نبيل فياض

من هو الله!؟؟ - الجزء الأول

مقارنة ميثو دينية - الأسطورة الأولى

مشاركة من الصديقة شيرين حداد

لطالما ترافقت فكرة الإله مع التاريخ الإنساني منذ بدايته المعلومة أركيولوجياً، بحسب بقايا المنحوتات و المخطوطات و الرسومات من الحضارات الغابرة.

وقد نرى فكرة الإله تتوحد حيناً في شخص ممثل لكل الصفات الألوهية، أو تتعدد حيناً آخر لتتمظهر بعدة أشخاص، و تتطور و تتحور حتى وصلت إلينا بشكلها و صورتها الحالية كإله موحد جامع لكل ما نعرفه من الصفات الألوهية.

وكان الله عبارة عن مفهوم يختلف من حضارة لأخرى بحسب الوعي الانساني و التأملات الفلسفية التي قادت هذا المفهوم للتغيير عبر الأزمنة.. و ما بين العبادات والمفاهيم المتعددة لهذا الإله، وثنية كانت او توحيدية تشكل ما تشكل لدينا من مفهوم ليس ببعيد كل البعد عن العبادة الوثنية، إنما حمل العديد من صفات تلك الآلهة ليتمظهر بشكله النهائي مع ما يناسب الفكر و الوعي الإنساني الحالي للمقدس.

منذ أن انبثق الانسان، كان في صراع مع عوامل البيئة من أجل اثبات نفسه كجنس متميز يبتكر تاريخه الخاص.

يشرح كتاب فيورباخ "أصل الدين" بأن شعور الانسان بالتبعية هو أصل الدين، و ما تبعيته إلا تبعية للطبيعة و لذلك فان ارتباط الإنسان بالطبيعة هو أصل جميع الأديان.

والإنسان كائن لا يوجد بلا نور ولا طعام و لا هواء ولا ماء ولا أرض، اي باختصار هو كائن يعتمد على الطبيعة، و هذا الاعتماد يشترك فيه الانسان و الحيوان.

لكن عندما يرفع الانسان هذا الاعتماد إلى وعيه و تفكيره و تخيله، و يعترف بهذا الاعتماد، فهو حينها يحوله الى دين..

يتصور الألوهيون أن الله كائن خارق للطبيعة و مختلف عنها، و أنه موجود بشكل مطلق خارج عقل الانسان، دون أن يفرق في هذه المسألة وجود الانسان من عدم وجوده..
هذا التصور لا يعكس سوى شعور الانسان تجاه الطبيعة التي لا يعتمد وجودها على وجود الانسان..

قوانين الله ثابتة، و هو لا يتغير، ولا يوجد عنده محاباة و هي قوانين الطبيعة أيضاً،

قوانينها الفيزيائية واضحة ولا يوجد عندها محاباة ولا تردد..

إذا تخيلنا كل عناصر الطبيعة و أغمضنا أعيننا عنها، تناسينا أشكالها و وجودها المادي و فكرنا في صفاتها، سينتج لنا كائن بمجموعة من الصفات مثل: القوة، الوحدة، الضرورة، و الخلود.. و تلك هي صفات الله ايضاً. و هذا الكائن ليس الا الجوهر المجرد للطبيعة او الطبيعة المجردة في الفكر (الجوهر التخيلي)

و لذلك فان اشتقاق الطبيعة من الله، ليس الا اشتقاق الجوهر المادي للطبيعة من جوهرها التخيلي الموجود في تفكيرنا.

تأمل الانسان عجزه أمام قوى طبيعية تفوقه، و أدرك ضعفه و محدوديته مقارنة بهذه القوى، و من هنا انبثقت فكرة الإله التي كانت و ما زالت تتحور بشكل دائم و تقر بجميع تطوراتها عن طابع غالب يتمحور حول ضعف الانسان تجاه تلك القوى.

إذا  تتبعنا ما وصلنا من آثار الحضارات السابقة، ستصل بنا الأركيولوجي إلى العصر النيوليتي (عصر الزراعة)، و هو العصر الذي ترك آثاره في بداية حضارة وادي الرافدين (الحضارة المدينية الأولى التي صدر عنا آثار مكتوبة).

