نبيل فياض

حوارات ولقاءات

مع نبيل فياض حوارٌ في الأديان و الإسلاميّات - حاوره: سرور البنجويني

من هو نبيل فياّض:

نبيل فياض، مفكّر و كاتب و ناقد جريء و باحث جادّ، من سوريا. متبحّر في الفكر الديني المسيحي و اليهودي و الإسلامي، و مهتمّ خصوصا بمسألة الدين المقارَن و النقديّة الكتابيّة Biblical Criticism. يتناول في أبحاثه و كتاباته الأديان و التراث الإسلامي و المجتمع العربي و الإسلامي بالنقد العلمي الباحث عن الجذور و الخلفيات لخلق حالة من الوعي العلمي إزاء المفاهيم و الظواهر الدينية.

هو شابّ سوريّ في منتصف العقد الرابع من عمره، وُلد في بلدة القريتين الواقعة شرق حمص من أسرة سنّيّة شافعية، والدته حمصيّة أمّها مصريّة. درس الصيدلة في جامعة دمشق، و عمل صيدلانيا هناك و في بلدته (الناصرية) في ظاهر دمشق.

و مع أنه درس الطّبّ الصيدليّ إلا أن ميوله الفكرية و اهتماماته الثقافية لها قصة أخرى، حيث بدأت بقراءة مستلهمة للفلسفة الأوربية، خصوصا نيتشه، و الأدب الأوربي، و درس اللاهوت المسيحي في الكسليك بلبنان، و في هذا الاتجاه تعلم العبرية و الآرامية ممّا فتح له آفاقا كبيرة في الرجوع الى مصادر الفكر الديني بلغتها الأم، و هذا فضلا عن اتقانه للّغات الألمانيّة و الانكليزية و الإيطالية.

اهتم بدراسة الطوائف و الأقليات الدينية و المذهبية، يبحث عن جذورها و تاريخها، و يدافع عن حقوقها، و يلقي الضوء الكافي على ما لحق بها من اضطهاد و قمع في ظل الدول السُّنّيّة المتعاقبة.

و قد عمل فترة في الصحافة اللبنانية، و قام في هذا الإطار بدراسات ميدانية للطوائف و الفِرَق الدينية في المنطقة.

و لأنه يتناول المفاهيم و المؤسسات الدينية و السياسية بالنقد الجذريّ في أبحاثه و كتاباته و يدافع عن حقوق الأقليات و الطوائف المضطهَدة و عن حرية الرأي و الكلمة و ممارسة التفكير، فقد تعرّض لسلسلة من الملاحقات و الاعتقالات تواطأ فيها حِلْفٌ غيرُ مقدس بين الأصوليّين و أجهزة الأمن في وطنه، و قد هوجم محلّ عمله في بلدة (الناصرية) مرارا مِنْ قِبَل الغوغاء بإيعاز من بعض الشيوخ الوهابيّين، و لم يحرّك الجهاز الأمنيّ ساكنا.. لأنه، كما أكّد مرارا، انتهت التياراتُ القوميّةُ توجّهاتٍ أصولية رجعية ترتدي أقنعة قومية كاذبة.

و له مجموعة كبيرة من الأعمال الفكرية المطبوعة التي أثارت الجدل في الأوساط الثقافية و معظمها ممنوع من التداول في الدول العربية ما عدا لبنان.
و من أعماله المنشورة:

ــ كافكا ــــ التحوّل: دراسة حول شخصية غريغور سامسا في قصة كافكا الشهيرة "التحوّل"، و قد حوّلت هذه الدراسة إلى مسرحيّة قدمت بالتعاون مع السفارتين التشيكية و النمساوية في دمشق. و نشر العمل في دمشق.

ـــ الشاعر المرتد: عزرا باوند: دراسة حول فلسفة هذا الشاعر الأمريكي الهام.

ــ التلمود البابلي، رسالة عبدة الأوثان: ترجمة دقيقة لهذه الرسالة الهامة من التلمود البابلي عن العبرية و الإنكليزية.

ــ مقالة في القمع: دراسة حول منهجية القمع في التعليم الديني الإسلامي.

ــ نيتشه و الدين: دراسة حول الدين في أعمال نيتشه مع الباحثين الألمانيين ميشائيل موترايش و شتيفان دانه.

ــ حوارات في قضايا المرأة و التراث و الحرية.

يوم انحدر الجمل من السقيفة.

ــ أم المؤمنين تأكل أولادها: دراسة نقدية لسيرة عائشة صاحبة الجمل.

ــ القصص الديني: ترجمة عن الألمانية للفصل الأول من كتاب شباير الهام: الحكايا الكتابية في القرآن.

ــ حكايا الطوفان: الفصل الثاني من كتاب شباير.

ــ القرآن ككتاب مقدّس: ترجمة عن الانكليزية لعمل جفري الشهير.

ــ حكايا الصعود: دراسة مجمّعة من نصوص عديدة من الإيطالية و الانكليزية و الألمانية لأسطورة الإسراء والمعراج الشهيرة.

ــ نصّان يهوديّان حول بدايات الاسلام: ترجمة مع مقدمة وخاتمة وتفسير لنصوص يهودية مكتوبة منذ بدايات الإسلام.

ــ الهاجريون: ترجمة عن الانكليزية لكتاب (باتريشيا كرونه) و (مايكل كوك).

ــ محمد نبيّ الإسلام: ترجمة عن الانكليزية لعمل (مايكل كوك).

ــ مدخل إلى مشروع الدين المقارن.

ــ النصارى: دراسة لاهوتية موسَّعة حول هذه الطائفة التي انقرضت.

ــ إبراهيم بين الروايات الدينيّة و التاريخيّة.

ــ مراثي اللات و العزّى: عمل ساخر.

ــ رسالة إلى اليمن: ترجمة عن نص لابن ميمون مكتوب بالحرف العبري و اللغة العربية، و الرسالة لاهوتية الطابع.

ــ المسيح والميثولوجيا: نرجمة لنص بولتمان.

و عشرات المقالات التي تُعْنَى بالشأن السياسي أو الديني أو الاجتماعي.

إضافة إلى عمل جديد سيظهر قريباً: كمشة بدو.

و قد صدرت عنه أو ضدّه أعمال، منها:

هذه مشكلاتهم، للبوطي.

هذه مشكلاتنا، للبوطي.
عائشة أم المؤمنين، للبوطي.

وجهاً لوجه أمام التاريخ، لحامد حسن.

دعوة إلى حوار إسلامي، مفتوح لنذير مرادني.

الرد على فيّاض، لسليم الجابي.

و صدرت عن أعماله دراستان بالألمانية: واحدة لـ (إيكارت فولتس) و الثانية لـ (أندرياس كريستمان)، و قد كانتا رسالتيْ دكتوراه.
و أما هذا الحوار، فقد تـمّ عن طريق التراسُل بالبريد الإلكتروني، و قد تفضّل نبيل فياض بالإجابة على الأسئلة / محاور الحوار، فله منّا شكر جزيل.
18/2/2007

_________________________________

المقابلة:

