نبيل فياض

حوارات ولقاءات

الكاتب والباحث السوري المثير للجدل نبيل فياض مع »الراية الأسبوعية«:»بن لادن« معتدل ومنفتح وليبرالي مقارنة مع بعض الإسلاميين السوريين

أجري هذا اللقاء بتاريخ: 2/6/2006

المشروع الأمريكي لم يفشل.. وأنا أحب المحافظين الجدد وليس لدي مشكلة تجاه ما يفعلون

الظواهري دقيق وأيديولوجي والتزامه نموذجي بالفقه الإسلامي

حماس فازت في الانتخابات بموافقة إسرائيل وأمريكا وأوروبا.. وتنازلاتها بدأت

 الإخوان إذا »استلموا« سوريا سيقتلونني بدم بارد على الطريقة الطالبانية

القاعدة موجودة في سوريا و»جند الشام« حقيقة.. وهناك سوريون مهمون في منظمات إرهابية مثل علوني

قضية الرسوم مضحكة ولم أكتب عنها لأنها تافهة.. والدنماركيون ليسوا مسؤولين عنها ولم يتصوروا أنها إساءة

أعرف أحد أصحاب الرسوم وهو أندونيسي هندوسي قُتل أهله في »بالي« فامتلأ حقداً على الإسلام

أحد الشيوخ اتهمني بأنني أشد كفراً ونفاقاً من الرسام

أصدقائي الأمريكان والأوروبيون طلبوا مني الرحيل من سوريا بأسرع وقت

لو كنا في دولة تحترم نفسها لحبست »البوطي«

قطر تبث إشعاعاً ثقافياً على المنطقة واحترم وزير خارجيتها لأنه ديمقراطي ويفهم الواقع

في سوريا الآن رالي تنازلات للمتطرفين تدخل فيه المعارضة والدولة

دمشق - الراية - شادي جابر:

يعتبر الكاتب والباحث السوري »نبيل فياض« من الشخصيات الأكثر إثارة للجدل في سوريا والعالم العربي، منذ أن أعلن الطلاق الأبدي مع الأصوليين، فهو لم يضع مؤلفاً أو يطرح مترجماً أو تحدث يوماً للإعلام إلا وأثار ردود فعل عاصفة ومواقف متباينة تبدأ بالانتقـاد وتكاد لا تنتهي بالتكفير والتخوين والتهديد بالتصفية الجسدية. يكشف في حواره مع »الراية الأسبوعية« بأنه تلقى مؤخراً تهديدات بالتصفية الجسدية، وأن منشورات تهدر دمه وضعت تحت باب الصيدلية التي يملكها في أحد قرى ريف دمشق، وأن أحد رجال الدين المسلمين في سوريا وصفه بأنه أشـد كفراً ونفاقاً من أحد الرسامين الدانمركيين الذين رسموا صوراً مسيئة للنبي »صلى الله عليه وسلم«.
درس »نبيل فياض« اللاهوت والصيدلة.. يتقن الإنكليزية والألمانية والعبرية.. لديه عشرات الكتب والمؤلفات في نقد الفكر الديني بين مترجم ومؤلف منها: من الأعمال المؤلفة: »يوم انحدر الجمل من السقيفة، أم المؤمنين تأكل أولادها، رسالة في القمع، نيتشه والدين، عزرا باوند: الشاعر المرتد، مراثي اللات والعزى«... وغيرها، ويعكف حالياً على إنجاز مؤلف جديد بعنوان: »كمشة بدو. ومن الأعمال المترجمة: »حكايا الطوفان لهاينريش شباير، قصة النبي إبراهيم لهانيريش شباير، حكايا الصعود ليوسف هوروفيتس، محمد لمايكل كوك، القرآن ككتاب مقدّس لآرثر جفري، المسيح والميثولوجيا لبولتمان، رسالة عبدة الأوثان من التلمود البالي« وغيرها... »الراية الأسبوعية« التقت »نبيل فياض« وأجرت معه الحوار التالي:

تهديدات بالتصفية الجسدية

نبدأ من منشورات التهديد التي تلقيتها مؤخراً.. ما حقيقة الأمر.. ولماذا وصل حد التهديد بالقتل؟

- بدأ الموضوع في سنة »2002« حين اكتشفت بالصدفة محاولة للتخلص مني، يقوم بها طبيب ملتح مع حوالي خمسة أشخاص، وكان يمول العملية متعهد كبير يعمل مع الأمن، في الحقيقة أنا اكتشفت المسألة بالصدفة البحتة، عندما جاءوا إلى المهندس الذي كان يعمل معي في الدواء، فأخبرني بما يخططون، لأنهم عرضوا عليه العمل بنفس القصة، فذهلت من التفاصيل ودقتها، وتمكنت من الوصول إلى شخص بالدولة، فتم التحقيق بسرعة وتوقيف المجموعة كلها بفرع المنطقة في شهر أيار ـ مايو »2002«، ومورست عليّ ضغوط من أجل تقديم طلب لإخلاء سبيلهم، فذهبت إلى فرع المنطقة والتقيت رئيس الفرع آنذاك.. وأعتقد أن الدولة لا توقف أشخاصاً لزمن طويل إلا إذا كان هناك شيء خطير، فقدمت طلب لإطلاق سراحهم ووافقوا على الطلب وأطلق سراحهم، وبعد مدة عاد الإزعاج في نفس الوقت الذي ظهرت فيه الرسوم الدانمركية.

 هل ذهبت إلى الفرع بإرادتك أم تم استدعاؤك..؟

- لم أذهب بإرادتي بل هم طلبوا مني الذهاب من أجل توقيع طلب لإطلاق سراح الموقوفين وكانت أسماؤهم »عبد الجواد عرابي، محمد أحمد محسن الزير، نذير سمور، حسام خضرة«. وبعد موضوع الرسوم الدانمركية اتصلت بي »الجزيرة« من أجل التعليق على الموضوع والظهور على الشاشة، ولكن في الحقيقة كان لدي تحفظ لأسباب أمنية بأن لا أتحدث بشيء يخص الرسوم الدانمركية، بالرغم من أنني كنت أعرف أحد الرسامين الذين قاموا بذلك وهو ليس مسيحيا ولا دانمركيا، بل هو اندونيسيا من جزيرة »بالي«، وهو هندوسي وكانت جماعة القاعدة قد قتلت أهله بانفجارات »بالي«، ولديه حقد هائل على الإسلام، واسمه الأول »ديوي« ولا أريد إعطاء الاسم الكامل حتى لا أزعجه، المهم أنا كنت متحفظاً على أي لقاء أو كلام بما يخص الرسوم الدانمركية لأن الموضوع لا يعنيني، وكان هناك شيخ في المنطقة يقول أن هذا الرجل أي أنا أشد كفراً ونفاقاً من الرسام الدانمركي ثم قامت مسيرات، فاتصلت ولم يتم اتخاذ أي إجراء بحق الشيخ بريف دمشق، مع أنني حاولت اتخاذ موقف سلبي من مسألة الرسوم، وأنه ليس من صالحنا الآن إثارة الناس غرائزياً، أما الأمريكان أصدقائي، فقالوا لي أن أجمع أغراضي وأسافر والأوروبيون كان رأيهم بأن أصفي كل شيء بأسرع وقت وأسافر، والحقيقة أنه كان لدي هنا ارتباطات وعمل وليس من الممكن بهذا العمر أن أسافر وأبدأ من الصفر في أمريكا أو أوروبا.. لكن عندما يخير الشخص بين حياته وبين أي مكاسب بأي مكان فإنه سيختار حياته. في الأسبوع الماضي تم استدعاء ابن عمي لسؤاله عني وعن علاقتي بإسرائيل والأمريكان بكلام غبي.. المتطرفون والمتطرفات يسرحون ويمرحون في الشوارع كما يشاءون دون أي تدخل من الدولة.. وصلت الوقاحة بالتيار المتطرف لدرجة أن يضع لي المناشير تحت باب صيدليتي دون خوف، والدولة لا تتدخل، وعندما وجدت هذا المنشور الذي بين يديك الآن تحت باب الصيدلية اتصلت بأقرب فرع أمن، وطلبت منهم القدوم لأفاجأ بأن جميع دوريات الأمن في المنطقة قد أتت، ولم يقوموا بأي شيء على الإطلاق يعني الدولة تتدخل في حالة واحدة عندما نقتل فتبحث عن الذي قتلنا، هم يمتلكون المال والعلاقات ونحن... بقناعتي الدولة لم تقم بأي شيء على الإطلاق تاركة التيار يسرح ويمرح مثلما يريد.. وحالياً يوجد منافسة بين المعارضة السورية والدولة على استقطاب التيار الإسلامي، فالمعارضة تحاول أن تستجر الساحة السنية بأي ثمن وبأي طريقة وبالتالي نحن لدينا رالي تنازلات للطائفة السنية أو للتيار المتطرف ضمن الطائفة السنية، هذا الرالي تدخل فيه المعارضة والدولة، وهذا الرالي سيوصل البلد إلى الجحيم، هذه قناعتي الشخصية، أنا تحصيل حاصل لا أمتلك شيئاً في هذا البلد على الإطلاق، وفي أي ساعة ممكن أن أجمع أغراضي وأمشي لكن أن نبقى نعيش تحت الخطر، أو يكون رأسنا ثمناً لإرضاء التيار المتطرف لا نرضاها.

