نبيل فياض

حوارات ولقاءات

نبيل فياض ابن رشد الدمشقي .. يطارد جملا متوحشا وسقيفة بلا نهاية...‎بقلم: نارام سرجون‎

لاأنكر أنني اختلفت كثيرا في الماضي مع المفكر السوري نبيل فياض .. ولاأنكر أنه نجح في استفزازي كثيرا في الماضي وتمكن من تفجيري عدة مرات بأحزمته الناسفة.. مشكلتي مع نبيل دوما كانت هي (الاسلام.. والاسلاميون).. وكي أختصر شرح النزاع بيني وبينه فهو باختصار أن نبيل بدا مناهضا للدين عموما وللاسلام خصوصا.. وللمنتجات السياسية الاسلامية..

وكان في منتهى القسوة في أحكامه ومراجعاته للتراث ولغته الحادة التي تذبح دون أن تكبّر على أحد .. أما أنا فانني كنت مع الاسلاميين وأعتبر أنهم مضطهدون ويجب أن تكون لهم فرصة في الحكم والمساهمة في اثراء التجربة السياسية للشرق .. وكانت حجتي دوما هي وجود أحزاب مسيحية اوروبية حتى الآن .. ونجاح نموذج الحكم الاسلامي في ايران في نقلها الى بلد مستقل عن الغرب ووازن وثقيل سياسيا وعسكريا وايديولوجيا - مهما كانت مثالبه - كان دليلا على صحة وصوابية رأيي .. ناهيك عن انتاج أيقونة مقاومة عزيزة على قلبي هي حزب الله .. ورأيت في "حماس" - في يوم مضى - أيقونة ثانية وليدة تنسخ التجربة الناجحة للاسلاميين وامتدادا للنجاح الايراني .. وزاد في غروري الاسلامي زعبرات رجب طيب أردوغان وقفزاته البهلوانية الاستعراضية وأكاذيب حزب العدالة والتنمية السلجوقي .. وقد صفقت طويلا ووقفت في المسرح وانا أصفق للبطل أردوغان حتى التهبت راحتاي .. من أجل صاحب مسرحية دافوس ومسرحية غزة ..

وحده كان نبيل فياض يقف كالعظمة في حلقي ويمنعني من تمتعي بالمشاهد الاسلامية .. فيخرج علي بمقال بين حين وآخر يصيبني بالدوار .. فمرة يهاجم التراث ومرة الفكر السياسيالديني .. حتى حزب الله لم ينج من نقده .. وفي مرة أخرى يهاجم كل الحركات الأصولية .. وأحيانا يثير الضجيج حول سورية التي تحترق ومرة يأخذني الى ماسماه قندهار حلب .. والى بانياس المأزومة دينيا .. ومع هذا فلم استلّ سيفي يوما لأخرج مع الآخرين الغاضبين بحثا عنه لمبارزته لأنني أكبرت فيه طريقته البحثية التي لايرد عليها الا بالبحث وليس بالاهانات والمهاترات العاطفية .. ورغم صمتي المطبق الذي التزمته وخياري بابقاء سيفي وقلمي مغمدين دوما فقد كنت أصفق لكل الذاهبين لحربه وأدعو لهم بالنصر وقلبي يتحرق لمبارزته .. وكان كل هذا قبل الربيع العربي بفترة ليست بالقليلة ..

ومع هذا فانني كنت أنظر الى نبيل بعينين .. عين حائرة وعين معجبة .. أحاول أحيانا أن أنسبه الى حركة خارجية مثل سعد الدين ابراهيم الذي تهتم به مؤسسات غربية كبيرة لأنه يثير شجون الأقليات بين الأكثريات لغاية لاأعلمها .. أو ألحقه بمعسكر سلمان رشدي وتسليمة نسرين وغيرهما من الذين يريدون بتشجيع غربي تحطيم الرموز الدينية للشرق وتمزيق ثياب التراث التي تستره .. ليسير التراث عاريا في طرقات العالم وطرقاتنا من غير عباءته المهيبة وسراويله الداخلية .. وأحيانا اقول ان نبيل مثل كارل ماركس اليهودي الذي حطم الكنيسة الأرثوذوكسية بزج الالحاد في الايمان المسيحي عبر اختراع دين جديد هو الشيوعية ..

