نبيل فياض

من هو الله!!؟ - الجزء الثاني

مقارنة ميثو دينية - المجتمع الأمومي - الأم الكبرى و تجلياتها، الصراع مع الذكورة

مشاركة من الصديقة شيرين حداد

قد يتعجب من درس الأساطير أكاديميا من وحدة الآلهة التي درسها كلاً على حدة. لكن الحضارات تنبثق من بعضها وتتناقل بذاكرة الشعوب وقد لا يكون غريباً ما وصلنا اليه من فكرة الإله إذا ما تتبعنا التاريخ الأثري و المكتوب ووصلنا إلى الخيط الأول الذي يودي بنا إلى التسلسل المنطقي لتطور هذا الإله.

وبحسب فراس السواح في كتابه لغز عشتار، فإن آخر مأرب للأسطورة أن تؤخذ بحرفيتها وشكلها ونصها، لأنها فقط إشارة وإيماءة، لا نصوص تقريرية منتهية.

وقد قام السواح في طريقه لحل اللغز البسيط المعقد بتتبع جميع الآثار المتوفرة نصاً و تشكيلاً. رغم اعتقاده بأهمية العمل التشكيلي ووصفه إياه بالشاهد الصامت الذي تسهل قراءته مقارنة مع النص المكتوب، فالكلمة مخادعة ومخاتلة على حد قوله..

وقد وصف السواح عشتار بالأم الكبرى الآلهة الأولى وربة الأرباب، التي انبثقت منها جميع الديانات، في الطريق لدعم نظريته التي تقول بوجود آلهة اولى نتجت عنها جميع الآلهة فيما بعد وصولاً الى عصرنا الحالي.

من الأسماء التي مثلت تلك الآلهة في حضارات أخرى نجد في سومر الآلهة نمو، الآلهة البدئية والمياه الأولى، وإنانا آلهة الطبيعة والخصب والدورة الزراعية.. وفي بابل نجد ننخرساج الأم الأرض وعشتار المقابلة لإنانا.. وفي كنعان عناة وعستارت.. وفي مصر نوت وايزيس وهاتور وسيخمت.. وعند الأغريق ديمتر وجيا ورحيا وأرتيميس وأفروديت.. وفي فيرجيا بآسيا الصغرى نجد سيبيل.. وفي روما سيريس وديانا وفينوس.. وفي جزيرة العرب نجد اللات والعزى ومناة.. وفي الهند كالي.. وفي حضارة السلت الاوروبية نجد دانو وبريجيت..

أسماء متنوعة لآلهة كانت واحدة قولاً وفعلا في العصر النيوليتي. وصارت متعددة قولاً وواحدة فعلا في عصور الكتابة

انبثقت الآلهة الأولى من العصر النيوليتي المتمحور حول الزراعة والمرأة، وقد كان الإعتقاد سائداً حتى أواسط القرن التاسع عشر، أن العائلة بشكلها الأبوي الحالي قديمة قدم المجتمع الانساني.. إلا أن هذه الفرضية قد تهاوت أمام النقد العلمي الذي وجهه إليها عدد من رواد الأنتروبولوجي والعلوم الإنسانية الأخرى، ممن قدموا في دراستهم الأدلة الكافية على وجود شكل أقدم من أشكال العائلة بشكلها الأبوي الحديث نسبياً..

وهذا الشكل لا يقوم على قيم الذكورة و سلطة الأب بل على قيم الأنوثة ومكانة الأم..

ولم يؤسس التجمع الإنساني الأول بقيادة الرجل المحارب الصياد، بل تبلور تلقائياً حول الأم التي شدت عواطفها ورعايتها الأبناء حولها في أول وحدة إنسانية متكاتفة، هي العائلة الأمومية خلية المجتمع الأمومي الأكبر، ذلك أن عاطفة الأم نحو أولادها والأولاد نحو أمهم هي العاطفة الأصلية الوحيدة، وكل ما عداها يأتي بالاكتساب والتعلم، دون استثناء عاطفة الأب نحو أبناءه التي تأتي بالصقل الاجتماعي ومعرفة الواجب الأخلاقي..

لقد عرفت المرأة قبل أن يتعلم الرجل كيف توسع دائرة ذاتها بالحب لتشمل ذاتاً أخرى ومخلوقا آخر، وكيف توجه كل ما لديها من هبات الطبيعة نحو حفظ تلك الذات الأخرى وتنميتها كنفسها، وكيف تفتح هذه الدائرة فيما بعد لتشمل أولاد أولادها وأولاد النساء الأخريات، لأن كل رحم ينجب أخوة وأخوات للآخرين من رحم آخر.

بالولادة، تزدوج المرأة نفسياً وجسدياً و تتوسع آفاق كيانها الطبيعي والروحي أما الرجل فبالمولود الجديد يشد أزره و يدعم وضعه الاجتماعي ويحافظ على ممتلكه مقابل ممتلك الآخرين، ويتمرأى أمام ذاته..

نتيجة لذلك فإن المبدأ الأمومي يجمع ويوحد و يقوم على العدالة والمساواة، والمبدأ الأبوي يفرق ويضع الحواجز ويقوم على التملك والتسلط والتمييز..

الأمومية توحد مع الطبيعة وخضوع لقوانينها، والأبوية خروج عن مسارها وخضوع لقوانين مصنوعة.