 هل تحمل أحداً مسؤولية التهديدات والإساءات التي تلقيتها في الفترة الأخيرة..؟

- التيار المتطرف الذي يأكل اليوم الأخضر واليابس.

الرسوم الدانمركية

ما هي حقيقة موقفك من الرسوم الدانمركية المسيئة للرسول الكريم »صلى الله عليه وسلم«.. وهل ترى أن الإساءة لأهم رمز من رموز الإسلام يندرج تحت بند حرية التعبير..؟

- قصة الرسوم شيء مضحك.. أنا لم أكتب شيئاً عن الموضوع لأنه موضوع تافه، ما أعرفه عن موضوع الرسوم بأنهم في الدانمرك فكروا في أن يؤلفوا كتاباً للأطفال حول الدين الإسلامي، فرسموا رسوماً للأطفال عن الدين الإسلامي واستقطبوا حوالي »12« رساماً دانمركياً من أصول مختلفة، ولكنهم عندما رأوا أن هذه الرسوم قد تتسبب بنوع من الضجة، لأن بعض المسلمين أخبروهم بأن المسلمين غير المسيحيين، ولديهم تحفظ تجاه تصوير »محمد« سواء بالكاريكاتير أو غيره، فانتزعوا الفكرة من بالهم، وأتت مجلة دانمركية وقامت بإنزال هذه الرسوم، ونحن يجب أن لا ننسى العداء الموجود والهائل للإسلام في الغرب، أما عن ردة فعل الإسلاميين، فالرسوم الأولى كانت عادية، لكني أعتقد أن ردة فعل المسلمين الهائلة يقف وراءها التيار المتطرف الذي لعب دوراً هاماً في زيادة نار الخلاف بين الشرق والغرب، جعلت الدانمركيين والهولنديين والنرويجيين والفرنسيين يتكتلون بشكل أو بآخر ويزيدون الطين بلة، فالرسوم الأولى كانت عادية، أما الرسوم الأخيرة فصارت سيئة جداً وغير مقبولة، لكن بالمقابل يجب أن لا ننسى أن في الغرب تم تناول »المسيح« في أكثر من فيلم بأسوأ مما تتصور، والآن يوجد كتاب سيىء جداً عن »المسيح« وهناك فيلم أيضاً، وليس لدى الأوروبيين مشكلة في ذلك فهم ينتقدون أي شيء »الله، والمسيح«... والأمريكان نفس الشيء لكن هناك شيء هام جداً.. عندما نطالب الأوروبيين بأن يكونوا موضوعيين بالتعاطي مع الإسلام والمسلمين والعرب فعلينا أن نكون نحن أيضاً موضوعيين بالتعامل مع الأوروبيين واليهود والمسيحيين وغيرهم.. فأنا لم أرَ رسوماً كاريكاتورية من العرب لليهود إلا بغاية السوء والإسفاف.