1. هل تشاركنا الشعور بأن الدراسة النقدية الجادَّة للإسلام (الظهور و المنشأ، و النصوص، و المفاهيم) لا تزال في بدايتها؟ و ما هو السبب في ذلك؟
نبيل فياض: للأسف الشديد، ليس هنالك في المنطقة ذات الغالبيّة الإسلاميّة، مهما اختلفت لغاتها القوميّة، أيّة مبادرة جديّة لمقاربة الديانة المحمدية بطريقة عقلانيّة. يبدو أن الإسلام والعقل خطّان متوازيان لا يلتقيان أبداً. وكما قال الفيلسوف الدانمركي الشهير، سورن كريكغارد: إما ... أو- إما الإسلام أو العقل. كيف يمكن لعاقل أن يفهم ، على سبيل المثال لا الحصر، ظاهرة الحج منطقيّاً، خاصّة رمي الحصى على إبليس [ ديابولوس اليوناني ] أو الطوفان حول كتلة الحجارة المسماة بالكعبة أو تقبيل الحجر الأسود الذي يقتنعون أنه من الجنّة؟ أول خطوة في اتجاه العقل ستكون المسمار الأول في النعش الإسلامي؛ من هنا يمكن أن نفهم – دون أن نقبل بذلك طبعاً – سرّ رفض " علماء " الإسلام لأية مبادرة نقديّة عقلانيّة لفهم الإسلام، مهما كانت مسرفة في الحياديّة والموضوعيّة. وهؤلاء كما يعلم الجميع مدعومون من القطبين الآخرين في الثالوث النجس، أي رجال المال ورجال الحكم، الذين لا هم لهم غير الحفاظ على حشويّة المجتمع – الأمة كما يسمونها – في أعلى درجات السكونيّة. في الصراع بين العقل والنقل، بين الفلسفة والميثولوجيا، بين الحقيقة ووهم الحقيقة، لم يفز إسلاميّاً غير القطب الثاني من المعادلة؛ وما دام الحلف النجس قائماً، لن يكون ثمة جواب على سؤال: ما هي الحقيقة؟

2. كتاب الهاجرية Hagarism من تأليف المستشرقـَين المتميزين باتريشيا كرونه و مايكل كوك، وقد قمتَ بترجمته ترجمة دقيقة من الألمانية الى العربية، ماذا يريد أن يقوله الكتاب باختصار عن نشوء الإسلام؟ و ماذا تبقـَّى من أفكار الكتاب ذا قيمة علمية بعد الدراسة والتمحيص العلميَّيْن؟ فقد قرأنا أن المؤلفين رجعا عن بعض الأفكار و النتائج المطروحة في الكتاب، مثل انكارهما لواقعة (الهجرة من مكة الى المدينة) كحقيقة تأريخية. وهل الاعتماد على النصوص والاشارات خارج المراجع الإسلامية والاقتصار عليها كان عملاً علمياً تماماً؟

نبيل فياض: كتاب الهاجريّة – أسميته الهاجريّون – كان عملاً باهراً لباحثين هامّين، وقد ترجمت العمل عن الانكليزية لا الألمانيّة، لأني أفضّل أن أترجم أي نص عن اللغة الأصليّة التي كتب بها. حين اتصلت الصيف قبل الماضي بباتريشيا كرونه، وكنت وقتها في واشنطن، كانت " زعلانة " بسبب نشر الكتاب رغم معرفتها أنني سأنشره وقد جاءت إلى دمشق لدراسة المسألة قبل أعوام. بل وأجرت لقاء شاملاً مع الإذاعة السوريّة. كانت خائفة من " قضية رشدي " جديدة، إذا نشر الكتاب. لكن الحقيقة أن باتي تراجعت عن كثير من أفكار ذاك الكتاب. مع ذلك، فالكتاب يظل فريداً في مادته، رائداً في محاولته – إنه أول مقاربة لفهم الإسلام بالاستناد إلى مصادر ومراجع غير إسلاميّة. أهميّة الكتاب الفائقة تكمن في ما تحدّثت عنه في كتابي " حكايا الصعود " عن ضرورة تقاطع الأدلّة الخارجيّة والداخليّة من أجل إثبات صحة حدث. سأضرب بضع أمثلة توضيحيّة. من منظور علمي حيادي، نحن نفرّق بقوة بين الوثائق الدينيّة- الميثولوجيّة، والوثائق التاريخيّة-الواقعيّة. هنالك وثيقة دينيّة-تاريخيّة مثل هجرة محمد نبي المسلمين من مكة إلى المدينة، هنالك وثيقة دينيّة لا تاريخيّة، مثل قصة الإسراء والمعراج، وهنالك وثيقة تاريخيّة لا دينيّة، مثل رواية انتحار هتلر. بالمقابل، يمكن تصنيف الوثائق أيضاً إلى داخليّة وخارجيّة. الوثائق الداخليّة هي تلك التي تتناول الحدث من داخل الجماعة، أما الخارجيّة فهي تلك التي تتناوله من خارج الجماعة. مثلاً، صحيح البخاري وثيقة " دينيّة " إسلاميّة داخليّة. كفاحي لهتلر، وثيقة تاريخيّة نازيّة داخليّة. الأناجيل وثائق دينيّة مسيحيّة داخليّة. تاريخ أوسابيوس وثيقة تاريخيّة مسيحيّة داخليّة. بالمقابل، نص صلاة الحاخام شمعون بار يوحاي، وثيقة تاريخيّة إسلاميّة خارجيّة، فهو يصف أحداثاً إسلاميّة من قبل مؤرّخ يهودي. كذلك فإن الأحداث المتعلقة بالمسلمين في تاريخ ميخائيل الكبير هي وثائق تاريخيّة إسلاميّة خارجيّة، لأنه مكتوب من قبل مؤرّخ مسيحي. من قبلنا، نحن لا نثق كثيراً بالوثائق الدينيّة، لأن التعصّب وهوس التبشير يعميان أعين الكاتب عن رؤية الحقيقة، فيسجن ذاته في زنزانة تصوراته المسبقة. من هنا، ثمة حاجة ماسة مستمرة إلى وثيقة خارجيّة تؤكّد لنا صحة الوثيقة الداخليّة. بل أتجرّأ على القول إنه لولا وجود وثائق خارجيّة تؤكّد حقيقة وجود محمد لما آمنا بوجوده لا من بعيد ولا من قريب. باتريشيا كرونه وربما مايكل كووك سلطا الضوء الأجمل على الوثائق الخارجيّة التي تناولت ظهور الإسلام وقت ظهوره بالذات. ما ينقص هو فقط قيام أحدهم بمقاطعة الداخلي مع الخارجي والموازاة بينهما لنصل إلى أفضل النتائج. مع ذلك، في زمن مقتدى الصدر والهاشمي والمشهداني [ أنا أقبل قول نيتشه من أن القبيح خارجاً قبيح داخلاً ] والأخوان، لا نتوقع لمهمة كهذه أن ترى النور قبل أن يكنّس الزمان كل القاذورات. هل نحتاج إلى قرن مثلاً؟؟

3. (كرستوف لكسنبرغ) [اسم مستعار] الذي ألف (قراءة سريانية - آرامية للقرآن، مساهمة في دراسة لغة القرآن) Die Syro-Aramäische Lesart des Koran: Ein Beitrag zur Entschlüsselung der Koransprache بالألمانية، من هو هذا الشخص برأيك؟ أليس هو المسمى (أبو موسى الحريري) صاحب (قسّ ونبـيّ) الذي يشير فيه الى العلاقة بين الوصف القرآنى لنعيم الجنة و (ميامر) مار أفرام السرياني، وهذا ما يُذكَر بالتفصيل في الكتاب الألماني؟ و ما هي أطروحة الكتاب على وجه التلخيص؟ و ما هو تقييمك لهذا العمل و أطروحته؟ فهل اكتشف فعلاً لغة القرآن الحقيقية أم أنه قدم نظرية أحادية الجانب تقوم على افتراضات؟ وهل تمت ترجمة الكتاب الى الانكليزية؟ وهل هناك من ينوي ترجمته الى العربية؟ ألا ترى أنك - بإتقانك للألمانية ومهارتك في العبرية والآرامية - الأكثرُ قدرة على ترجمته الى العربية وأنه يَجْدُر بك انجازُ ذلك كما أنجزتَ ترجمة (الهاجرية)؟