ولكن نبيل انفرد بشيء لفت نظري وهو انه بقي في سورية ولم يغادر .. ولم يحط بتلك الهالة من القداسة والاهتمام الاعلامي في الغرب والشرق .. ولم ينصبه الغرب في موقع الثائر على الاسلام ولم ينحت منه نسخة أخرى من فصيلة سلمان رشدي رغم أن ماكتبه نبيل هو من أخطر مايكون وقد يهز الأساسيات .. ولاتبدو رواية آيات شيطانية لرشدي الا شيئا صغيرا جدا لايقاس بكتابات نبيل فياض الثائرة الصادمة والتي تصل اهتزازاتها الى العظام وتفتتها بترددات الصدى .. لكن كنت أتوقف دوما أمام أعمال فياض وكتاباته رغم اثارتها لغضبي وأعترف أنه بحث أكاديمي وليس عشوائيا .. وهو جهد فكري لايواجه الا بفكر وجدال عقلي .. وفوق هذا تعرض هذا المفكر ولسنوات طويلة الى تهديدات الاسلاميين ولقي تجاهلا من قبل وسائل الاعلام السورية وربما لمضايقات أمنية كثيرة - شكى منها بنفسه - من أجل مغازلة التيارات الدينية وتجنب استفزازها .. وكنت أرى أن اخفاءه عن الضوء مناسب وعمل حصيف لأنه كاتب يشق الناس ويشق الصف الاسلامي .. ويشق الاسلام نفسه ..

واليوم ألتقي مع نبيل في طرقات الربيع العربي المليئة بالفوضى والدم والصراخ والغبار والمجانين الطلقاء .. وأجد نفسي أتجنبه .. وأتجنب النظر في عينيه .. لأنه كان على صواب في قراءته للاسلاميين وللاسلام السياسي .. وكنت مع الكثيرين على خطأ ..

أنا من دافع عن الاسلاميين بشراسة .. وقفت أمام نبيل فياض متلعثما أشيح نظراتي كيلا تلتقي بما كتبه منذ سنوات ..وأكاد أعتذر له .. وبالطبع عرفت في الربيع العربي أن نبيل رجل مفكر من طراز رفيع .. وأدركت أن من قدمته الجزيرة على أنه مفكر عربي (وهو جاسوس وعضو كنيست اسرائيلي) والذي لم يقم برحلة بحث واحدة بعد دراسته في ألمانية لايمكنه أن يقف أمام عاصفة فكرية من عواصف المفكر السوري نبيل فياض ..

فأنا كنت أنظر الى التجربة الاسلامية من بعد .. وكان بريقها يخطف بصري وانعكاستها الكريستالية تدوخني .. أما نبيل فهاجر الى حيث التجارب الاسلامية وهاجر الى حيث يبارز المفكرين غربا وشرقا ويقلب في مفكراتهم وكتبهم .. ودخل في دهاليز تورا بورا في رؤوس القاعديين عبر دراسته للتكفير في المنهج الجهادي الطارئ .. وسافر في طول سورية وعرضها .. وطرح الأسئلة الصعبة المحرجة المربكة والتي يتصبب من يسألها عرقا والتي تشبه فحص العذرية للمرأة .. والتقى الناس وفتش اللحى ورأى أن كثيرا من اللحى مليئة ببيوض الشر والقمل الوهابي..

صدمني الاسلاميون بتناقضاتهم حتى خجلت من نفسي وأنا أتخيل نبيل يحاصرني بنظراته وأسئلته الملحّة .. رأيت بأم عيني أن القرضاوي امام المسلمين الثوار ورئيس اتحاد علمائهم يقتل بيديه وبقلبه وبلسانه دون توقف .. ويبارك الذباحين .. ولايدعو الى صلح بين المسلمين ولا يدعو الى هدنة .. ويثير الفرقة بين الفرق الاسلامية ومنهجه في الحياة هو:

من رأى مسلما فليذبحه بيده .. فان لم يستطع فبلسانه .. فان لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الايمان ..