 ولكن أحداً من المسلمين لم يتناول بسوء شخص »المسيح« أو »موسى« عليهما السلام..؟

- نعم لأن له طابع قدسي في الديانة الإسلامية، لو لم يكن له طابع قدسي لكانوا تناولوه بشكل أوسخ من تناول الدانمركيين لشخص »محمد«، أنا يهمني الشخص الذي يعيش معي أكثر من غير الموجود. أنا أعطيك مثالاً.. كتاب »العقيدة الإسلامية والفقه المعاصر« للدكتور »البوطي« في كلية الشريعة.. لو كنا في دولة تحترم ذاتها بالحد الأدنى لوضعته في الحبس. حتى لا يقال إننا »نتصيّد« الأخطاء، سأتوقف الآن عند شواهد مأخوذة من هذا الكتاب طبعة عام 1988 ـ 1989. يقول هذا الكتاب عن المسيحيين: »أمّا في بلاد الشام وما وراءها، حيث امتدّت إليها سلطة الإمبراطورية الرومانيّة، فقد تمثّلت أهم النزعات الفكريّة والمذهبيّة فيها، بذلك المزيج الذي ابتدعه أباطرة الرومان بدءاً من عهد بولس، والذين كان مركّباً من الوثنيّة القديمة التي عرف بها الرومان والنصرانيّة التي كان أصلها الإسلام الحقّ الذي بعث به سيّدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، ثم تشعّبت من جراء الابتداعات التي أقحمت فيها إلى فروع ومذاهب شتّى، كالغنوصيّة والصابئة والركوسيّة«. »العقائد الكنسيّة لا تكاد تتفق في أي من جزئياتها وبنودها مع أصول المنطق وموازين العلم، بينما العقائد الإسلاميّة تأبى على المسلم أن يقيم وجودها في فكره إلا على بصيرة العلم والمنطق«. »نظام الكنيسة أعلن حرباً لا هوادة فيها على العلم وأتباع سبيله، قضى في سبيلها على آلاف العلماء والباحثين، وجعل من البحث العلمي جريمة أخطر من جريمة الإلحاد بالله عزّ وجلّ، بينما يقضي نظام الإسلام بإعطاء الريادة في المجتمع للعلم وأهله، ويجعل من البحث العلمي أقدس عبادة يتقرّب بها المتعلّم إلى الله إن حسنت في ذلك نيّته وحسن قصده«. عن الشيعة عموماً يقول الكتاب: »على أن هذا الذي بدأ بدافع ديني كما أقول، لم يلبث أن غدا فيما بعد، ذريعة لكلّ ذي مطمح سياسي، أو نزعة إلحاديّة، أو هوى جانح عن سبيل الحق. فغدت هذه الفرق بذلك مطايا لأصحاب الأغراض وأولي الانحرافات على اختلافها. وأنت تعلم أنّ دعاة السوء والزيغ، لا يستطيعون أن يتسلّلوا إلى المجتمع الإسلامي المتماسك، إلاّ من نوافذ هذه الفرق وأمثالها إذ يتمادى بها الجدل والصراع، فتنحرف عن الجادّة ربما دون أن تنتبه إلى أنها انحرفت عنها. فتتفتح من ذلك ثغرة. وما هو إلاّ أن ينحطّ فيها ويتسلّل إليها المتربّصون، من أولي الزيغ، تجّار الزندقة والضلال«. »ومن الجلّي أنه لا دخل للعلم في نشأة الخوارج والشيعة، بل ولّدتهما العاطفة السياسيّة، ثم اندسّ فيهما خصوم الدين من الزنادقة، فتطوّرتا أطواراً شائنة«. عن البهائيين يقول: »وإنما تقوم ديانتهم وأفكارهم الخرافيّة الكافرة على التفسيرات والاستنباطات الباطنيّة والإشارية التي لا تعتمد على منطق ولا لغة ولا مقياس من مقاييس النظر والعلم«. عن الأحمديين، يقول: »ولم يزل على حاله (غلام أحمد القادياني، مؤسّس الطائفة الأحمديّة) تلك ويكذب على الله وأنبيائه، ويضع نفسه للناس موضع عيسى بن مريم عليه السلام، إلى أن رماه قضاء الله تعالى بالهيضة (داء الكوليرا) ومات في بيت الخلاء ساقطاً على وجهه، فكان موته عبرة لأولي الأبصار«. عن الفلسفة الوجوديّة، يقول الكتاب مختصراً هذه الفلسفة الهامة على النحو التالي: »ولكن من البلاء الأطم أنهم يصنّفون أنفسهم مع فلاسفة، ويخاطبوننا على هذا الأساس، ويريدوننا أن نفهمهم على هذا الاعتبار. وها نحن قد حاولنا فهمهم على هذا الاعتبار، فما رأينا إلاّ كلاماً متهافتاً وأحلاماً تستعصي على الواقع وألفاظاً تطلق على مدلولات لم يقل بها فلاسفة ولا علماء ولا مناطقة من قبل«. ويقال عن الفيلسوف الوجودي الفرنسي، جان بول سارتر: »إن نظرة سطحيّة واحدة إلى مظهره.. تدلّ على أنّ الرجل منغمس في نقيض هذا المبدأ الذي يعلن عنه ويدعو إليه«. أمّا المفكر الوجودي المصري، عبد الرحمن بدوي، فيقول الكتاب عنه: »الذيل التابع لهم«، أي للوجوديين الغربيين. وهكذا، يخلص إلى القول إن الوجوديّة »فلسفة عجيبة مضحكة«. عن الماركسيّة، يقول ما يلي: « لن نهدف من هذا النقد، إلى الحديث عن القيمة العلميّة لفلسفة »الجدليّة = الدياليكتيك« خلال أطوارها المختلفة. ذلك لأنها بدءاً من عهد هيراقليط إلى أن استقرّت بطورها المثالي عند هيجل، قد تحوّلت إلى مجرّد متكأ أقيمت عليه الفلسفة الماديّة الماركسيّة، التي أخذت تشغل بال كثير من السطحيين أو من دعاة المصالح والأغراض«. عن العلمانيّة، المشتقة من العالم، لا العلم، يقال: »أصل هذه الكلمة نسبة على غير بابها إلى العلم«. وعن العلمانيين، يقال: »ونظراً إلى أن مجتمعاتنا الإسلاميّة لا تخلو في كلّ وقت من مجاذيب أوروبا وعشّاقها، أولئك الأغبياء الذين ينقادون بزمام من البلاهة والذل إلى إتباع أوروبا في كلّ شؤونها وتصرفاتها، فقد ظهر في هذه المجتمعات من يدعو إلى إقامة أنظمة الحكم في مجتمعاتنا الإسلاميّة على أساس تلك العلمانيّة التي التجأت إليها أوروبا تخلّصاً من مصائبها وآلامها«. مما سبق، وغيره لا يحصى، نتلمس بسهولة أزمة الإسلام في مواجهة الآخر الذي يتصدّى للإسلام بسلاح الإسلام عينه. لا حل أمام المسلمين: إما أن يغيّروا خطابهم وطريقة تعاملهم مع الآخر، أو أنهم سيواجهون حرباً ثقافيّة لا نهاية لها من كافة أرجاء العالم غير الإسلامي. والبادئ أظلم.. بقي أن نتساءل: ماذا كان مصير العالم لو أن دولة متطرفة إسلاميّة وصلت إلى السلاح النووي أو إلى قوّة الولايات المتحدة يوماً؟

 كان واضحاً أن المقصود من الرسوم استهداف رمز المسلمين بشخص نبيهم، وقد رأيت شخصياً الرسوم وكانت مسيئة بشكل فظيع للرسول وللدين الإسلامي والمسلمين ككل.. كيف ترى ذلك؟

- أنا لن أتكلم عن الرسوم لأنها لا تعنيني كما ذكرت، ثانياً الرسوم الأولى كانت عادية أما الرسوم الأخيرة فكانت سيئة وبذيئة.. ولكن لا يمكنك أن تطلب من رسام هندوسي قتلت أسرته من قبل القاعدة في »بالي« أن يكون حيادياً في التعاطي مع الإسلام، أما الشعب الدانمركي فهو شعب طيب ومنفتح وبسيط، وفي قناعتي هم لم يتصوروا هذا الشيء كإساءة وليسوا مسؤولين عنه.. ثم أن الدولة ليست مسؤولة عنه أيضاً، المسؤول هو الصحيفة.. حتى الآن نحن لا نستوعب أن الصحافة في الغرب ليس لها علاقة بالدولة ولا بالشعب، الصحف عبارة عن مؤسسات مستقلة يديرها أفراد يعدون على الأصابع فلا تتصور أن هذه الصحف مثل الصحف السورية تتبع للدولة أو تمول من قبل الدولة أبداً أبداً.. فردة الفعل الإسلامية على الغرب جعلت الغرب بذيئاً أكثر بالتعاطي مع موضوع الرسوم، فالقضية هي ردات فعل غرائزية من الطرفين أدت لحصول ما حصل.. كان يجب تلافي التصعيد من البداية وعدم إعطاء الموضوع كل هذا الحجم.. أعطيك مثالاً أبسط.. في موضوع كتاب »آيات شيطانية«.. »الخميني« تكلم عن »سلمان رشدي« وكفره وأطلق فتوى بهدر دمه وخصص جائزة مالية لمن يقوم بقتله، أي أن »الخميني« هو من صنع الدعاية لـ»سلمان رشدي«.. لدي كتاب لشخص انكليزي اسمه »مايكل موركك« كتاب بعنوان »هو ذا الرجل« هذا الكتاب يتكلم عن شخص اسمه »كارل« ركب آلة الزمان ورجع إلى »الناصرة« بزمن »المسيح«، ووجد هناك سيدة اسمها »مريم« بالدير.. وكان يوجد قواد فيه اسمه »يوسف النجار«، وهناك مجنون يعتقد أنه هو »المسيح« المنتظر لليهود واسمه »يسوع« ويقوم بخدمة العاهرات، أنا لا أعتقد أن هناك أسوأ من ذلك الكتاب لكنه مات بأرضه، لسبب بسيط أن الكنيسة في »لندن« لم ترد ولم تتدخل في الأمر، هناك ديمقراطية.. هذا رأيه فتركوه بينما لو قامت الكنيسة بأي ردة فعل على »مايكل موركك« لكان اليوم من أشهر كتاب العالم مع أن الكتاب نشر وأنا لدي نسخة منه، في قناعتي لو أن ما حدث في موضوع الرسوم الدانمركية لم يحدث لماتت بأرضها لأنها باللغة الدانمركية ولا أحد يجيدها ولا يهتم بتعلمها.