لقد عاش الانسان خلال فترة العصر الأمومي في جو عام يسوده الحب والعدالة والمساواة، وهو النموذج الأساسي للعلاقات السائدة بين أفراد ينظرون لبعضهم على انهم أخوة في أسرة كبيرة تتسع لتشمل المجتمع الأمومي، نظراً لابتعاد سيكولوجية المرأة عن كل ميل نحو التسلط والاستبداد، ونفورها من العنف الجسدي إلا عند الحاجة الحقيقية إليه.. و قد عم السلام بين أفراد الجماعة ذاتها وبين الجماعات الأمومية الأخرى، وكان المناخ أقرب إلى مناخ فردوس فقده الإنسان بحلول مجتمع الذكر الذي ضيع السلام والدعة ربما إلى الأبد..

لقد بين لنا البحث الأركيولوجي الحديث سمات المجتمعات الأمومية القديمة، فالمستوطنات المستقرة الأولى في سورية منذ الألف التاسع الى الألف السادس قبل الميلاد، كانت تهجر بعد فترات طويلة من سكانها دون دليل على وجود تدمير أو حرائق وحروب.

غير أنه لا يجب أن يتبادر للذهن أن دور الرجل في الجماعة الأمومية كان دور التابع، ذلك أن الرجل قد بوأ المرأة مكانها احتراماً وتقديراً لا خنوعاً، ورجال العصر الأمومي كانوا أكثر عزة وفروسية من رجال العصر البطريركي، فقد نقل لنا مؤرخو اليونان ممن احتكوا بأقوام كانت تعيش آخر عصور الأمومية، أن رجال تلك المجتمعات كانوا من أفضل فرسان عصرهم على الاطلاق. ثم اتى أرسطو ليؤكد في كتابه السياسة هذه الحقيقة ويجعل منها ظاهرة شمولية عندما يقول أن أغلب الشعوب العسكرية الميالة الى القتال هي شعوب منقادة إلى النساء، ذلك أن المرأة رغم طبيعتها المسالمة تسلك سلوك اللبوة الكاسرة اذا تعرض أشبالها للخطر..

مر المجتمع الأمومي عبر تاريخه الطويل بمراحل عدة انتهت بالانقلاب الكبير الذي قام به الرجل مستلماً دفة القيادة من المرأة ومؤسساً للمجتمع الذكوري البطريركي.
غير أن الجنس النسائي لم يهزم دون مقاومة، و رغم أن التاريخ لم يحفظ لنا آثار ونتائج التصادم بين الجنسين، إلا أن الأسطورة تستطيع تزويدنا بكثير من المعلومات في هذا الصدد، فالأسطورة في بعض جوانبها ذاكرة إنسانية تحفظ الأحداث غضة طرية بشكل رمزي..

من الأساطير المتعددة التي تشير إلى صراع الجنسين كانت اسطورة النساء الأمازونيات هي الأكثر شهرة.. فالأمازونيات بحسب الرواية الأغريقية كن قبيلة من النساء المحاربات، أتين من شواطئ البحر الأسود وسكنّ عند تخوم بلاد الأغريق، وأسسن عدداً من المدن تحكمها الملكة ارتميس.. وبسبب عداوتهن للرجال كان مجتمع الامازونيات وقفاً على النساء وحدهن، اللواتي اذا أردن الإنجاب أتين بلاداً أخرى مجاورة وضاجعن رجالها وعدن من حيث أتين، حتى اذا وضعن مواليدهم قتلن الذكور في المهد وابقين على الإناث، اللاتي تتم تربيتهن منذ الصغر على فنون الحرب وكره الرجال.. وتنسب الأساطير إلى هؤلاء بناء عدد من المدن بعيداً عن موطنهن الاصلي منها مدينة افسوس في آسيا الصغرى ويافوس في قبرص. كما يدعي أكثر من بطل أسطوري مقاتلتهن منفرداً والقضاء على ملكتهن، من هؤلاء هرقل، وثيسيوس. وهناك الكثير من أساطير الشعوب التي تدل على هذا الإنقلاب الذكري الكبير.

تدلنا هذه الأسطورة الى الوضع المهين الذي انحدرت إليه المرأة على يد الرجل، وكما ترينا الأساطير العدة التي تؤكد هذا الإنقلاب، فقد فضلت المرأة في مرحلة ما فصم المجتمع والاستقلال بذاتها سعياً وراء حياة أسمى وأنقى وأكثر حرية وكرامة، وراحت تدافع بضراوة عن مكتسباتها متحولة ولو بشكل مؤقت عن طبيعتها المسالمة وغريزتها الأمومية في سبيل نقاء القيم الأنثوية الأصلية ونبالتها.

هامش: لقد آثرت التلميح لمجتمعات الحضارات القديمة (مستندة على كتاب لغز عشتار لفراس السواح الذي استند بدوره على أهم البحوث الأركيولوجية)، وذلك لتوضيح كيفية انتقال الألوهة من المؤنث الى المذكر، بحيث أن الإله ما هو إلا تجلٍ لتخيل الإنسان وتعبير عن ثقافته وواقعه الحالي كما أوضحت في الجزء السابق. لذا كان لا بد من التنويه للبيئة الحاضنة لتلك الحضارات كيما يتم فهم الصورة الإلهية ورموزها التي سأعرضها في مقالات قادمة.

يتبع..

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مشاركات الأصدقاء من هو الله!!؟ - الجزء الثاني