نبيل فياض: سأكشف الآن أسراراً عديدة. طبعاً، أعرف الرجلين. وهما ليسا واحداً. أبو موسى الحريري أستاذي وصديقي والرجل الذي يستقطب إعجابي منذ أكثر من عشرين عاماً. أبو موسى الحريري – وهو راهب لبناني من الرهبنة اللبنانيّة البلديّة المارونيّة ويقيم في منطقة كسروان – ليس لكسنبرغ على الإطلاق. لكسنبرغ مفكّر سوري من شمال شرق سوريّا، يقيم في ألمانيا، أعرفه عن طريق صديق سوري سرياني مقيم في برلين. ورغم اعجابي الهائل بالجهد الذي يبذله هذان الرجلان الطليعيّان، إلا أنني أمتلك كثيراً من الملاحظات النقديّة حول أعمالهما البحثيّة. لنبدأ أولاً بالباحث والمفكّر الأب أبو موسى الحريري. أهم عمل قدمه الأب اللبناني هو " قس ونبي". وفي هذا العمل ثمة حديث عن أن محمداً، النبي، هو تلميذ القس ورقة بن نوفل، النصراني الإبيوني. من هنا، فالإسلام كله لا يتعدّى كونه الامتداد الطبيعي لكنيسة مكة الإبيونيّة النصرانيّة، التي كان رئيسها، كما قلنا، ورقة.إذا انتقلنا الآن إلى لكسنبرغ، يمكن القول إن الباحث السوري الألماني يستخدم الفيلولوجيا لإثبات أن الإسلام ليس غير امتداد للمسيحيّة، بلغتها السريانيّة. موقفي من العملين هو التالي:

النصارى غير الإبيونيين؛ والإبيونيون، كما أشرت في كتابي الضخم، النصارى، ليسوا فئة واحدة. النصارى كانوا يؤمنون بأن المسيح هو ابن الله، إله حق من إله حق؛ بعكس المسلمين. النصارى كانوا يؤمنون بالصلب؛ رغم وجود بدعة مسيحيّة انتهت منذ زمن طويل لم تكن تؤمن بالصلب، معتبرة أنه " شبّه لهم ". وهؤلاء كان اسمهم المشبهة. بالمقابل، لا يوجد في كل الأدبيّات الإسلاميّة أي حديث عن الإبيونيين أو كنيستهم في مكة أو أن ورقة كان راعيهم هناك. بل هل يعقل أن يكون ورقة قسّاً مستوحداً بلا مرجعيّة ولا زملاء؟ النصارى تسمية أخذها محمد دون تفكير – كأشياء كثيرة غيرها – عن اليهود. اليهود حتى الآن يسمون المسيحيين نصارى. ولو أنهم أسموهم مسيحيين لكان في ذلك اعتراف مبطن بأن يسوع هو المسيح المنتظر، وهذا ما يرفضه اليهود بشدّة. محمد، وفي تناقض معرفي لا يجارى، يؤمن أن يسوع ( أو عيسى ) هو المسيح، ويسمّي أتباعه في الوقت ذاته نصارى. من هنا، وكما أثبتنا في معظم أعمالنا، الإسلام هو امتداد لليهوديّة الربانيّة التلموديّة. والقرآن مليء حتى الثمالة بالأساطير الحاخاميّة المأخوذة عن التلمود أو المدراش؛ بغض النظر عن الحديث والتفاسير. الإسلام ليس نصرانيّاً البتة. وإذا كان تأثر محمد بشكل غامض للمسيحيّة في فترة قصيرة من حياته وهو ما أوصله إلى إقحام قصة المسيح وأمه في القرآن، فالديانة المحمديّة تلمودية بلا منازع، إذا ما شلنا منها الجمل القليلة ذات الصلة بنوع محرّف من التقاليد المسيحيّة. طبعاً، لا بد من الإشارة أيضاً إلى أن باحثاً ألمانياً هاماً هو شويبس، أشار في عمل له قبل أكثر من ستين عاماً إلى العلاقة بين العقائد الإبيونيّة والإسلام. هذا يعني أن ما جاء به الأب حريري ليس غير معروف، وإن كنت أستبعد أن يكون شويبس ألهم حريري عمله. لكسنبرغ، السوري السرياني، كما قلنا، حاول أيضاً أن يثبت مسيحيّة الإسلام عن طريق فقه اللغة. لقد قرأ القرآن من جديد وفق فهمه للغة السريانيّة. لكن لكسنبرغ أيضاً لم يكن الأوّل في طريقته في المقاربة، فقد سبقه إلى ذلك، بشكل أو بآخر، المستعرب الأمريكي، جي. إيه. بلامي J. A. Bellamy، واللاهوتي الألماني، غونتر لولينغGünter Lüling . من ناحية أخرى، لا بدّ من الأشارة هنا إلى كتاب " تاريخ القرآن" لنولدِكِه – موجود في ترجمة عربيّة رائعة – الذي كان النبع الذي استلهم منه كثيرون. وكما أشرنا من قبل، فإن أدلّة لا حصر لها توحي أن المحمدية إن هي إلا استمرار لليهوديّة التلموديّة الحاخاميّة، بما في ذلك أدلّة بحوزتنا تقول بصريح العبارة إن محمداً كان يرتاد باستمرار بيوت هامدراش اليهوديّة في يثرب. بالنسبة لترجمة عمل لكسنبرغ، فقد قرأت مؤخراً أنه تُرجم من قبل شخصين سوريين، أعرف أحدهما وأعرف أنه لا يجيد الألمانيّة.

4. ترجمتَ قسماً من التلمود (البابلي) وهو سفر (عابوده زاراه) (عبدة الأوثان) الى العربية، ماذا دفعك الى اختيار هذا السفر بالذات لترجمته؟ ولماذا ترجمتك هذه نادرة في العالم العربي؟ ونحن نعلم أن سفري (عابوده زاراه) و (آبوت) هما كل ما تُرجـِم من التلمود البابلي الى العربية، فهل هناك مشروع لترجمة التلمود البابلي بأكمله؟ أو هل ترى جدوى في مثل هذا المشروع؟

نبيل فياض: لا يمكن أن نأمل بأي جهد بحثي راق من الناطقين بالعربيّة في هذا الزمان. مع ذلك، فإن ترجمة التلمود والمدراش هامة للغاية إذا ما أردنا أن نعرف بدقّة مصادر الديانة المحمديّة. وكما قال غنسبرغ، فقد نظر محمد إلى التوراه بعيون الهاغاداه – من هنا، من الواجب علينا أن نمتلك هذه الأغاداه أو الهاغاداه إذا ما أردنا لبحوثنا أن تخرج من ظلمات الأسطورة إلى نور العقل. بالنسبة لترجمتي للـعابوداه، فهي تهدف إلى إظهار الأصل المعرفي لعقليّة التكفير في الإسلام.

5. توجد تشابهات بين قواعد من أصول الفقه الإسلامي وقواعد التفسير المتـَّبَعة في التلمود (وهي القواعد السبع التي تطورت الى 13 قاعدة و أكثر وتعرف بالمقاييس Middot، ويُنسَب الفضل الأول في صياغتها الى هليل)، فمثلاً قاعدة (القياس) في أصول الفقه الإسلامي، تقابلها القاعدةُ الثانية: قاعدة Gesevah shaweh و هذه تقوم على اعتبار أن الشرائع المماثلة لها أحكام مماثلة، فهي استدلال على أساس القياس اللغوي في التوراة. وكذلك قاعدة التعميم و التخصيص في أصول الفقه الإسلامي، تقابلها القاعدة الخامسة المزدوجة: العام و الخاصKelal u-ferat و الخاص و العام Ferat u-kelal. إضافة الى أن نشوء الفقه (الاستنباطي) الإسلامي ومدرسة الرأي خصوصاً كان في العراق ونحن نعرف أن مدارس الفقه التلمودي (عصر الأموراييم و الصبورايم) ازدهرت في العراق (و إن كانت سبقت الإسلام)، و أن كلتا مدرستي (الأثر) و (الرأي) يمكن تتبع مثيل لهما في التلمود.. فهل تكفي هذه الاشارات للقول بوجود تأثير محدد للفقه التلمودي في الفقه الإسلامي؟ (و نريد بالفقه تشريعاً مؤسساً على منهج استنباطي و ليس مجرد أحكام مفردة)، أم أن هذه التشابهات نابعة من تشابه الشخصيتين (الإسلامية) و (اليهودية التلمودية) أساساً؟
نبيل فياض: الجواب في اعتقادي – وهذا اجتهاد دون أدلّة مباشرة لأني لم أعمل في الجانب الشرائعي-الهالاخي بل اقتصر نطاق بحثي على المقارنات الأسطوريّة الأغاديّة – هو أن الإسلام أخذ معظم شرائعه عن اليهوديّة، مثلما أخذ من قبل معظم تراثه الأسطوري عن تلك الديانة ذات الخزّان المعرفي الهائل.