بين المشروع الأمريكي والإسلامي

أين يجد »نبيل فياض« اليوم نفسه بعد تعاظم دور التيار الإسلامي في سوريا والمنطقة العربية، وتعثر ـ إن لم نقل فشل ـ المشروع الأمريكي في العراق، ونشر الديمقراطية في الشرق الأوسط..؟

- أولاً المشروع الأمريكي مازال في البداية.. وأعتقد أن العراق بدأ بالتعافي، أنا لدي مآخذ على المشروع الأمريكي، وأتمنى أن يكون النمط العراقي على النمط الأمريكي، وألا يكون نمطاً طائفياً.. تقسيمات أثنية وطائفية، هذا شيء مرفوض، لأنه لا يوحي بالديمقراطية وبأن الشعب مؤهل ليكون شعباً ديمقراطياً، والمشروع الأمريكي ما زال مستمراً.

 لكن الوضع في العراق يزداد سوءاً.. والانتخابات الأمريكية ستجري السنة القادمة، قد تأتي إدارة ديمقراطية لتقرر سحب الجيش الأمريكي من العراق والتراجع عن المشروع الأمريكي في المنطقة، سيما أن شعبية »بوش« قد وصلت إلى أدنى مستوياتها، وهذا ما لم يحصل ربما لأي رئيس في تاريخ أمريكا.. أليست هذه مؤشرات قائمة؟

- أنا لا أدافع عن بوش.. لكني أحب المحافظين الجدد، وقد التقيت الكثير من أهم رموزهم، وكان هناك نقاشات مطولة بيننا، وأعرف أنهم يؤمنون بالمشروع الديمقراطي للمنطقة.. لكن أنا كشخص تهمني الديمقراطية في المنطقة، يهمني أن نتخلص من كافة أشكال التطرف.. نعم أنا أعتقد أن المحافظين الجدد لديهم مشروع هام للمنطقة وأرى أنهم أمام حلين: إما أن يغزوا المتطرفين أو يغزوهم المتطرفون في قلب أمريكا.. وقد اختاروا أن يغزوا المتطرفين بعقر دارهم واختاروا »العراق« و »أفغانستان«، ووضعوا قدم في كل منهما وبدأوا العمل، وأعتقد أن التغييرات الحاصلة في »السعودية« رغم أنها بطيئة هي تغييرات مهمة، والتغييرات التي حصلت في الشرق الأوسط بعد عملية تحرير »العراق« قياساً بالزمن الماضي تغييرات غير عادية سواء في »الكويت« أو في »السعودية«.. لأول مرة المرأة في »السعودية« تحضر مؤتمرات، هناك تغيير في البنية الفكرية للمجتمع السعودي، وهو مجتمع يصدر الإرهاب لكل أنحاء العالم، أنا أعرف كيف يعمل الأمريكان، عندما نغير البنية الفكرية للمجتمع فنحن نغلق حنفيات أو صنابير الإرهاب. في رأيي حتى الآن لم يفشل المشروع الأمريكي. نحن نروج بإعلامنا الرسمي بأن المشروع قد فشل، هذا موضوع آخر.. والدليل أن هناك انتخابات في »العراق«، بالتأكيد هناك عقبات هائلة، بقايا نظام »صدام حسين« والقاعدة الموجودة هناك، والتي تقاوم المشروع الديمقراطي الأمريكي، لكن في النهاية سوف تنتصر الديمقراطية بالمنطقة لأن الناس لديها توق إلى الحرية.. نحن لا نقدر قيمة أن يحصل تغيير خلال خمس سنوات، كان من الممكن أن نبقى مئات السنين حتى نصل إلى هذه التغيرات، فالمشروع ما زال بحاجة لبعض الأعمال.. وحتى لو ذهب »بوش« المشروع ماشي.. فأمريكا مؤسسة وليست رؤساء، حتى لو أتى أي كان من بعد »بوش«، وأعتقد أنه »ديك تشيني« أو أحد المحافظين الجدد فالمشروع ماشـي.

 ماذا لو فاز الديمقراطيون في الانتخابات المقبلة..؟

- لدي كتاب هام لـ»ديفيد هيربيت«، وهو أمريكي.. عن »الحلف غير المقدس« يبين أنه ليس لدينا منظور دقيق لما يحدث في أمريكا وفي العالم حالياً، ويقول تماماً.. ـ وهذا الكلام أخذته من أحد أهم المحافظين الجدد في أمريكا »ديفيد ولمزر« ـ قال لي: أن لديهم اليوم مصلحة إستراتيجية بوجود الديمقراطية في الشرق الأوسط.. قديماً كانت مصلحتهم بأن تكون منطقة الشرق الأوسط منطقة سكونية تحكمها أنظمة توتاليتارية على الطريقة السعودية، وأن يكون فيها سكونية هائلة بلا أي حراك في المجتمع.. كانوا يعتقدون أن هذا سيؤمن لهم النفط، لكنهم اكتشفوا أن هذه السكونية خلقت حركات متطرفة على هامش المجتمع هددت الاستقرار العالمي، أما الآن فقناعتهم أنهم إذا أوجدوا بعض الديمقراطية والحريات في المنطقة فإنها كفيلة وحدها بالقضاء على الحركات المتطرفة، وما يهدد العالم حالياً.. فهذا الكتاب يقول أنه إذا لم تأتِ أمريكا وتضرب الحركات المتطرفة في أرضها فان الحركات المتطرفة ستذهب عندهم وتضربهم كما حدث في »11 سبتمبر«، إذاً حتى لا تأتي الحركات المتطرفة وتغزونا في »واشنطن ونيويورك وشيكاغو«، نحن سوف نرسل جيشنا وننهي هذه الحركات المتطرفة وبقناعتهم يوجد جهتان للعمل، الحقل المعرفي، يعني تغيير البنية المعرفية للمنطقة، والحقل العسكري لحماية الحقل المعرفي.

حماس في أزمة

 ردة الفعل كانت سلبية على فوز »حماس« في الانتخابات التشريعية الفلسطينية سواء من الولايات المتحدة أو من دول أوروبية أخرى.. أنت تدافع عن أمريكا التي تنادي بالديمقراطية وعند قدومها ترفضها وتضع شروطاً لها.. أليس هذا سـلوكاً دكتاتورياً بشكل أو بآخر..؟

- أولاً في رأيي »حماس« فازت بموافقة إسرائيل وأمريكا وأوروبا أيضاً.. يعني لو لم تكن تريدها أن تفوز لما فازت، و»حماس« فازت لسبب بسيط.. مثلما قالت »عائشة« عن »علي بن أبي طالب»: »إذا تأخر نحر، وإذا تقدم عقر«.. »حماس« اليوم أمام حلين.. إما أن تعترف بإسرائيل وتخسر الشارع الفلسطيني بعد فوزها طبعاً.. فقد وضعوها بوجه المدفع، والشعب هو من جعلها تفوز، وهي قامت على شعارات غير قادرة على تطبيقها مثل البعثيين تماماً. والحل الآخر أن ترفض الاعتراف بإسرائيل وتخسر الخارج كله.. وهي الآن في ورطة ولديها لغة ثنائية فلغة »خالد مشعل« في سوريا غير لغة »إسماعيل هنية« بالداخل، فعندما يصرح »مشعل« بشيء ينفيه أو يكذبه »هنية«، وبالتالي هم في ورطة غير عادية سوف تؤدي إلى انخفاض شعبيتهم بسبب الوضع الاقتصادي المزري، أنا أستغرب أو لا أفهم »حماس«.. هي لا تريد الاعتراف بإسرائيل بينما الكهرباء والبنزين والماء والطعام كله من إسرائيل، يوجد تداخل عضوي بين إسرائيل والفلسطينيين، وبالتالي »فلسطين« لا تريد »إسرائيل« ونفس الوقت تريد منها الماء والكهرباء والطعام، كانوا يتكلمون عن دولة فلسطينية من البحر إلى النهر.. الآن يتكلمون عن حدود »67».. وقد يتكلمون غداً عن »مايو ـ 2006».. أنا أطرح شعاراً أكبر مني بكثير.. في قناعتي »حماس« كانت متوقعة أن تظهر كمعارضة قوية جداً، بالبرلمان الفلسطيني وقامت بطرح هذه الشعارات القوية لتكسب الشعب دون تحمل أي مسؤولية، فجأة أتى الأمريكان وطلبوا منهم أن يتحملوا المسؤولية ففشلوا، والأمريكان الآن يقومون بأمر بسيط وهو أنهم أتوا بـ»حماس« وسلموهم الحكم ثم فشلوهم.