ومن رأى أهل الناتو فليصافحهم بيده .. فان لم يقدر فبلسانه .. فان لم يقدر فبقلبه وهو أضعف الايمان ..

ومن كان له أب فليخلعه بيده فان لم يقدر فبلسانه وان لم يقدر فبقلبه ..وهو أضعف الايمان ..

ومن وصل الى الأمراء المفسدين فليمسح شروجهم بيده فان لم يقدر فبلسانه .. وان لم يقدر فبقلبه وهو أضعف الايمان ..

رأيت القرضاوي بأم عيني يضع الدم في رقبته .. ويرقص على ايقاع الجرائم والمذابح الكبرى بحق الجميع .. ورأيته بأم عيني يدخل الناتو الى بيت النبي .. والى حجرة السيدة عائشة .. ويهدي درّة عمر التي أخافت المفسدين للبيت الأبيض .. ويمسك يد رسول الله ويضعها قسرا بيد الناتو وبيد راسموسن الذي رسم نبينا وشوهه ونال من كرامته النبوية .. وخطب هذا القرضاوي فينا من الدوحة وقال: (لو أن رسول الله بيننا لتحالف مع الناتو) ..هل سمعتم بعد هذا عارا وقبحا واحتقارا وكفرا وسرقة لغضب النبي وقلب النبي؟؟

أحسست بالحرج من نبيل فياض عندما رأيت كيف ان الاسلاميين في غزة فجأة انتقلوا من خنادق المرابطة في غزة وأنفاقها الى أنفاق ادلب وبابا عمرو وخنادق داريا .. دون أن يكون لديهم شعور بالوفاء والخبز والملح وخلطات الدم .. وكأن الانقلاب سهل مثل تغيير الفنادق والمطاعم والجوارب .. هل الاسلاميون ناكرون وغدارون وقليلو وفاء ولايميزون الخير من الشر؟؟ حتى الديدان لاتغير أنفاقها كما يغير الحمساويون خطوط أنفاقهم تحت الأرض ..فالحمساويون نقلوا أنفاقهم من رفح المصرية الى داريا الشامية .. وصواريخ القسام وقذائف الهاون تهبط على قرى سورية وهم ينقلون خبراتهم الى من يرمي القذائف على جامعات دمشق وحلب وليس على مستوطنات وكيبوتزات اسرائيلية ..

أنظر حولي فأجد حماس الاسلامية تتقلب كالأفعى وتبدل جلدها ولونها وعظامها .. واستمع الى السافل خالد مشعل والسافل أسامة حمدان فلا أصدق كيف تتحول حركة اسلامية الى حركة تصادق حكام الخليج وفسادهم .. حركات صفيقة خليعة ووقحة تسرق وتمارس اللصوصية بالمعنى الحرفي للكلمة .. وتعلم الناس التلون والتملق للأثرياء وترسل رسالة للأجيال مفادها أن المسلم يطعن من أطعمه وأنجده وسقاه ويبيع بالفضة كل شيء .. 
بل كيف أنسى الشيخ الفلسطيني الاسلامي رائد صلاح وهو الذي نسي سجانيه ومحتليه وخصص وقته لتجنيد مقاتلين لمؤازرة "الثورة" السورية .. وهو يتبرع ويمسح العار والدم عن جرائم اسرائيل بوضع صور ضحاياها على صفحته الشخصية على أنها من صنع النظام السوري ومجازره بحق شعبه؟؟ ..لص وقح ولايعتذر وكاذب لئيم .. ولحيته لحية زندقة .. بل ان لحية كارل ماركس فيها اسلام أكثر من لحيته .. ولحية أبي لهب أطهر من لحيته لأن ابا لهب ظل منسجما مع نفسه وعداوته .. وكذّب بالدين ولم يكذب على نفسه ..