6. أنت تقريباً من مؤيدي نظرية الأصل اليهودي - الحاخامي للفكر الديني الإسلامي، ولكن أكثر المستشرقين، وفي مقدمتهم ألفونس مِنْكـَنا صاحب (التأثير السرياني في أسلوب القرآن) و آرثر جِفري صاحب (المفردات الأجنبية في القرآن) و كرستوف لكسنبرغ صاحب (قراءة سريانية - آرامية للقرآن) يؤكدون الأصل الآرامي والسرياني (وليس العبري) المباشر للمصطلحات وأسماء الأعلام/ و حتى بعض المفردات الأساسية/ القرآنية (وأما لكسنبرغ فيزعم أن مقاطع من القرآن مثل سورة الكوثر، هي إعادة قراءة لمقاطع من نص سرياني مثل الترجمة السريانية للعهد الجديد: مقطع من رسالة بطرس الثانية تحديداً)، فهل هذا يؤكد تأثير النصوص المسيحية السريانية (للبشيطه ولآباء الكنيسة السريان) أم النصوص اليهودية الربانية الآرامية مثل التلمود والمدراش؟

نبيل فياض: أنا أؤمن بالعمل المدعم بالوثائق. الوثائق تقول إن التلمود البابلي وحده متقاطع مع القرآن في عشرات المقاطع، في حين أنه لا توجد نصوص مسيحيّة يمكن مقارنتها مع ما يماثلها في التراث المحمدي. إذا أخذت مثلاً من كتابي حكاية ابراهيم حجم التطابق بين معاسه أبراهام، النص الأغادي الشهير، والنصوص القرآنيّة المقابلة، سوف تدهش. التطابق حتى في الألفاظ التي هي ذاتها أحياناً، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار القرابة الوثيقة بين اللغتين العربيّة والعبريّة. من ناحية أخرى، نحن نفتقد على نحو شبه مطلق أي نوع من المعرفة الموثوقة بنوعيّة اليهوديّة التي سادت زمن محمد في الحجاز واليمن. لكن لماذا لا يكون الأثر الآرامي كان جاء من اليهود، لا المسيحيين؟ العبرانيّة والآراميّة لغتان شقيقتان؛ بل في العهد القديم نصوص لا بأس بها مكتوبة أصلاً بالآراميّة. العهد الجديد، بالمقابل، مكتوب كلّه باليونانيّة، باستثناء إنجيل متى الآرامي المفقود حتى الآن. نضيف أيضاً أن هنالك إشارات لا بأس بها إلى انتشار الترغوم بين يهود جزيرة العرب زمن محمد.

7. بالنسبة لرواية (شيفرة دا فنشي) لـ (دان براون)، الى أي حد يمكن الوثوق بمعطياتها كحقائق تأريخية؟ وهل نجحت الرواية في الحاق ضرر حقيقي بالمسيحية والكنيسة؟ وماذا تقول الدراسات النقدية الجادة عن شخصية (مريم المجدلية) و علاقتها بالمسيح وعن (الكأس المقدسة) ولوحة (العشاء الرباني)؟

نبيل فياض: لم أقرأ شيفرة دافنشي قط. الكتاب رواية أكثر منه عملاً بحثيّاً. بالمقابل، فإن أعمالاً كثيرة تناولت المسيحيّة بالنقد الأعنف، بما في ذلك مثلاً رواية behold the man لمايكل موركووك، ولم تتأثّر الكنيسة: المسيحيّة، في جوهرها، إرادة حرّة. الله يعطيك حتى حق رفضه، كما تقول الكنيسة الكاثوليكيّة. منذ زمن طويل أنكر باحثون كُثـُر وجود المسيح تاريخيّاً اعتماداً على أدلّة موضوعيّة، ولم تصادر الكنيسة حق البحث هذا.

8. نجد من يحاول أن يتتبع جذور العنف الديني وفقه الارهاب في تأريخ الخوارج و آدابهم المبكرة، ويرى في الخوارج السابقة َ الأولى لما يمكن تسميته بالارهاب الديني أو الإسلامي. ماذا تقول بهذا الصدد؟

نبيل فياض: الإرهاب بدأ مع محمد ومنه جاء كل من رفع رايات الإرهاب. الإرهاب جوهر الدعوة الإسلاميّة. مقارنة بأبي لهب، محمد إرهابي par excellence . لقد شتم محمد آلهة قريش ولم تقتله. كل التاريخ الإسلامي حول محاولات قريش قَتْلَ محمد أكاذيبُ سهلةُ الدحض: هل يستطيع عاقل الإيمانَ بقصّة خروج محمد وهروبه مع الصدّيق (!!!) وتركه لعلي في فراشه ولجوئه إلى الغار والحمامة والعنكبوت؟ إنها ملطوشة بالكامل من التراث العبراني! بالمقابل، فإن محمداً أمر بقتل عبد الله بن أبي سرح ولو وُجِد معلّقاً بأستار الكعبة، فقط لأنه اكتشف حقيقة وحيه المزعوم – وكان كاتباً له – وكان طبيعيّاً أن يرتد عن الإسلام!!! هل نذّكر بما فعل محمد بشاعر يهودي ذمّه؟ أو بامرأة عجوز رفضت خيالاته اسمها أم قرفة؟

9. كيف تنظر الى الحق اليهودي المزعوم في فلسطين، وكيف ترى مستقبل اسرائيل كدولة وكمستوطنة؟ ونريد أن نسمع الجواب منك وليس من إسلامي أو قومي.

نبيل فياض: أقرف من كل من يستخدم الأكاذيب لترسيخ وقائع. في النهاية، ما الفرق بين ما يزعمه اليهود وما يزعمه غيرهم؟ أسأل هنا: ماذا لو كانت إيران الخمينيّة أو حزب الإله أو السعوديّة تمتلك قوّة أمريكا أو حتى إسرائيل؟ ربما أنه من أوضح الأدلة على وجود قوة عادلة في الكون هو أن هؤلاء أضعف من أن يفرضوا أكاذيبهم على الآخرين بإرادة القوة.

10. أعلنتَ أنك بعد اصدار كتاب (كمشة بدو) تتوقف عن الكتابة في مجال الإسلاميات.. هل توقفت الآن بالفعل في أبحاثك عن الإسلام؟ وهل ترى أنك بانقطاعك عن ذلك المجال تفعل الصواب وأنت القدير على البحث العلمي عن جذور الإسلام و تأريخه المبكر؟ ألا ترى أنك تستطيع أن تحقق الكثير من التقدم في مجال الدراسة العلمية للإسلام والأديان عموماً، لو استمرَرْتَ في عملك كباحث في ذلك المجال؟

ن. فياض: الإسلام هو التبرير غير المعقلن لفلسفة الدمار. الحياة جميلة. والحياة بناء وحب. لقد أتعبني الغوص في تراث الحقد. أنا بحاجة إلى أنهار من مطهر فلسفات الحب والعيش. لا بدّ من ترك هذا الدين المكبّل بالكراهية. إدمان تنفس التلوث يقتل المرء مهما حاول تنقية صدره.

11. هل صدر الكتاب المذكور (كمشة بدو)، وماذا يتضمن باختصار؟

نبيل فياض: أعمل فيه اليوم بتركيز تام. إنه مقاطع من تاريخ العرب – تلك الكائنات الآيلة للإنقراض ومن أجمل أحداث الحضارة أن ينقرض العرب – تظهر بالكامل كيف دمّرت العقليّة البدويّة الحضارات القديمة وما تزال مستمرة في تدميرها، عبر أدلّة داحضة.