ولكن أليس من المبكر القول بأن »حماس« قد فشلت..؟ ألا تحظى بدعم وتأييد كبير في الشارع العربي والإسلامي؟ أليس هناك تبرعات مالية لا بأس بها؟ قبل أيام عقد في الدوحة مؤتمر خاص لدعم الفلسطينيين.. علماء المسلمين قدموا لحماس دعما معنويا وماديا.. ألا يعتبر كل هذا كافياً لإنجاح حماس؟

- أتمنى ذلك.. ولكن ما نراه الآن هو تنازلات قد بدأت من »حماس« لها أول وليس لها آخر، مثلما ذكرت كانوا يطرحون فلسطين من البحر إلى النهر، الآن يطرحوا فلسطين بحدود »67« الخطاب النفاقي لـ»خالد مشعل«.. التهويشي في دمشق غير خطاب »إسماعيل هنية« في الداخل.

بما أنك قريب من الأمريكان.. وتحب المحافظين الجدد كما ذكرت.. فهل لك أن تفسر لنا لماذا تتشدق أمريكا بالديمقراطية ثم عندما تأتي ترفضها وتحاول القضاء عليها بشتى الوسائل؟

- أولاً لا يحق لي الدفاع عن الأمريكان لأن لديهم الملايين ليدافعوا عنهم، لكن بما أنني محسوب عليهم، وليس لدي مشكلة تجاه ما يفعلون، أقول لك أن الديمقراطية لا تعني ديمقراطية القتل.. »حماس« تقوم بعمليات بين المدنيين.. هي تنظيم مصنف بأنه إرهابي عند معظم شعوب العالم بسبب القتل، ثانياً: أنت تهددني وتشتمني وتدعوا لقتلي ثم إذا منعت عنك المساعدات أكون أنا ضدك.. لا أنا أعطيك مساعدات عندما تلبي شروطي، أمريكا لم تبعث قوات لتهاجم غزة ولا قامت بأي شيء تجاه »حماس«، لكنها قالت لهم أنها تقدم لهم مساعدات ضمن شروط.. لا يوجد ولا دولة في العالم تقدم مساعدات إلا ضمن شروط واستراتيجية الدولة.. فأنا أعطي »حماس« مساعدات ضمن شروطي، وعندما ترفض »حماس« شروطي سأمنع عنها المساعدات.. وهذا لا يعني أبداً أنني ضد الديمقراطية.. من حق الشعب الفلسطيني أن يختار ومن حقه أن يدفع ثمن خياره.

القبول بالآخر

 أين تكمن مشكلة نبيل فياض؟ هل هي مع ما يسمى بالتيار السلفي أو المتطرف أم مع الفكر الإسلامي والثقافة الدينية عموماً..؟

- ليس لدي مشكلة مع الفكر الإسلامي فالثقافة الإسلامية هي جزء من الهوية السورية المكونة من عدة ثقافات منها الإسلامية والمسيحية والوثنية العلمانية، كلها تدخل ضمن الهوية السورية، وأنا ليس لدي مشكلة مع الثقافة الإسلامية كثقافة، ولدي الكثير من الأصدقاء المسلمين والملتزمين جداً، لكن لدي مشكلة مع التيار المتطرف الذي يرفض الآخر، وليس لدي مشكلة مع الإسلام، بل على العكس.. قد يكون أقرب الناس لي من المسلمين الملتزمين ولكن ليس لديهم رفض للآخر.. يوجد مجموعة مسلمة تماماً من التيار الصوفي، وأتعامل معهم ونلتقي ونتحاور، ولكن هذا التيار منفتح ويقبل الآخر. أنا عندي مشكلة مع القاعدة وأشكالها، فهم جماعة تكفيرية وأنا ليس لدي مشكلة مع مطلق بشر.. إذا قبلت بي أقبل بك، ولكن لدي مشكلة مع الذي يدعون لقتل الآخر من أجل كبح فكره.. إضافة إلى ذلك، في الإسلام لدينا مذاهب كثيرة ومدارس وتيارات، ولا يحق لأي جهة أن تحتكر الإسلام وتقول أن هذا هو الإسلام، هذا لا يجوز. أنا أريد أن أسأل سؤالاً مهماً: هل هذا التيار المتطرف يقبل بالمسلم الآخر بمعنى إذا كان سنياً من مدارس أخرى..؟ سأعطيك مثالاً بسيطاً.. منذ مدة كان هناك احتفال بالمولد النبوي في إحدى مناطق الشام، وحدث هناك صراع بين الصوفيين والسلفيين، يعني السلفيون كفروا الصوفيين لأنهم يحتفلون بالمولد النبوي، فهؤلاء حتى لا يقبلون الناس الذين يقولون بملء أفواههم أنهم مسلمون ملتزمون، فكيف سيقبلون بشخص يقول أنه علماني أو مسيحي؟!. وعندما تقوم دولة كسوريا لديها العديد من التيارات والثقافات بدعم أحد هذه التيارات فإنها لا تحسب حساب لسنين قادمة إذا ما تسرطن هذا التيار في البلد.

 هناك فرق كبير بين التيارات الإسلامية المعتدلة كتلك الموجودة في سوريا، وبين فكر القاعدة المتطرف.. فأين المشكلة إذاً؟ ولماذا الخوف من الإسلاميين المعتدلين؟

- أنا أتحدى.. إذا ذهبت إلى قرى »حماه« و »حلب« وبعض مناطق ريف دمشق، فـيمكن أن تعتبر »بن لادن« معتدلاً بالمقارنة معهم.. أنا ذهبت إلى الكثير من قرى »حماه«، ولا أريد ذكر أسماء.. لكن في الحقيقة »بن لادن« منفتح وليبرالي مقارنة بهم، وكذلك الأمر في »ريف دمشق«.. فيجب أن لا نكذب على أنفسنا، هناك تيار قاعدي يعمل في سوريا، »جند الشام« مثلاً.. أنا لا أعتقد أنهم أتوا من »كوالالمبور«، وهم موجودون بالفعل ليس كما تقول المعارضة بأن الدول كاذبة وتريد أن تستجدي الإسلاميين، وأن »جند الشام« عبارة عن ظاهرة إعلامية تقوم بها الدولة، ولكنهم موجودون في الحقيقة.. في مخيم »عين الحلوة« موجودون ومنظرهم مخيف، أنا دخلت قبل سبع سنين لمخيم »عين الحلوة«، مع اثنين من »هولندا«.. لم ندر كيف خرجنا من هناك.. كنا خائفين من الموت.. »جند الشام« أحد إفرازات المجتمع السوري العظيم، والآن نرى أسماء شخصيات مهمة من سوريا في المنظمات الإرهابية: »تيسير علوني« سوري وتدافع عنه »الجزيرة«، ولا أعتقد أن القضاء الإسباني الشريف والنزيه كان ليدين »تيسير علوني« لو لم يكن مداناً حتى قمة رأسـه، فهناك أسماء كثيرة في »إسبانيا« و »بلجيكا«، والذين يعملون حالياً بكويتا وأفغانستان، فيهم الكثير من القياديين السوريين.

