، فقد كان القمر رمز من رموز الخصب العشتارية، وبرغم الملاحم بين الذكورة و الانوثة للقضاء على رموز الخصب، إلا أنها لم تزل حية في ذاكرة الشعوب وتم الإصرار على تناقلها حتى يومنا هذا. فقد أصبح الهلال رمزاً من رموز أهم الديانات الذكورية التوحيدية أي الديانة الإسلامية والنجمة (كوكب فينوس) هي أيضاً رمز عشتاري كما الصليب الذي سأتكلم عنه في جزء قادم.

يتبع...

--------------------------------------------------------------

هذه السلسلة مبنية على مجموعة اقتباسات من عدة مصادر لتحقيق المصداقية بما يخص آخر البحوث الأركيولوجية، والتحاليل النفسية والفلسفية للمفهوم الإلهي، والمصادر هي:

كتاب لغز عشتار لفراس السواح

كتاب الطوطم والتابو لفرويد

كتاب علم نفس الجماهير لفرويد

كتاب أصل الدين لفيورباخ

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مشاركات الأصدقاء من هو الله!!؟ - الجزء الثالث