12. من أعمالك المهمة كتاب (نيتشه و الدين) الذي كتبتـَه بالاشتراك مع الباحث الألماني (موترايش)، لماذا هذا الكتاب نادر كالكبريت الأحمر في البلاد العربية؟ وهل يمكن أن تلخص لنا المحتوى الجوهري لأفكار الكتاب؟

نبيل فياض: الكتاب هو عرض نقدي للمقاطع المتعلقة بالدين في كامل أعمال نيتشه. هو نادر لأنه في زمن حماس ومقتدى الصدر وحزب الإله وكائن اسمه الضاري، لا مكان لشخص اسمه نيتشه، قال بصريح العبارة إن الله مات.

13. ترجمتَ لنيتشه: (شفق الأوثان) (وهناك ترجمة أخرى منشورة بعنوان: أفول الأصنام) و (بمعزل عن الخير والشر) و(عدو المسيح).. لماذا هذا الاهتمام الخاص بنيتشه؟ وهل نشرت تلك الأعمال الثلاثة حتى الآن؟ ألا يمكنك أن تعطينا خلاصة موجزة لأفكار كل منها؟

نبيل فياض: لم أنشر منها شيئاً لأن الرقابة السوريّة طالبانيّة أكثر من بن لادن. نيتشه، برأيي، أهم فيلسوف في تاريخ البشريّة لأنه أعاد الأولويّة للذات مقابل الموضوع. اليهوديّة والإسلام والماركسيّة أيديولوجيّات قمعيّة لأنها تقدّم الفكرة على الإنسان: كم قتل محمد على مذبح مولوخ-إلهه؟ وكم دمّر ستالين في نوفاسيبريسك شيوعيته اللاإنسانيّة؟ نيتشه أهم من محمد وستالين بما لا يقارن؛ أزمة نيتشه أنه يطلب منك أن تقرأه وتفكّر! محمد وستالين يطلبان منك أن ترمي بعقلك في أول سلّة زبالة... وتتبعهما! نيتشه نبي الكائنات العاقلة: محمد، ومثله ستالين، نبيّان برسم الرعاع! أفكار نيتشه تشمل كل أوجه حياة العقل. لم يتحدّث هذا النبي عن قواعد القتل والتكفير والاستنجاء والاستجمار والخرطات التسع، لذلك لا أحبّذ الكلام عنه كثيراً في بيئة توقّف تفكيرها عند نكاح البنت من الزنا وخنزب وفضائل الحسن بن علي، الذي اشتراه معاوية وقتله... أوه!! تاريخ مقرف. ما أصعب أن يكون المرء عربيّاً وفي زمن اسماعيل هنيّة ومقتدى وبقية الماريونيتات المحمديّة!! هنا أتساءل: هل كان بريئاً استعانة الأمريكان بالإسلام للقضاء على الستالينيّة؟ لا يفل الحديد إلا الحديد!! الحقيقة أن الكذبة الإسلاميّة أكثر إقناعاً وقوة من أختها الستالينيّة، لأنها تكتفي بدور الوسيط في نقل الحقيقة – وهم الحقيقة – من كائن علوي، في حين اكتفت الستالينيّة، التي تحترم العقل البشري أكثر، في الزعم أنها بشريّة الأصل والفصل. هل يمكن أن نفهم هنا أيضاً استعانة الأمريكان بالإسلام على الإسلام للتخلّص من هذا الركام المريع؟ لن ننتهي من الإسلام إلا بإشعال المعارك بين السنّة والشيعة، فنرتاح ويرتاح العالم والحضارة!!!

14. بالنسبة لمفهوم (موت الإله) لدى نيتشه و تسميته كتابه الآنف الذكر بـ (شفق الأوثان) أو غسقها أو أفولها (فالغسق أقرب إلى المقصود أي الأفول، و أما الشفق فهو أقرب إلى معنى الطلوع).. لاحظتُ أنه قد يكون لذلك علاقة ٌ بمفهوم في الميثولوجيا الجرمانية القديمة، و هو (راغناروك) Ragnarök الذي هو يوم الموت و الانبعاث، و يعني حرفيا (موت الآلهة) (و ذلك يعني دمار العناصر الكونية لتتشكـَّلَ من جديد). فهل يمكن أن يعود ذلك المفهوم النيتشوي إلى هذا المفهوم الميثولوجي في الثقافة الجرمانية القديمة بشكل من الأشكال؟ علماً بأن عناصر من الثقافة الألمانية الحديثة (السواستيكا رمز النازية، نموذجا) تعود إلى الثقافة الجرمانية القديمة للتيوتون و الاسكندنافيين القدماء.

نبيل فياض: لا! شفق الأوثان مختلف بالكامل. في بداية الكتاب يقول نيتشه: هنالك أوثان في هذا العالم أكثر من الحقائق. الكتاب، كما أفهمه، يركّز الأنظار على مسألة الفرق بين الحقيقة ووهم الحقيقة. ونحن بتوثين وهم الحقيقة نحوله إلى حقيقة: هل سمعت بقصّة الإسراء والمعراج، التي حوّلها الدجل المقدّس إلى حقيقة تاريخيّة؟ بالمناسبة، في سوريّا التي لا حياة فيها لغير التقدّم والاشتراكيّة يُحتفل بهذه الكذبة المقدّسة رسميّاً... لا تعليق!!!

15. من أعمالك أيضاً (مقالة في القمع) وهو دراسة حول منهجية القمع في التعليم الديني الإسلامي.. ماذا تقول في هذا الكتاب؟
نبيل فياض: كتبتُ هذا النص في فترة صعبة للغاية كنت أمر بها. كنت مطارداً من أحد الأفرع الأمنيّة التي حرضها الشيخ سعيد البوطي على اعتقالي لأنني مثير للفتن. اختبأت في منزل صديق لي عراقي – هرب بدوره إلى الغرب – اسمه ظافر ساعاتي. وظللت في بيته في منطقة الزاهرة بدمشق أكثر من أربعة أشهر، لم أر خلالها الشمس. كان الكتيب دراسة مختصرة لأشكال القمع المتوارث التي نعيشها في هذا الشرق منذ مئات السنين.

16. يقول القرآن (المدثر:30) عن الملائكة الموكلين بحراسة جهنم: إنهم تسعة عشر، ثم يشير الى أهل الكتاب مما يفهم منه أن الفكرة كانت موجودة عند أهل الكتاب (و هم اليهود غالباً)، فهل يوجد مثل هذه الفكرة (تسعة عشر ملاكاً على الجحيم) في مكان ما في التلمود و المداريش في حدود اطلاعك على النصوص اليهودية؟ و أنا بدوري لم أجد شيئاً سوى ما لاحظته في الفكر الديني العراقي القديم (السومري و الأكادي) من أسماء آلهة العالم السفلي التي تقارب العدد (19) و لكن من دون توكيد على ذلك الرقم.

نبيل فياض: لدي دراسة غير منشورة حول علم الملائكة Anglelogy ، يمكن أن أختصرها كما يلي. لم يكن اليهود يؤمنون بالملائكة فقد كان إله كتبتهم يخاطب أنبياءه المفترضين دون وسيط. حين احتك اليهود في إحدى مراحلهم بالزرادشتيين، أخذوا عنهم – ضمن أشياء كثيرة – مسألة العلاقة بين الإله ( أهورا مازدا هنا ) والنبي ( زرادشت )، عبر وسيط هو فوهو ماناه. وهكذا صار الأميشا سبنتا رؤساء الملائكة اليهود، واليازاتا باقي الرعيل الملائكي. جبرائيل ( كلمة آراميّة تعني رجل إيل أو مرسل إيل ) أخذ كل سمات فوهو ماناه، بما في ذلك اسمه. ولما ظهر محمد على الساحة، لطش عن اليهود قصة الملائكة، ضمن ما لطشه من ركام عبراني هائل. وحده علم الدين المقارن، الذي يحاربه كهنة بعل المسلمين لأنه يكشف كل أوهامهم المقدسة، يمكن أن يعيد الاعتبار لديانة عظيمة اسمها الزرادشتيّة، ولرجل عظيم اسمه زرادشت، ولشعب حضاري – كان حضاريّاً – اسمه الفرس: شعب لا أجد مبرّراً لالتصاقه بالمرض القمّي، في حين أن خلاصه ومهديه لا يقيمان خارج يزد.