 يعتبر البعض أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحالف بشكل أو بآخر مع بعض المتطرفين الإسلاميين لتستفيد منهم وتوظفهم في خدمة استراتيجياتها ومصالحها.. ما رأيك؟

- على الإطلاق.. قد تستفيد من غبائهم وأخطائهم نعم، ولكنها لا تتحالف معهم أبداً.

 فلماذا دعمتهم الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الفائت.. ضد السوفييت في أفغانستان كما بات معروفاً؟

- نعم لأنها كانت إدارة غبية، وكانت النقود سعودية والتدريب باكستاني بإشراف الـ»سي آي أي« الأمريكية، وأعتقد أن ذلك كان نوعاً من الغباء لأنهم اعتقدوا أنهم إذا دعموهم في أفغانستان أسقطوا النظام الذي كان قائماً بدعم سوفييتي، وهذا ما حدث بالفعل فقد بدأ بأفغانستان سقوط الإمبراطورية السوفيتية، في الحقيقة هم أتوا بشيطان وربوه لكي يقضي على شيطان آخر لكن الشيطان الثاني كان أكبر.

القاعدة هي التمثيل الأفضل

 البعض يصنف »حماس« والأخوان المسلمين كحركات إسلامية معتدلة قياساً بالقاعدة.. واليوم نجد أن القاعدة نفسها وعلى لسان »الظواهري« تنتقد »حماس«.. كيف تنظر إلى ذلك الاختلاف؟ وإلى أين يمكن أن يؤدي في رأيك؟

- لا تنس أن المرجعية الثقافية لكل من »بن لادن، والظواهري« غير المرجعية الثقافية لحماس، فحماس إخوان مسلمين أما »بن لادن، والظواهري« فهما بالنهاية إفراز لحركة التيار السلفي السعودي، أو للهامش المتطرف للتيار السلفي في السعودية، وبالتالي هناك نوع من التناقض المعرفي بين حماس والظواهري.
المشكلة أين..؟ »حماس« تُعتبر تنظيما متطرفا إسلاميا، و»بن لادن« أخطر تنظيم تطرف إسلامي، ورغم ذلك »حماس« و »القاعدة« لا تتفقان ولا يعترف كل منهما بالآخر، فكل منهما يتكلم بعدائية عن الآخر.. وأعتقد أن حماس ستفقد شعبيتها شيئاً فشيئاً، حتى لدى الإسلاميين العاديين.. لأنها ستضطر لتقديم تنازلات. أما »الظواهري« فهو شخص دقيق وإيديولوجي، ولن تجد نموذجاً لشخص ملتزم بالفقه الإسلامي في دقته.. وبالتالي سيكون »بن لادن« و »الظواهري« الأفضل.. أما »طالبان« فهي التمثيل الدقيق الحرفي للفقه الأصولي، وأتذكر أنني عندما كنت في »قطر« ذهب »يوسف القرضاوي« إلى أفغانستان حتى يقنع »طالبان« بعدم تفجير تماثيل »بوذا«، وسألوني حينها عن ذلك فقلت لهم مهمته مستحيلة، فهم أدق منه فقهياً وسوف يقنعوه بأن تفجير التماثيل عمل إسلامي، وهذا ما حصل.. أقاموا الحجة عليه ورجع مثلما ذهب. أنا أرى أن المنطقة أصبح فيها تعددية وخاصة الثقافية منها، وإذا بقيت تسير مع هذا التيار المتطرف سوف تصل إلى أبواب مغلقة.

 ولكن الإسلاميين من أمثال حماس في فلسطين، والإخوان المسلمون في مصر، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، دخلوا اللعبة الديمقراطية وقبلوا بنتائجها.. كما أقروا بمبدأ تداول السلطة.. فلماذا لا تقبل بهم إذاً..؟

- هذا الكلام للتسويق.. سأعطيك مثالاً: مقالة كتبتها حول موقف الإخوان المسلمين من الطائفة العلوية على الانترنت، يعني دعوة قتل وسبي نساء.. أنا غير معني بالكلام الذي يقال للتسويق، ما يهمني هو ما يؤمنون به فعلاً، النظام يمكن أن يحبسنا ولكنه لا يقتلنا.. فأنا اصطدمت مع »خدام« منذ سنتين وسجنوني شهرا، ولكن لم يقتلوني، لأن ليس لديهم مبرر عقائدي لقتلي، لكن إذا استلموا سوريا لا سمح الله سيقتلونني بكل دم بارد على الطريقة الطالبانية، لأن لديهم مبررات عقائدية لقتلي. وأتذكر مرة كنت في منزل »فريد الغادري« واتصل به »البيانوني« طالباً أن يقيم له علاقات مع الإدارة الأمريكية، فأجابه »الغادري« أنه ليس لديه مشكلة بأن يفتح له خط مع التيار الذي يريد، وطبعاً »فريد« نفى أن يكون على معرفة بأي شخص إسرائيلي أو بالإدارة الأمريكية، وأنا لدي صور لـ»فريد« بسهرات وجلسات مع رئيس حزب إسرائيلي، الصديق الأقرب إلى »فريد« لديه علاقات مع »شارون« ومع مجموعة الصقور اليميني الإسرائيلي وهو حر، فقال »فريد« للبيانوني أنه مستعد لفتح خط له مع الإدارة الأمريكية إذا وافق على أن تقوم دولة علمانية بسوريا، وطلب تعهدات خطية فقال له »البيانوني« »سأعطيك تعهدات شفهية« فرفض فريد ذلك ورفض البيانوني أن يكتب تعهدات خطية بإقامة دولة علمانية بسوريا.

 ولكن حتى الإخوان المسلمين اليوم بسوريا.. المراقب العام البيانوني يعلن أنه يقبل باللعبة الديمقراطية.. هو يقول ذلك في البيانات التي يصدرها وفي الندوات والمؤتمرات..؟

- كان هناك لقاء بيني وبين »البيانوني« منذ فترة على قناة العربية عبر الهاتف.. وأعتقد أنه لو كان »البيانوني« أخلاقياً لما كان اتهم الآخر بأخلاقه، أنا أطرح أفكاري.. لماذا يتهمني بأخلاقي ويتهمني بعمالتي لجهات أنا أصلاً لدي نقد هائل منها، وهي الدولة السورية. أنا دفعت ثمناً غالياً عندما فقدت الوعي ما بين »30/9 ـ 13/10/2004« بسبب »عبد الحليم خدام« ليس لأنه لدي مشكلة معه، بل لأنني كنت أدافع عن الشعب السوري ضد فساد »عبد الحليم خدام« الذي يضع حالياً يده بيد »البيانوني« نفسه، أنا لا أفهم ألاعيبهم، وبالتالي على قدر ما لدي من معارضة للدولة لدي معارضة للمعارضة التي تستجدي الشارع الإسلامي بأي ثمن وتزيد الشرخ الطائفي بسوريا عبر استجداء الشارع السني، وسوريا يوجد فيها مجموعة أقليات أكبرها الأقلية السنية، وليس فيها غالبية عظمى أبداً، فنحن لسنا السعودية ولا الجزائر، سوريا مجموعة أقليات وما يحصل حالياً هو »رالي« للاستيلاء على السـنة السوريين، بين الدولة السورية والمعارضة، وهذا خلق حالة »غيتويات« ضمن الأقليات الأخرى، فيجب أن نضع يدنا على الجرح.. ما يحصل في سوريا هو تفتيت طائفي مدروس لبنية التعددية السورية.