حاولت اخفاء نفسي وتمنيت ألا اصادف نبيل فياض (الذي لايثق بالاسلاميين) في أي درب عندما وصل الاخوان المسلمون المصريون الى الحكم وارسلوا رسائل الى صديقهم العظيم شيمون بيريز.. ونسوا كل ماقالوه منذ عقود عن الجهاد والرباط وفلسطين ..وصاروا يجاهدون في سورية .. 
خجلت من نفسي وأنا أرنو الى لبنان وأسمع عواء أحمد الأسير وحروبه المقدسة ضد الشيعة والرافضة فيما اسرائيل على بعد أقل من طول لحيته وهو لايبالي بها .. وأسمع عماد الحوت الاسلامي اللبناني يقول على الميادين في عشر دقائق الشيء ونقيضه بشكل يدعو للدهشة فهو يقسم الأيمان المغلظة بأن المتظاهرين السوريين سلميون وقد أرسل عليهم الرئيس الأسد قناصين لقتلهم سرا .. لكنه عند مروره على ذبائح محمد مرسي أمام قصر الاتحادية قال بعد ثلاث دقائق: هناك مندسون يقتلون المتظاهرين لاتهام الرئيس مرسي وتشويه الاسلاميين .. وهناك أطراف خارجية تموّل المتظاهرين والفوضى !! أي ألبسنا ثياب مرسي وأعطى ثيابنا لمرسي .. أية ذمة يملك هؤلاء الاسلاميون المنافقون والمؤلفة قلوبهم .. وأي مدرسة للكذب هي التي درسوا فيها كل هذا النفاق ؟؟ هل هي المدرسة الاسلامية هي التي تصنع الكذابين والذين يبررون الكذب ويروجون الكذب من أجل الحكم .. والخلافة؟؟ ..

لايوجد خطاب أكثر تشويشا وتناقضا من الخطاب الاسلامي هذه الأيام ولايليق به صفة الا المنطق المخنث فلا جنس له وعقيم لاينجب .. ولاشيء يدعو الى الخجل أكثر من الاستماع الى الاسلاميين هذه الأيام لأن كل كلمة تتخاصم مع التي تليها .. وكل جملة تطعن ماقبلها .. وكل فاصلة هي شوكة في حلق مابعدها .. وكل فعل ينهش الفعل الذي يليه ويعضه من عنقه كما الكلاب الضالة .. والحرب الأهلية الحقيقية هي بين الكلمات التي يطلقها الاسلاميون .. فلا توجد كلمة الا وتنفر من غيرها .. ولاتوجد عبارة الا وتعلن العصيان على سابقتها لشدة تنافرهما ..

ففي منطقهم مثلا ان الرئيس الأسد باق لأن اسرائيل تريده لأنه لايحاربها !! .. ولكنهم في نفس الوقت يرحبون بالاسرائيليين في ادلب ويصافحونهم .. وبعد عدة أسطر تصاب الذاكرة الاسلامية بالعطب والنسيان السريع فتقول: ان الناتو واسرائيل لم يعودوا يقبلون بوجود الأسد لأنه امتداد لأيران عدوتهم .. ويتعهد رياض الشقفة باسقاط ودق عنق حزب الله وقصم ظهر ايران ان ساعدتهم اسرائيل في الوصول للحكم في سورية..

وفي مكان آخر يصرح اسلاميون بأن الناتو كافر ويريد بالعرب والمسلمين الشر وينصب لهم المكائد والفخاخ .. ولكن بعد 18 ثانية فقط لايمانعون من التحالف مع الناتو أو حتى الشيطان ان كان ذلك يفضي الى التخلص من الأسد .. أي اذا كان الناتو يريد مساعدتهم في التخلص من الأسد فهذا وفق منطقهم ضد مصلحة العرب .. ومع هذا فهم يريدون متابعة المشروع الذي يخدم الناتو !! .. وبعد 12 ثانية أخرى يقولون لك ان تركيا قوية وهي عضو فعال في الناتو عدو العرب والمسلمين .. ولكنها ايقونة اسلامية وتعمل لصالح المسلمين !! وهذه لايفهمها حتى حذاء الطنبوري .. فكيف عضو في الناتو يعمل لصالح المسلمين الا اذا كان المقصود خدمات جهاد النكاح؟؟