17. ماذا تقول عن (صلاح الدين الأيوبي) ككردي و كسلطان مسلم؟ فأنا – مثلا – أمقـُتُ فيه عداءَه للفلسفة و الفلاسفة و العرفان و العارفين، فقد قتل (السهرورديَّ) صبراً. وهل كانت ثقافته كردية أم عربية إسلامية؟

نبيل فياض: لقد شاركت الراحل حسن الأمين في كتابه عن صلاح الدين الأيوبي. هذا الرجل، مثل كل شخوص تاريخنا المجيد، ينطبق عليه تماماً قول نزار قباني: شيّدنا مزارات لألف وألف دجّال. صلاح الدين الأيوبي أحد أسوأ الأمثولات في تاريخ المسلمين. لا يهمني إن كان كرديّاً أم تنزانيّاً أم من بلاد الواق الواق. أعرف أن هذا الرجل قضى على التراث المعرفي عند الإسماعيليين، وعلى التعددية الثقافيّة التي وجدت في مصر الفاطميّة، بغض النظر عن موقفه البدوي من الفلسفة. كم كان حاقداً على الحضارة هذا الشافعي المريع! أرجو نزعه من تاريخ كردستان، إذا ما أراد الأكراد تاريخاً يفيد في بناء وطن للغد. اتركوه للعرب – شعب خالد بن الوليد والحسن بن علي و... لا يضرّه كثيراً إن زاد في قوائم أغبيائه اسماً لبدوي من هنا أو هناك!!

18. هل كان لموسى بن ميمون (هَرامبام) دور في البلاط الأيوبي - كما توحي بذلك في كتاباتك؟

نبيل فياض: نعم! ليس في هذا عيب، لكن العيب في التعصّب وتسيير دفة التاريخ وفق ما تملي علينا أهواء المتعصّبين.

19. ترجمتَ للمستشرق (آرثر جفري) كتاباً بعنوان (القرآن ككتاب مقدس). ماذا هو العنوان الأصلي للكتاب، و ما هي أبرز النتائج التي وصل اليها الكتاب؟

نبيل فياض: أرثر جفري واحد من أهم من تأثرت بهم من كتّاب. الكتاب منشور في لبنان. ترجمت لجفري أيضاً كتاباً عنوانه مواد من أجل تاريخ القرآن النصّي. أتمنى أن أنشره يوماً. الكتاب عنوانه بالانكليزيّة، The Quran as ******ure. وهو منشور من قبل Russel F. Moore Company Incorporated New York – 1952. بالنسبة لمحتوى الكتاب، يمكن إرساله لكم بالبريد الالكتروني لأنه أوسع وأهم من أن يلخّص ببضع سطور.

20. عن أعمالك صدرت دراستان بالألمانية و كانتا رسالتي دكتوراه، الأولى لإيكارت فولتس و الثانية لأندرياس كريستمان. أيَّ جانب من أعمالك كانتا تتناولان: أعمالَك الفكرية والفلسفية، أم مؤلفاتك و ترجماتك المرتبطة َ بالفكرالديني و الإسلام؟

نبيل فياض: لقد تمحور كل ما كتب حول مسألة العلمانيّة والإسلام، والمعارك التي دارت ذات يوم – قبل الموات الثقافي الحالي – بين العلمانيين ورجال الدين.

21. ألفتَ كتاباً كبيراً عن (النصارى) كطائفة مسيحية أو يهوديمسيحية منقرضة.. هل تقصد فرقة (الناصريين) Nazarites من اليهود المتنصرين أصحاب (إنجيل الناصريين) الهرطقي؟ وهل لهم علاقة بمدينة أو بليدة (الناصرة) أم هم بقايا من فرقة (الناصريين) الغنوصية التي تحدث عنها البعض (و اشتقاق اسمهم من نازِر נזר العبرية بمعنى مكرَّس)؟ و هل (النصارى) في القرآن هم (الناصريون) خصوصاً أم المسيحيون الشرقيون عموما؟ فمن المعلوم أن المسيحيين الشرقيين (السريان) وُصِفوا أو وَصَفوا أنفسهم بـ (نصرايا) و هو ما يعادل وصف (نصراني) العربي.

نبيل فياض: لقد عرض علي من قبل أحد المراكز البحثيّة الأمريكيّة أن أكمل العمل في مسألة النصارى. الاجابات كلها مفتوحة واحتمالاتها شبه متساوية. ربما أن قناعتي هي أنهم من " الناصرة "، التي أخذوا اسمهم عنها. كنت أريد أن أجد دليلاً على العلاقة بين النصيريين ( الاسم الفعلي للعلويين ) والنصارى، خاصة وأن إحدى عاصمتي النصارى كانت جنوب إنطاكية وشرق اللاذقيّة، أي الموطن الأصلي لجزء كبير من النصيريين-العلويين. لكن العته الطائفي والتعصّب السياسي ما يزالان يحولان بيننا وبين أي بحث جدي جريء وطليعي في هذا النطاق. ولا أرى أن الأفق يحمل أي أمل.

22. قال فرويد بأن التوحيد اليهودي، أو الديانة الموسوية، له جذور في ديانة أخـِناتون التوحيدية، و يقول الباحثون المحدثون (مارك س. سميث Mark S. Smith من جامعة نيويورك، نموذجا) بأن عبادة (يهواه) هي من العبادات الكنعانية القديمة، و أن الديانة اليهودية (و هي ـ أصلاً ـ ثقافة ُ سُكّان مملكة يهودا إضافة إلى عناصر من تقاليد دينية آتية من مملكة إسرائيل الشمالية) هي - أساساً - تطور و استقلال عن الديانة الكنعانية القديمة. ماذا ترى بهذا الصدد؟

نبيل فياض: لا أستطيع أن أصدّق حرفاً واحداً من العهد القديم ما لم تكن هنالك وثيقة خارجيّة غير يهوديّة تؤكّد ما يقوله العهد القديم. في كتابي "مدخل إلى مشروع الدين المقارن"، أشرت في مقالة مترجمة إلى ما يقوله نقّاد العهد القديم من أنه ليس ثمة دليل على صحة أي حدث في العهد القديم، خاصّة سفر التكوين وسفر الخروج. لقد أشرت في كتابي عن "إبراهيم" أن هذا النبي المزعوم شخص ميثولوجيّ بالمطلق، وعندما سأتناول شخص موسى، سأظهر أن هذا أيضاً ليس أكثر من ميثولوجيا صرفة. بالنسبة إلى فرويد، أعتقد أنه ارتكب خطأ جسيماً حين اعتمد على الترجمة اللاتينيّة-اليونانيّة للاسم العبراني، لينطلق من ثم إلى استنتاجاته التي لا أساس لها من الصحة. فرويد يهودي، حتى وإن ادعى العلمنة. من هنا، وبذكائه الخارق، أدرك أن لا أساس منطقي يمكن أن يقوم بدور حامل تاريخي لهذا النبي المؤسس المزعوم للديانة اليهوديّة. استدار فرويد إلى التاريخ المصري، وراح يغمس فيه موسى اعتماداً على أساس فيلولوجي منطلقه السابقة مس التي توجد في الاسم غير العبراني للنبي. إن اعتماد التسمية غير العبرانيّة يحمل مخاطر التخلّي عن البعد الميثولوجي لهذا الشخص. موشيه التسمية العبرانيّة للنبي تعني المنتشِل [ يفترض أن يكون المنتشَل، فموسى بحسب الأسطورة العبرانيّة أنتشل من اليم؛ مع ذلك فنحن نعتقد أن المنتشِل يمكن أن تعني ميثولوجيّاً الذي انتشل اليهود من الأسر والعبوديّة ]، لذلك فإن اعتماد التسمية غير العبرانيّة لهذا النبي يمكن أن يطيح بالأساس الذي قامت عليه الأسطورة أصلاً. في النهاية، الديانة اليهوديّة، كالإسلام تماماً، مزيج تركب عبر الزمان من عناصر كثيرة منها ما هو محلّي ومنها ما هو مستورد. يكفي الإشارة هنا إلى العناصر الكثيرة التي أخذها اليهود عن الزرادشتيين.