ما تدلنا عليه آخر الموجودات الأثرية هو أن العصر النيوليتي كان ذو تأثير مباشر على الأشكال الدينية و الأسطورية لدى جميع الثقافات اللاحقة، بدءاً من المجتمع المديني الأول في وادي الرافدين و انتهاءً بالديانات الكبرى للحضارات اللاحقة..

كيف كانت ديانة الإنسان النيوليتي؟؟ تجسدت صورة الإله (او الطبيعة) لدى الانسان النيوليتي بما ورث عن آخر حلقات العصر الباليوليتي (٣٠،٠٠٠-١٠،٠٠٠ ق.م)
و قد تجسدت صورة هذا الإله بماهية أنثوية، الأم الكبرى للكون، غير أن الانسان النيوليتي قد بنى حول هذا الشكل الإلهي القديم بنية جديدة من التصورات و الاعتقادات و الأساطير، ذات فحوى و مضامين تتصل بالزراعة التي غدت جوهر حياته و أساس تنظيمه الاجتماعي و السياسي. فالاسطورة الأولى هي اسطورة زراعية تتركز حول آلهة واحدة هي سيدة الطبيعة في شكلها الوحشي الجديد الذي تشارك يد الزارع في قولبته و تأهيله.

كانت آلهة العصر الباليوليتي و مطلع النيوليتي وحيدة تتربع على عرش الكون، و مع نضوج الثقافة النيوليتية و اكتمال الشكل الاقتصادي الجديد و تزايد الدور الإجتماعي للرجل بعد أن كان المجتمع حتى ذلك الوقت أمومياً في جوهره، نجد إلى جانب الآلهة الكبرى ابنها الذي دعته عصور الكتابة ب تموز أو أدونيس.. لا ندري بأي اسم دعاها عبدتها الأولون، و عندما تعلم الإنسان الكتابة أخبرنا بأسماءها و قدمتها لنا فنونه التشكيلية في صور شتى ترمز كل منها إلى خصيصة من خصائصها، فنراها في هيئة امرأة حبلى، و أم تضم إلى صدرها إبنها الصغير، أو عارية الصدر تمسك ثدييها بكفيها بوضع عطاء، أو ترفع بيدها باقة من سنابل القمح أو باسطة ذراعيها في وضع من يستعد لاحتواء العالم، أو ممسكة بزوج من الأفاعي، أو معتلية ظهور الحيوانات الكاسرة..

لكن، من أين و كيف بدأت فكرة الآلهة الأنثى!!؟

لعبت المكانة الاجتماعية للمرأة في تلك العصور و الصورة المرسومة لها في ضمير الجماعة دوراً كبيرا في رسم التصور الديني و الغيبي الأول و في ولادة الأسطورة الأولى التي انثبقت منها جميع الأساطير و الأديان.

فقد كانت المرأة بالنسبة لإنسان العصر الباليوليتي موضع حب و رغبة، و موضع خوف و رهبة في آن. فمن جسدها تنشأ حياة جديدة، و من صدرها ينبع حليب الحياة، و دورتها الشهرية المنتظمة في ثمانية أو تسعة و عشرين يوماً تتبع دورة القمر، و خصبها و ما تفيض به على أطفالها هو خصب الطبيعة التي تهب العشب معاشاً لقطعان الصيد و ثمار الشجر غذاءً للبشر، و عندما تعلم الإنسان الزراعة وجد في الأرض صنواً للمرأة، فهي تحمل بالبذور و تطلق من رحمها الزرع الجديد، لقد كانت المرأة سراً أصغر مرتبطاً بسراً أكبر، سر كامن خلف كل التبديات في الطبيعة و الأكوان، فوراء كل ذلك أنثى كونية عظمى، هي منشأ الأشياء و مردها.. عنها تصدر الموجودات و إلى رحمها يؤول كل شيء كما صدر.

كيف تطورت صورة الآلهة الأنثى لاحقاً للتحور للإله الذكر؟

يتبع..

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home مقالات مشاركات الأصدقاء من هو الله!؟؟ - الجزء الأول