ويصارحك ثورجي اسلامي آخر في حديث علني بأنه سيقاتل نظام الأسد ليحصل على الحرية وينهي استبداد الأقلية .. وفيم أنت معه على الغداء في نفس اليوم يطحن اللحم تحت أضراسه ويخلط التوابل ويتجشأ الفلفل ينسى ماذا قال على الافطار عن الثورة ويقول لك باللاشعور: هذا التخاذل في دعم الثورة المراد به تقسيم سورية بين تركيا والغرب وهو بشكل أو بآخر مؤامرة تقسيم .. ثم يسترخي ليشرب الشاي وهو يقول لك في المساء بعد أن يتصل بالائتلافيين في قطر: ان حكام الخليج فاسدون حتى النخاع وساقطون وهم لايعطونك شيئا الا لتدمير سورية لأنهم يغارون من الشعب السوري ..ثم يبعث لك بصورته يرفع علم الانتداب وشارة النصر .. من الدوحة !!!...

وفي مكان آخر تسمع من الاسلاميين مايلي: نحن ندين العنف والطائفية ونريد بناء سورية الواحدة الموحدة بكل فئاتها .. ولكن جبهة النصرة تساعدنا في تحرير البلاد بطريقتها الخاصة!! .. واذا حشرت أحدهم في الحديث تنكر وتجبر وأنكر اعترافه بشرعية جبهة النصرة المتطرفة ونبذ أعمالها المشينة .. لكنه يعتبر المناطق التي تتواجد فيها جبهة النصرة محررة !! .. أي لايعترف بجبهة النصرة وارهابها لكنه يعترف بتحريرها لبعض البؤر!! ..

وأتطلع الى أيمن الظواهري الذي كتب لنا (فرسان تحت راية النبي) من تورا بورا وقال ملايين المرات: ان ماشهدته نيويورك ماهي الا المناوشات الأولى للاشتباك بين القاعدة والغرب الصليبي الصهيوني .. فاذا بالمناوشات في نيويورك هي تدريب على غزو بلاد المسلمين واذا به ينقل المعركة الكبرى الى شوارع العراق وسورية لقتال الرافضة ونصرة المسلمين ولم يبق له في شوارع نيويورك الا الثورة السورية وقبضاياتها التي تتظاهر ليس لاخراج الأمريكان من بلاد العرب بل للدعوة الى احتلال بلاد العرب .. وتبين من درس المناوشات الأولى أن نصيب الأمريكيين والصليبيين من المناورات القاعدية ومناوشات الظواهري هي 19 انتحاريا يوم 11 أيلول .. ونصيب اسرائيل 0 لاغير .. بينما كان نصيبنا حتى هذه اللحظة 6000 عملية انتحارية على أرض العراق وسورية آخرها اغتيال الشيخ الجليل والعلامة محمد سعيد رمضان البوطي في مسجد .. فأتساءل ان كان الخلل في الاسلام أم في الاسلاميين؟؟ ..وأخشى طرح السؤال بصوت مرتفع كيلا يسمعني نبيل فياض ويضحك ضحكة مجلجلة .. ويرمي بأسئلته الحادة اللاذعة الأصفاد على معصمي وينعقد لساني بجرائم القاعدة في شوارعنا ..

أحاول النجاة من هذه المحاكمة وهؤلاء الشهود الذين خذلوني أمام نبيل فياض .. فأستنجد بالاخوان المسلمين السوريين لأن الاخوان السوريين عندما استعانت المعارضة العراقية بالجيش الامريكي لاسقاط "نظام الطاغية صدام" كما قالوا أعلنت الحركة الاخوانية السورية عن انزعاجها الشديد وادانتها للفعل الشنيع للمعارضة العراقية بالاستعانة بالاحتلال لكسر الاستبداد وتعهدت أنها لن تلجأ للاستعانة بالمحتل لقهر المستبد ..ولن تقبل بمقايضة الاستبداد بالاحتلال ..