 من يقف وراء هذا التفتيت في نظرك..؟

- الدولة والإخوان المسلمين والمعارضة التي تستجدي الطائفة السنية بأي ثمن.. الدولة مضطرة لمسايرة بعض الرموز المتعصبة، والإخوان المسلمين يهمهم أن يأتوا على بساط ديني، والمعارضة السورية أيضاً لأنها تعرف أن الطائفة التي يمكن أن تلعب في ميدانها أكثر من غيرها هي الطائفة السنية، فبالتالي تقدم تنازلات هائلة مثل »إعلان دمشق« والفقرة المتعلقة بدين الدولة وعقيدتها.. كل ذلك سيكون له تأثير كارثي على مستقبل سوريا.

المعارضة السورية

 كيف تنظر إلى اعتقال السلطات للكاتب المعارض »ميشيل كيلو«.. وهل توجد علاقة بين التوقيع على ما سمي »إعلان دمشق ـ بيروت .. إعلان بيروت ـ دمشق« وبين اعتقاله؟

- أولاً: اعتقال الأستاذ »ميشيل كيلو« خطأ فاحش من منظور ليبرالي ديمقراطي.. نحن ضد احتجاز أي شخص بسبب آرائه السياسية.. مع ذلك، أنا شخصياً لا أعرف »ميشيل« إلا عبر التليفون، كنت أريد أن أصالحه مع صديقي »أكثم نعيسة«، وأن نكتب ميثاق شرف مثقفين، فرفض.
أنا من ناحيتي أرفض التعاطي مع كل أمراء الحرب في لبنان، من حزب الله إلى حراس الأرز، يعني يمكن أن نسامح البني آدم إذا سرق إذا نصب.. إذا فعل أي شيء غير القتل، وفي لبنان كل هؤلاء قتلة.. أنا لا أفهم التنسيق مع أي طرف لبناني وأنا أدعي حقوق الإنسان وأرى أيديه قرمزية اللون.. ما أريد قوله أن الخطاب الغرائزي العنصري اللبناني لم يتغير. أنا لم أكن يوماً قومياً، لكن عندما سمعت »سمير جعجع« يقول »العدو من ورائكم«، ويعني الشعب السوري، شعرت أنني مستهدف بالإساءة، بل شعرت بالأسف على الأيام اللي قضيتها في لبنان لتوعية الناس ضد ثقافة الكراهية.. ثم هل »ميشيل« بحاجة إلى وثيقة حسن سلوك من »البيانوني« لأن اسمه »ميشيل«؟ لا أعرف.. »ميشيل« أكبر من »البيانوني« ومن أفسد رجل في تاريخ سوريا »عبدا الحليم خدام«.. فهل يعقل أن يتمسح بهما هذا الباحث اللا طائفي الهام؟ عندما اعتقلني »خدام« عام »2004«، طلب »ميشيل« من صديقي الرائع »أُبيّ حسن« أن يرفض طلب إحدى الجهات الأمنية بأن يكتب أُبيّ مشوهاً بي.. أنا أحب »ميشيل« وأحترمه وأتمنى فقط أن يعرف أن تحالف الفاسد والإرهابي لا يمكن أن يأتي بالترياق إلى سوريا.. إن أهم شيء هو خروجه اليوم، وبعدها أرجوه أن يفكر جيداً بأن الناس بحاجة إلى تغيير في آلية التفكير قبل تغيير السلطة.

 قمت بتأسيس التجمع الليبرالي ثم تم حله بعد فترة من تأسيسه.. ما هو مصير هذا التجمع..؟ وهل من الممكن أن تطلقه من جديد..؟

- مصيره كأي تجمع آخر في سوريا.. يؤسس التجمع ثم تدخل فيه المخابرات فيفشل، عندما قمنا بعقد لقاء في »اللاذقية« سجلوا الصوت، وعدد فناجين القهوة التي شربناها... يعني أي شيء تريد أن تقوم به في سوريا يدخلوا به عنصر مخابرات ويخربوه، بالإضافة إلى أن البلد لا يوجد بها تقاليد سياسية منذ أن احتل الناصريون البلد في العام »1958«. وما أدعو إليه حالياً تغيير البنية المعرفية للشعب السوري، وقد اتصل بي منذ فترة قصيرة أشخاص عقدوا اجتماعاً وأصدروا بياناً في كندا، ولكن للأسف ما لبثوا أن انشقوا عن بعضهم وكتبوا كلاماً غير أخلاقي بحق بعضهم، فأرسلت إليهم ورقة عمل عن تغيير البنية المعرفية للشعب السوري.
أنت تقول إن المخابرات هي التي تفشل أي تجمع عن طريق التدخل ودس العناصر، وثم تقول أن تجمع سوري في كندا قد فشل، هل يوجد في كندا مخابرات أيضاً.. أم أن المشكلة في ذهنية الكثير من المعارضين السوريين سواء في الداخل أو في الخارج؟
- يساعدني حالياً في عملي بعض الأصدقاء من الأمريكان.. هناك إمكانية للتفاهم مع الأمريكان أكثر من السوريين.. نحن شعب يفتقد إلى التقاليد السياسية الصحيحة، يعني السوري بأمريكا لا يختلف عن السوري في الشام، كلاهما لا يفهم المعنى الفعلي للديمقراطية، ولا المعنى الفعلي لمسالة الآخر، هو يحمل معه بنيانه المعرفي السوري من الشام إلى واشنطن، قد يكون تغير فيه أنه لا يدخن في الأماكن العامة، لكن بنيته العقلية هي ذاتها وفكره هو ذاته أينما ذهب.. فعندما تقول تجمع معارض سوري معروف تعني عائلة.. ومثال على ذلك »آل الديري« أنشأوا تجمعاً.. »سلمى الديري« وأبوها »عبدو الديري« وأخوها »حسام الديري« قاموا بتأسيس تجمع، ورغم أنهم يعيشون في أمريكا إلا أنهم لم يكتسبوا أي شيء من العقلية الأمريكية. نحن نحاول الآن أن ننشئ مركزاً لحقوق الأقليات ويساعدني به ثلاثة شبان أمريكان، ويهتم المركز بالعمل على حقوق المواطن باعتباره مواطناً في الدرجة الأولى بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الديني، وقد اخترنا الأقليات غير الإثنية لأن الأقليات الإثنية تعمل بنفسها مثل الأكراد، لكن هناك أقليات دينية ومذهبية في سوريا، و يهمنا أن نقدم سوريا كبلد تعددي غير عادي في الشرق الأوسط، وستكون هذه التعددية صحية في حال قبل الواحد بالآخر، ولهم جميعاً نفس الحقوق والواجبات، من أجل تقديم سوريا كبلد فيه نبع حضاري لا ينضب أعطى المسيحية والإسلام أعظم المفكرين، وحتى اليهودية التي نشأت في سوريا الكبرى، وسنحاول تقديم سوريا على أنها بلد فيها إرث ثقافي غير عادي إذا استغل بشكل صحيح، بالمعنى الديمقراطي وقبول الآخر فسوف يعطي هذا الإرث شعبا متحضراً، أما إذا تم تفجير هذا الإرث بالطائفية فسوف يقضي على سوريا، وكنت قد سجلت في كتابي ما قاله »رابين« عام »1993».. قال: سنتفاوض مع »25« أو »26« دولة عربية فسألوه عن ذلك فقال هناك دولة قد تصبح أكثر من دولة وأخشى ما أخشاه أن تصبح سوريا أكثر من دولة، أنا عندما أرى »القبيسيات« ناشطات في كل مكان بالبلد، أعرف تماماً أن البلد ليس بخير لسبب بسيط أن »القبيسيات« عندما ينشطون سيولدون ردة فعل عند الطوائف الأخرى مثل الدروز والعلويين والمسيحيين والعلمانيين وغيرهم، ويقولون نحن أيضاً نريد أن ننشط باتجاه آخر وبالتالي يتحول البلد من دولة لاتحاد الإمارات السورية.