23. هل يمكن أن تحدثنا عن العلاقة الغامضة بين السامريين والمسلمين أو السامرية و الإسلام، و التي أشار إليها (كرونه) و (كوك)؟
نبيل فياض:التاريخ السامري لم يستهوني لأسباب كثيرة، إضافة إلى أنه من غير الممكن لأي باحث أن يعرف في كل شيء. فقط أعرف أن ثمة أشياء كثيرة أخذها الإسلام عن السامريّة، لكن لا يمكن مقارنة ذلك بما اقتبسه الإسلام عن اليهوديّة التلموديّة التقليدية. هل تعرف، مثلاً، أن القرآن أخذ عن التوراه السامريّة قصّة أن الله رفع السماء – طبعاً ليس ثمة سماء ولا من يحزنون – بلا عمد [ سقف شموييم بلا عموديم ]؟ بل يمكن القول إن النصف الأول من الشهادة عند المسلمين مأخوذ حرفيّاً عن السامريين. هكذا أمور بحاجة إلى هدوء وحريّة: وهذا ما عمل محمد وأتباعه عن إبعاده عن كل منطقة دخلها الإسلام، بحيث لا يكشف أي مستور.

24. لـ (باتريشيا كرونه) كتاب آخر بعنوان (تجارة مكة و ظهور الإسلام) ترجمَتْهُ الى العربية (د. آمال محمد الروبى). فهل هو تطوير و تعديل لما طرحته في (الهاجرية)، أم تُطـَوِّر فية نظرية أخرى عن نشوء الإسلام؟

نبيل فياض: الهاجريّون تحدّث عن نشوء الإسلام اعتماداً على المصادر غير الإسلاميّة. تجارة مكّة مختلف تماماً. مع ذلك، أعتقد أن كرونه بدأت مع الهاجريون وانتهت به. كان أفضل أن تفصّل أكثر في مصادرها، وتعيد تقديم النص القديم بلغة غير مبهرجة، صالحة للعصر.

25. يُلاحَظ أن المستشرقين، أو أكثرهم، عندما يتحدثون عن منشأ الإسلام يهملون طائفة (الأحناف) و سوابق التوحيد في الجزيرة العربية، و يكادون يغضون النظر عن العناصر العربية الخالصة التي تكاد تطغى على الفكر الديني الإسلامي، و يركّزون على /أو يبحثون عن/ تأثير يهودي أو مسيحي خاص. كيف تفسّر هذا؟ (وكلامنا هذا لا ينطبق على المستشرقين الروس ذوي الميول الماركسية).

نبيل فياض: المستشرقون أشاروا كثيراً إلى طائفة الأحناف. مثلاً، هوروفيتس. لكننا لا نمتلك اطلاعاً كافياً على التراث الاستشراقي. لكن في اعتقادي أن ما نمتلك من وثائق حول ظاهرة الأحناف لا يمكن أن يساعد في عمليّة بحثيّة ضخمة، مثلما هي الحال مع اليهوديّة التلموديّة.

26.كيف تقيّم المرحلة الحالية للاستشراق و الدراسات الاستشراقية؟ هل هي استشراق القرن التاسع عشر نفسه أو امتداد له كما يقول البعض؟ ألا ترى أن الاستشراق ينتعش مرة أخرى في مواجهة تصاعد المدّ - أو الخطر- الإسلامي؟

نبيل فياض:الاستشراق مسألة في غاية الأهميّة. إن الحل لمسألة التطرّف الإسلامي – وهي حالة معرفيّة أساساً – لا يمكن أن يكون غير معرفي؛ وهذا يميّز تماماً بين الأوروبيين، خاصة الألمان، والأمريكان. لا بد أن ينتعش الاستشراق لمحاربة الإرهاب معرفيّاً. شريطة أن لا يبقى محصوراً ضمن الأكاديميّات الراقيّة والطبقات المثقفة، واللغات الأوروبيّة.

27. ماذا لديك لتقوله عن كتاب (الاستشراق) لـ (إدوارد سعيد)؟

نبيل فياض: لم أقرأ إدوارد سعيد، لأنه يكتب كسياسي أكثر منه كباحث.

28. كتبتُ مقالاً موسعاً عن المصحف الأقدم المكتشف في اليمن و نشرناه في العدد الأول من فصلية (ملف الإسلام) مُزْداناً بصُوَر للمخطوطات. ذكرتُ في المقال أن المستشرقـَين (بوين) و (غراف فون بوثمَر) اللَّذَين تولَّيا ترميم المخطوطات، لم يُعلنا نتائج نهائية مترتبة على دراسة تلك النسخة أو النسخ القرآنية القديمة. هل هناك جديد في هذا المضمار لتخبرنا عنه؟

ن. فياض: حاولت في زيارتي الأخيرة لألمانيا أن أعرف ما هو الجديد حول المسألة، ولم تكن الإجابات وافية.

29. هناك أقاويل عن نزوع رؤساء أميركا و ساستها الى المسيحية المتهودة و أن (بوش) يحضر جلسات دراسة التلمود، و أشياء أخرى. ما هي حقيقة الأمر برأيك؟

نبيل فياض:نظريّة المؤامرة هي الأكثر رواجاً بين العرب منذ أن خرجوا من جزيرتهم وحطموا الحضارات العظيمة التي كانت حولهم. نظريّة المؤامرة هي جزء من تفكير العرب الذين لا ينزعون إلى مواجهة مشاكلهم خارج إطار الماورائيّات. هذه النظريّة هي جزء من الماورائيّة اللاسببيّة التي كانت على الدوام أساس التفكير العربي. أسأل هنا سؤالاً خبيثاً: أليس الإسلام هو السيف الذي فرض القيم اليهوديّة على عنق الحضارة؟

30. يشير البعض [وليام سانت كلير ـ تِسْدَلWilliam St. Clair-Tisdall (1859ـ 1928 ز.)، في مصادر الإسلام The Sources of Islam (1900)، نموذجا] الى التشابه بين بعض القصص القرآنية والقصص الهجادية التي يتضمنها مدراشُ (فِرْقَى الرابي إليعَزَر)، فيقول إن هذا الكتاب أثـّر في القرآن، بينما يقول آخرون ان (فِرْقَى الرابي إليعَزَر) جرى له إعادة ُ تحرير و صياغة بعد ظهور الإسلام و بتأثير القصص القرآنية و الإسلامية. ماذا ترى بصدد تحقيق هذا الأمر؟

نبيل فياض: أمتلك هذا النص بالانكليزيّة. أعتقد أنه متأثر بالإسلام، ومؤثّر به في آن. الموضوع أعمق من أن يلخّص بإجابة مبسّطة. أتمنى أن نرتاح من رموز الإرهاب قليلاً – من المقتدى إلى أحزاب الآلهة مروراً بالضاري والأخوان حتى القاعدة – كي يكون لدينا الوقت والأمان اللذان لا غنى عنهما من أجل بحثيّة جادة عميقة. اسمحوا لي هنا أن أقدّم النص التالي من ترجمتي لعمل نيتشه الذي لا يجارى، Der Antichrist :