ولكن ياسبحان الله .. عندما تشمم الاخوان السوريون رائحة الشواء .. ألقوا بالخبز والبصل والزهد .. ولحقوا الرائحة ودسم السلطة على أسياخ لحم الربيع العربي .. ثم وجدوا أن الاستعانة بالامريكي والناتو ليست كفرا .. وأن اسقاط الاستبداد يبرر الاحتلال .. وأن رغيف الحكم الذي يقطر شحما ويزخر باللحم هبة من السماء .. و (سبحان من سخّر لنا هذا وماكنا له مقرنين) .. (أي الله سخّر الغرب ليوصل المؤمنين للسلطة) .. وتحالف اخواننا مع كل رذائل العالم التي تنهش من لحم الاسلام والأوطان .. ثم كانوا في قطر بحماية قاعدة العيديد الأمريكية التي اسقطت الحكم الوطني العراقي السني .. وفي ضيافة من لم يقل لأبيه أف بل لمن أكل لحم أبيه حيا ووزعه أشلاء في المنافي .. ولكن الاسلام الاخواني يجبّ ماقبله ..!! وان الله غفور رحيم .. ورحمته واسعة وسعت كل شيء .. ولكم أن تسمعوا لزهير سالم تناقضات غريبة تجحظ لها العيون وتجف لها الحلوق .. أو لرياض الشقفة زئيره ونيته في قصم ظهر حزب الله وليس قصم ظهر حزب شاس الاسرائيلي ..

وعندما ظهر مجانين ليبيا وفتكوا بالقذافي بهمجية مشينة ستلاحقنا جميعا كأمة القرآن التي لاتصلح لها المدنية ولاتعرف معنى الثورة ونبل الثورة وأخلاق القرآن الا ككتاب دموي .. وقفت أمام نبيل فياض معتذرا لأنه لم يتردد في الاشارة الى أن المسلمين يحتاجون نبيا جديدا ليوقظهم لأنهم ينحدرون الى الهاوية والتخلف بلاعودة ..ولاشك أن اسلاميي تونس هم شيء سيضعه نبيل أمامي على الطاولة كمنتج متعفن قاتل له رائحة ايباك .. وتعرق ابط برنار هنري ليفي يمكن أن يشم في لحية الغنوشي بشكل نفاذ ..

أبحث من جديد عن نبيل فياض ليس لأنه دوما على حق .. فخلافي التراثي معه لاينقطع .. ولكن لأنه أفضل من قرأ الاسلاميين على الاطلاق .. وافضل من يعرف كهرباء عقلهم .. كهرباء ال110 فولت .. و220 فولت ..أبحث عن نبيل لأنه مفكر عربي سوري من طراز رفيع .. وكما كل الباحثين الكبار في التاريخ الذين تنبأوا بالأحداث الكبرى يجب أن ينظر اليه .. لافرق عندي بين نبيل فياض وبين ارنولد توينبي المؤرخ البريطاني الكبير الذي تنبأ بالحربين العالميتين الأولى والثانية...

أمثال نبيل فياض يمكن لهم أن يجيبونا عن الطريقة التي تم فيها تفكيك العقل العربي والعقل الاسلامي واعادة تركيبه .. ومعرفة ان كان الخلل في الثقافة الاسلامية والتراث أم فيمن ورث التراث .. أهي في الوارث أو الموروث؟؟.. ويمكنهم أن يقرؤوا العقل الاسلامي أكثر مما قرأه المحللون والمحققون الأمريكيون في غوانتانامو والذين كانت دراساتهم يتم تبادلها مع نظرائهم الاسرائيليين الذين كانوا يحققون مع اسلاميي فلسطين لتتقاطع المعارف بالعقل الاسلامي لاكتشاف الثقب الأسود في الفكر الاسلامي والعقل الاسلامي .. وهؤلاء عملوا على رصد النقطة العمياء في الفكر الاسلامي التي لاترى حتى ضوء الشمس والنقطة الصماء في الذهن الاسلامي التي لاتسمع حتى دوي الزلالزل .. لأن ماحدث مخجل لنا جميعا ومحرج لنا جميعا ويديننا جميعا .. فنحن في خلال عشر سنوات فقط حملنا على ظهورنا مشاريع الآخرين ونحن نعلم أن على ظهورنا الغيلان ..كما البهائم نحمل اسفار الآخرين ولانعرف كيف ننزلها ..