أزمة شعوب لا أنظمة

في رأيك.. هل الأزمة التي تعاني منها المجتمعات العربية عموماً وسوريا خصوصاً، تكمن في ثقافة الأنظمة أم في ثقافة الشعوب..؟

- هي أزمة شعب بالتأكيد لأن النظام خرج من الشعب، فالشعب المتحضر يفرض نظاما متحضرا والشعب المتخلف سيفرض نظاما متخلفا، أنا أعرف الكثير من المسؤولين في سوريا، لا أريد ذكر أسماء هم أكثر تقدماً من الشعب، وأيضاً بعض المسؤولين لديهم أفكار تطويرية غير عادية، لكن وضعية التخلف الهائل بالمجتمع تعيقهم عن تطبيق أفكارهم، أحدهم كان صديقي ثم افترقنا بسبب اعتقالي، وهو الآن مسؤول كبير في الدولة وكان لديه أفكار لو طبقت على صعيد الواقع لكانت سوريا ستصل إلى مراتب متقدمة بين الدولة ولكن أعتقد أن ما يعيقه هو الشعب.

هل ترى أن الناس في سوريا أو غيرها يمكن أن يقتنعوا بمثل هذا الكلام..؟ أي في أن يكون لدى المسؤولين أفكاراً للإصلاح.. فإذا كان كذلك فأين هو الإصلاح إذاً.. وأين هي ثماره؟

- سأعطيك مثالاً وحتى نكون واقعيين الشعب في سوريا يسهر على أفلام »البورنو«.. يعني الشعب السوري يبيع ثيابه في سبيل شراء جهاز »ديجيتال« لكي يشاهد هذه الأفلام في الليل، هذه التسلية الوحيدة عنده، حتى لا نكذب إذاً، يوجد أزمة هائلة بالواقع الجنسي للشعب السوري، وهناك نوع من التوتر الجنسي غير العادي: بمعنى أن الشاب أو الفتاة يشحن جنسياً طوال الليل بهذه الأفلام، والزواج صعب بسبب الوضع المادي، والعلاقات الجنسية صعبة أيضاً بسبب العادات والتقاليد والدين.. كل ذلك يؤدي إلى نوع من التوتر بالشارع السوري غير عادي. عرض على البلد نوع من التثقيف الجنسي في المدارس من خلال إيجاد مادة »التربية الجنسية« وهذا شيء مهم.. فتصدى رجال الدين لتلك الفكرة وأعاقوا الأمر.. لو أن أحد المسؤولين بالبلد قال إن العلمانية لا تتعارض مع الدين، وبالتالي من المفروض كون البلد تعددي وفيه طوائف كثيرة أن يكون علمانياً، من سيقف ضد العلمانية بالتأكيد رجال الدين.. الزواج المدني في »بيروت« ليس ضد الدين ولا الأخلاق، لكن كل شخص حر بأن يتزوج وفق الدين الذي يريده، من أعاق ذلك رجال الدين وخاصة الطائفة السنية، بقناعتي الشخصية: أنا أقر بواقع ولا أسيء لأحد أو أمدحه، وربما يكون لدى »بشار الأسد« شخصياً برنامجا إصلاحيا لكنه لا يستطيع تطبيقه، فأنا أرى من خلال مسيرة حياته الشخصية أنه كسر الروتين الطائفي عندما تزوج من سيدة من طائفة أخرى، في رأيي هذا الرجل كان الممكن أن يقوم بأي شيء لو أن لديه مجتمع قابلا للتطور ولكن المجتمع غير قابل للتطور، إذا أردت تصنيع منتج وليس لدي مادة للمنتج فكيف سأصنعه؟ المجتمع السوري بحاجة للكثير من العمل عليه، والمشكلة أننا نحن التيارات الليبرالية والعلمانية في سوريا صغيرة ومعزولة ومرفوضة ومضطهدة، فنحن نحارب ونحفر بالصخر عندما نحاول العمل من أجل الشعب السوري، نحن ننجح نجاحات ضئيلة جداً.. لكن أعتقد أن الزمن سيكون في صالحنا، نحن نحارب تقاليد ديكتاتورية موجودة منذ »15« قرن. وتجزأ المجتمع منذ قدوم »معاوية« وقضى على التعددية السورية، ماتت التعددية السورية، ونحن الآن نعيد إنشاء هذه التعددية بعد »15« قرن على موتها، وهذا ليس بالشيء السهل.. لكن ما زالت هناك حياة في الشعب ولديه إمكانية ليعاد إلى الحياة من جديد، في منطقتي يوجد تيار »وهابي« كبير، لكن في المقابل هناك تيار يقف معي، وأكيد لو كنت محارباً من قبل كل الناس لتوقفت عن العمل، فهناك تيار يكبر يوماً بعد يوم معي وخاصة أنني في المدة الأخيرة قمت بإنشاء تجمع مسلمين وغير مسلمين. تخيل في قرية من القرى بآخر الصحراء في »ريف دمشق« يوجد أشخاص يتكلمون بالعلمانية والديمقراطية والليبرالية، وهذه خطوات مهمة ولكن يجب أن نعمل أكثر من ذلك بكثير، وكما قلت نحن نعمل وسوريا ليس بها تقاليد ديمقراطية منذ »15« قرن، لا يمكن أن تخلق تيار ديمقراطي في بلد كله استبداد، ولكن في النهاية أقول الألف ميل تبدأ بخطوة ونحن مستمرون ولن نتراجع.

إشعاع ثقافي في قطر

كيف تنظر إلى ما يجري في »قطر« من مؤتمرات ومنتديات في مجالات الفكر والثقافة والعلوم والسياسة وغيرها؟ وإلى أي حد يمكن أن يسهم ذلك في رفع مستوى الفكر وتعزيز ثقافة الحوار ونشر الديمقراطية في العالم العربي..؟  

- في قناعتي.. وزير خارجية قطر ديمقراطي يفهم الواقع بشكل كبير، أنا أحترم وزير خارجية قطر ومواقفه كثيراً.. و »قطر« اليوم تذكرني بالكويت قبل »30« سنة  فهي ساهمت بقوة هائلة بالنهضة الثقافية في المنطقة العربية، وما قامت به الكويت ثقافياً لم يقم به أحد غيرها، ولولا غزو »صدام حسين« لكانت ما تزال منارة للإشعاع الثقافي. وحالياً »قطر« تحاول أن تأخذ مكان الكويت،وأحترم فيهم أنهم يحاولون استغلال جزء من الإمكانيات المادية لديهم، ليوظفوه بشكل صحيح ليس فقط للشعب القطري وإنما هم يبثون إشعاعاً ثقافياً على المنطقة، التجربة القطرية شبيهة بالتجربة الكويتية،وما يحدث في قطر مؤخراً يدل على أن القطريين انفتحوا على العالم وأنهم سبقوا حتى دولا تعتقد أنها لديها الكثير من التقاليد الحضارية، وأن هؤلاء الذين كان ينظر إليهم على أنهم »بدو« سبقوا الكثير من الدول التي تعتبر نفسها أنها دول راسخة في الحضارة، وفي النهاية قطر جزء من المنطقة ومثلما قلنا الإشعاع الثقافي القطري سيطال سوريا وغير سوريا.. الخطوات التي تقوم بها بالمقارنة مع أي دولة بالخليج هي خطوات جبارة وأتمنى أن يتابعوا بنفس الخط.

 

جريدة الراية:

http://www.raya.com/news/pages/e13c80a1-c55a-4b83-b616-a54feb988dc0

Who's Online

141 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home حوارات ولقاءات الكاتب والباحث السوري المثير للجدل نبيل فياض مع »الراية الأسبوعية«:»بن لادن« معتدل ومنفتح وليبرالي مقارنة مع بعض الإسلاميين السوريين