" هل كنت مفهوماً؟ بداية الكتاب المقدّس تتضمّن كامل نفسيّة الكاهن. – يعرف الكاهن خطراً كبيراً واحداً: ذاك هو العلم، - المفهوم الصحيح للعلّة والمعلول. لكن العلم لا يزدهر عموماً إلاّ في ظروف سعيدة، - لابدّ أن يكون عند المرء فائض من زمن، من عقل، كي " يعرف "... " بالتالي على المرء أن لا يكون سعيداً "، - كان هذا منطق كلّ كاهن في كلّ زمان.- سوف يحزر واحدنا للتو، ماذا دخل العالم بعد ذلك مباشرة، بحسب هذا المنطق: - إنه " الإثم "... فقد تمّ تلفيق مفهوم الخطيئة والعقاب، " منظومة الأخلاق العالميّة " برمتها، من أجل معارضة العلم ، - معارضة انفصال الإنسان عن الكاهن... يجب أن لا يتطلّع الإنسان حوله، يجب أن ينظر داخل ذاته؛ يجب أن لا يمعن النظر بتعقّل وحرص في الأشياء كي يتعلّم، يجب أن لا ينظر إطلاقاً: يجب أن يعاني... يجب أن يعاني بطريقة تجعله بحاجة للكاهن دائماً. – أبعدوا الأطباء! الواحد بحاجة إلى مخلّص. – لقد لفّق مفهوم الخطيئة والعقاب، وكذلك مبادىء " النعمة "، " الفداء "، " الغفران " – أكاذيب من أوّلها إلى آخرها دون أي حقيقة نفسيّة – من أجل تدمير المعنى السببي للإنسان: إنها عدوان على مفهوم العلّة والمعلول! - وليس عدواناً باليد، بالسكين، بالكراهية والحب الشريفين! بل عدوان من أجبن الغرائز، أمكرها، وأحطّها! عدوان الكاهن! عدوان الطفيلي! امتصاص دم من قبل مصّاصي دم شاحبين سرييّن!... حين لا تعود النتائج الطبيعيّة لفعل ما " طبيعيّة " بل يُعتقد أنها نتاج أشباح الخرافة المفاهيميّة، عبر " الإله "، عبر " الأرواح "، عبر " الأنفس "، وذلك بوصفها مفاهيم " أخلاقيّة " مجرّدة، كثواب، عقاب، إشارة، خاصيّة، يدمّر عندئذ الشرط المسبق للمعرفة، - يقترف المرء عندئذ أعظم جريمة بحق الإنسانيّة. وأقول من جديد، إنّ الإثم، ذلك الشكل الذي لا مثيل له لتعنيف الذات عند الإنسان، تمّ تلفيقه ليجعل العلم، الثقافة، كلّ أنواع السمو والنبل عند الإنسان، مستحيلة؛ فالكاهن يحكم عبر تلفيقة الإثم. – ".

31. تتحدث أحياناً عن التراث العقلاني الزاهر للإسماعيليين، هلا ذكرتَ لنا جوانب وملامح من ذلك؟

نبيل فياض: سأذكر جانباً واحداً. قبل مجيء الإرهابي الشافعي السنّي، صلاح الدين الأيوبي، كانت الأديان والمذاهب الإسلاميّة موجودة كلّها في مصر. كان ثمة سنّة وشيعة وإسماعيليّون. بعد مجيء الإرهابي صلاح الدين انتهت التعدديّة المذهبيّة في مصر، لصالح المذهب الشافعي. إن الحريّة الدينيّة في مصر الفاطميّة أوصلت عبقريّة مثل الحاكم بأمر الله إلى إعلان الربوبيّة. وظهر بالتالي الدين الدرزي. صلاح الدين حوّل الأزهر الفاطمي من صرح فلسفي لا سابق له في التاريخ الإسلامي إلى تياترو دعوي وصل إلى درك من السقوط بحيث تسلّم إدارته اليوم كائن اسمه طنطاوي: هل رأيته يوماً في لقاء إعلامي؟

32. يلاحظ في التاريخ الإسلامى أنه أحياناً تنبثق حركات إرهابية نموذجية من اتجاه فكري عقلاني ومنفتح، فقد ظهر القرامطة على أساس الدعوة القرمطية التي كانت تطالب بإصلاح شامل للحياة الاجتماعية والتساوي بين الطبقات و الأجناس و التوفيق بين الأديان و الملل... و ظهر الحَشَّاشون على أساس الدعوة الاسماعيلية ـ النزارية. ممّا أدّى الى نشوء انطباع مُفادُه أن الفتن تثيرها الاتجاهات غير السنية في الإسلام. كيف يكون تفسير ذلك؟

نبيل فياض: أكثر ما يثير قرفي من قاموس العرب اللغوي كلمة " فتنة ": هل تعرف ماذا يعنون بالفتنة؟ الخروج عن الأطر التي وضعها ديوك الله الروميّة في التفكير والسلوك!! كلّ من يفكر بغير الأسلوب الذي نعرفه هو مثير للفتن. بالمقابل، فإن ديوك الله الروميّة تلك أشرفت بالكامل على كتابة تاريخ صانعي الفتن. هل يمكن بالتالي أن نفهم هذا الكم من التشويه الذي لحق بكل من يفكّر بطريقة مخالفة لتفكير الديوك؟

33. كيف ترى دائرة المعارف اليهودية الجديدة المسماة Encyclopedia Judaica، ألم تقع تحت تأثير الايديولوجيا الصهيونية أو التحيز اليهودي؟ هل تنحو منحى نقدياً كما رأينا في دائرة المعارف اليهودية القديمة Jewish Encyclopedia؟

نبيل فياض: أستطيع الزعم بأن اطلاعي عميق للغاية على الـ Encyclopedia Judaica. إنها أكثر من هامة وموضوعيّة. أتمنى على الإسلاميين الاطلاع عليها كي يستوعبوا كيف يتناول المرء مواضيعه الدينيّة.

34. ظهرت (دائرة المعارف القرآنية) Encyclopedia of the Quran سنة (2004) من عمل لفيف من المستشرقين و الباحثين (من غربيين ومسلمين)، و كان (د. نصر حامد أبو زيد) ضمن لجنتها الاستشارية. هل اطلعتَ على هذه الموسوعة فتَصِفَ لنا مستواها المعلوماتي والنقدي؟

نبيل فياض:حتى اليوم ليس هنالك أهم منها ولا أكثر موضوعيّة في مقاربة الإسلام. أتمنى أن تترجم إلى العربيّة بدقة مطلقة لأن حاجتنا لها كبيرة.

35. بما أن أكثر أعمالك ممنوعة في سوريا و أكثر البلاد العربية، ألا ترى أنك بحاجة إلى موقع رسمي خاص بك في الإنترنت، يتضمن أعمالك ومقالاتك، و يكون وسيلة للتواصل مع قرائك والمتابعين لأبحاثك وكتاباتك؟

نبيل فياض: هذا صحيح. كان لي موقع على الانترنت هو http://www.idaat.com، أوقفته في تموز الماضي لأنه صعب على فرد وحده أن يدير موقعاً يكون وحده فيه الكاتب والمنسّق وما إلى ذلك. قد أفكّر بذلك إذا تهيّأت الظروف الموضوعيّة المساعدة.

36. وأخيراً، كيف ترى مستقبل الديمقراطية و التعددية، خصوصا التعددية الدينية والمذهبية وحرية الأديان و المذاهب، في العراق؟ ألا ترى أن العراق قد يتمخض عن دولة دينية أو مذهبية؟

نبيل فياض: في هامبورغ شاهدت فيلماً لقائد عراقي راحل من آل الحكيم، لقبه الفنّي شهيد المحراب. وكان هذا الشخص يؤدّي دوراً نادباً في مسرحيّة عاشورائيّة هزليّة. لم أستطع منع ذاتي عن الضحك، الإغراق في الضحك! مع ذلك، فخلف هذه الكوميديا يكمن واقع أسود يقول، إن هؤلاء هم الذين خلفوا صدّام حسين في حكم أهم بلد شرق أوسطي حضاريّاً. لا أمل على المدى المنظور. ما دام هؤلاء المهرجون الطائفيّون يمدون أيديهم إلى كراسي السلطة في العراق، لن يكون هنالك جواب على سؤال: هل للديمقراطيّة مستقبل في الماخور الذي يدعى: الشرق الأوسط.

الحوار المتمدن - العدد: 1924 - 2007 / 5 / 23

Who's Online

68 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home حوارات ولقاءات مع نبيل فياض حوارٌ في الأديان و الإسلاميّات - حاوره: سرور البنجويني