ففي عشر سنوات والجيل نفسه لايزال حيا أخذ الأمريكيون المسلمين الشيعة العراقيين معهم وأقنعوهم ان يستردوا الحكم من المستبدين السنة .. فقامت قيامة عامة السنة على عامة الشيعة .. وتذابح الطرفان حتى تعبت السكاكين من الاستحمام بالدم وحتى ملت المتفجرات من التهام أجساد العراقيين وصارت تطلب منا الرحمة بها وتستجدي غفوة من دون أن توقظها آهات العراقيين وتساقط أجسادهم وندب العراقيات الثكالى ..

ثم وفي نقلة شطرنج عبقرية وبارعة .. قرر الأمريكيون أخذ المضطهدين السنة هذه المرة لاسترداد حقهم من المستبد الشيعي وأنصاره في الهلال الشيعي المزعوم .. فشد عموم السنة الرحال نحو الحرب في بلاد الشام يدا بيد مع الأمريكان .. لمحاربة حسن نصر الله وبشار الأسد وأحمدي نجاد .. وقام سنة العراق بالاتصال بالمنقذ الأمريكي الذي أذاقهم الويل والموت الزؤام قبل بضع سنوات ليعيد لهم حقهم المسلوب في بغداد والذي استولى عليه المالكي وشيعته ..فقامت الأنبار ترقص جذلا على الطبل الأمريكي بأنغام تركية وبألحان الثورة الربيعية فيما لاتزال الفلوجة فيها تتلوى وتتحشرج أنفاسها من السلاح الكيماوي الذي جعل نساءها اما عاقرات واما لاينجبن الا المشوهين..

وهذا للأسف يدل على عيب شديد في اخلاقنا الاسلامية .. وعيب في خلقتنا الاسلامية .. وعور في عيوننا الاسلامية وحاسة الشم والذوق والسمع ..واللمس ..اسلامنا بلا حواس ..

ليس سهلا ان أعترف أنني أخطأت خطأ بهذا الحجم وهذه الشناعة .. وليس سهلا أن ألقي سلاحي مهزوما .. لأنني مؤمن بما دافعت عنه .. ومؤمن أن فياض نفسه كان يرقب مثلي بارتياح رجلا مختلفا منفتحا كالشيخ البوطي وهو نقيض الجنون الديني والسعار الاسلامي .. وكان يراقب باهتمام ظاهرة المفتي الوطني الشيخ حسون وتجربته الايمانية الجديدة .. وهو لاشك سيحترم ثورة الشيخ صلاح الدين أبو عرفة في الأقصى على هرطقات الاسلاميين الجدد .. ولاأشك أن نبيل كان قادرا على معرفة أن من الممكن فصل الدم عن التراث .. لأن كل تراث العالم مليء بالدم وليس تراثنا فقط ..

أنا مؤمن أن البحث في التراث يشبه عمل التنقيب عن الآثار .. عليه غبار كثير وردم هائل .. ولكن ليس مانجده في الآثار هو فقط المقابر والهياكل العظمية للقتلى .. بل البيوت والقصور والأعمدة الرخامية والحدائق .. ومجامر البخور وطقوس الصلاة .. ولكن نبيل فياض الغاضب يريد من التاريخ ألا يكرر أخطاءه فيبحث في الخطايا وحطام العظام والرزايا .. ويجهد كيلا تبقى السقيفة التي لاتزال تظلل عقولنا .. وكيلا يبقى الجمل يهيم على وجهه دون أن تقوده النخب الى حظيرة النسيان .. سقيفة هائلة وجمل متوحش .. سقيفة تمتد على مساحة مترامية الأطراف فوق رؤوسنا وتتمدد من طنجة الى جاكرتا .. وقد سارت معنا اربعة عشر قرنا .. سقيفة هائلة مقدسة يقف في ظلالها جمل متوحش مقدس ..

لاأستطيع مجادلة نبيل فيما كتب في التراث لأنه باحث متخصص .. وماأمضيته في قراءتي للتراث وتاريخ اللاهوت لايعدو عن بضعة كتب من مكتبته الكبيرة .. وأحتاج الى زمن طويل لتدقيق كل كلمة كتبها اذا أردت منازلته بالمنطق للاتفاق معه أو للاختلاف .. ورغم دهشتي من قدرته على صدمنا بعنف فان شجاعته في التعرض للتاريخ ومجادلته هي محط تقديري مهما بلغ غضبي منه .. اننا نحس عندما يصدمنا كما نحس عندما نقود سيارة مسرعة على طريق مفتوح وفجأة يظهر لنا جدار اسمنتي مرتفع أو حفرة هائلة .. ولانملك الا أن نهتز ونلعن من حفر هذه الحفر وبنى تلك الجدران .. والشخص الوحيد الذي له هذه القدرة الهائلة على رفع السواتر واقامة الحواجز الفكرية الطيارة والحفر العقلية هو مفكر واحد سوري اسمه نبيل فياض .. نخرج من السيارة التي تحطمت كل مرة ونحن نغلي غضبا ونلعن الفاعل لكننا عندما نترجل وننظر حولنا نجد أن بجانب الجدار أشجارا وواحة فكر وماء للوضوء الذهني .. وخارطة طريق آخر .. وسقيفة تحاول جمعنا بعد أن فرقتنا السقيفة الأولى ..

لايبدو أن نبيل من المحاربين الذين يتخلون عن دروعهم ويترجلون .. لكن نبيل الذي كان يهدم المقدس ويهشم تماثيل الأجداد كان يرى أن الحركات الأصولية صارت تحرس المقدس وتماثيله لتهوي بها على رؤوس الأحياء وتهشمها .. وكان أدرى منا أن أعناقنا هي التي ستنزف لأن الأصولية هي التي سرقت سيوف الصحابة وثوار مكة وذبحتنا بها .. واذا كان علي أن اختار بين احياء المقدس أو قتل الأحياء فانني لن اقبل بقتل الأحياء بالمقدس .. أو من أجل المقدس ..

ولاأزال أختلف في بعض المسائل التراثية مع نبيل وأتفق معه في بعضها الآخر .. لكنني لاأختلف معه في قراءته الواعية والناضجة والحصيفة للمجتمع والأحداث وقدرته الهائلة على قراءة دواخلنا .. فللرجل عين باحث وفكر متقد متوهج .. وروح ثائر اختلف معه كثيرون حتى الشهيد البوطي .. لكن لاشك أنه حظي باحترام الجميع ..وأنا ان كنت لم أرفع سيفي عليه يوما فانني الآن لاأستطيع لأن يدي مشغولتان بالتصفيق له ..

نبيل قد لاننصفه في زمننا .. لكنه اتكأ بكتفه على صخرة التاريخ الثقيلة وزحزحها فتخلخلت .. ومن يقدر على زحزحة التاريخ ليس شخصا عاديا .. وربما يكون بمثابة ابن رشد الذي غلّب العقل على النص .. الذي سندرس تجربته الثائرة والنزقة .. فهل هو ابن رشد الدمشقي؟؟ ..


كاتب المقال: نارام سرجون

المقال ورد على موقع سوريا الآن

تاريخ المقال: 28/4/2013

رابط المقال: http://www.syrianow.sy/index.php?d=53&id=5241

Who's Online

72 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home حوارات ولقاءات نبيل فياض ابن رشد الدمشقي .. يطارد جملا متوحشا وسقيفة بلا نهاية...‎بقلم: نارام سرجون‎