نبيل فياض

مشروع مركز بحوث مكافحة البنى المعرفية للإرهاب ذي الشخصية الدينية

من المعروف عموماً أن المنظومة الدولية فشلت حتى اليوم في وضع تعريف دقيق لثقافة الإرهاب وبناه المعرفيّة، بغض النظر عن شكل هذا الإرهاب، سياسياً كان أم دينياً. ولا تزال الآراء متناقضة، بحسب المصالح، في تعريف ما هو إرهابي وما هو غير إرهابي.

بعد دخول الأمريكان العراق وإسقاط منظومة الحكم التي رسخ قواعدها الرئيس الراحل صدّام حسين، انتشر الإرهاب ذي الشخصية الدينية في هذا البلد؛ ثم تفشّى هذا النمط من الإرهاب على نحو غير مسبوق في بعض بلدان الشرق الأوسط بعد ظاهرة ما سمي "بالربيع العربي". وحتى اليوم لم نجد مركزاً بحثياً يدرس بعمق هذه الظاهرة رغم خطورتها على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ خاصة مع انتشار هذا الإرهاب ذي الشخصية الدينية إلى كثير من دول العالم التي كانت تعتبر ذاتها محصنة لأسباب كثيرة ضد هذا النوع من الممارسات اللاإنسانية.

إن إطلاقنا لمشروع مركز بحوث يهدف إلى مكافحة البنى المعرفيّة للإرهاب ذي الشخصية الدينية إنما يهدف إلى مجموعة غايات لا تمسّ فقط مواطن الشرق الأوسط الذي يُكوى بنار الإرهاب ذي الشخصية الدينية منذ أكثر من ست سنوات، بل تمس أيضاً أي مواطن في هذا العالم، لأننا نعتقد، بحتمية دقيقة، أنه مع القضاء العسكري على المجاميع الإرهابية الكبيرة في العراق وسوريا، ونقصد بذلك دولة الخلافة وجبهة النصرة ومن يدور في فلكهما من مجامع صغيرة، تحمل العقيدة ذاتها، ستنشأ مجاميع أخرى أصغر حجماً وأكثر خطورة وأوسع انتشاراً، وسوف لن تقف أية نوعية حدود في وجه عملياتها الإرهابية.

العلل المودية إلى الإرهاب ذي الشخصية الدينية:

1 – العلل الداخلية:

من الأمور الملفتة في هذا التمدّد للإرهاب ذي الشخصية الدينية هي تفشيه في دول ثلاث بشكل رئيس، العراق وسوريا وليبيا، وهي دول تبنّت، على الأقل ظاهرياً، التوجّه القومي على مدى تجاوز النصف قرن – عدا ليبيا – وانتحلت شكل حكم علماني لا طائفي، يدعي التقدّم والاشتراكية. فكيف نفسّر هذا الانتشار الأفقي غير المسبوق لثقافة الإرهاب ذي الشخصية الدينية في تلك الدول، بعد فرض منظومات الحكم فيها لبنى ثقافية-معرفية-سياسية-اقتصادية يُفترض أنها كانت نقيض هذه النوعية من الإرهاب؟

لأسباب لوجستية، سوف نقصر عملنا على الساحة السورية التي تعرف منذ عام 2011 تواجداً لا مثيل له للجماعات الإرهابية ذات الشخصية الدينية. لكن الساحة السورية الحاوية لكافة صنوف الإرهاب ذي الشخصية الدينية، تشترك مع الدول الأخرى التي تعاني اليوم من هذه النوعية من الممارسات الإرهابية في أنّ واحدة من تلك المنظمات، دولة الخلافة، تحتلّ أجزاء مترامية الأطراف من الأرض السورية، ومن ثم فدراسة تلك الظاهرة في سوريا يمكن أن يساعد للغاية في فهم آلية تواجدها ومكافحة أخطارها المستقبلية في الدول الأخرى.

أولاً - البيئة الديمغرافية في المجتمعات الحاضنة للإرهاب ذي الشخصية الدينية:

آ – التزايد السكاني غير المسبوق في البيئات الحاضنة للإرهاب ذي الشخصية الدينية ودور ذلك في رفد الجماعات الإرهابية ذات الشخصية الدينية بعناصره الأساسية.

ب – الأسباب الكامنة خلف التزايد السكاني في تلك البيئات على وجه التحديد، مقابل البيئات الأخرى.

ثانياً: البيئة المعرفية في المجتمعات الحاضنة للإرهاب ذي الشخصية الدينية:

آ – التهميش المعرفي في تلك البيئات المترافق مع الانفجار السكاني المشار إليه آنفاً.

ب – غياب الفعاليات الثقافية عن تلك البيئات بشكل عام وسيطرة ثقافة الشعارات.

جـ - تخلّف التعليم وتدني مستواه.

د – التسلل البطيء الراسخ لثقافات الإرهاب ذي الشخصية الدينية في تلك المناطق المهمشة.

ثالثاً: البيئة الاقتصادية في المجتمعات الحاضنة للإرهاب ذي الشخصية الدينية:

آ – انتشار غير عادي للفقر والبطالة في المناطق المهمشة التي اعتبرت البيئة الحاضنة للإرهاب ذي الشخصية الدينية، وقد ساءت الأمور أكثر مع الانفجار الديمغرافي الذي عرفته تلك البيئات.

ب – النزوح من المناطق الريفية-البدوية إلى المناطق المدنية والذي كوّن أحزمة فقر وصفيح كانت قنبلة موقوتة في كل ما حصل في سوريا من مآس على يد الإرهاب ذي الشخصية الدينية في المناطق المدنية.

رابعاً: الفشل الذريع للإعلام السوري في الأزمة باستثناءات نادرة

آ – أظهر تسلسل الحوادث عمق الأزمة الإعلامية السورية ومدى تغلغل إعلام المجاميع الإرهابية والدول الداعمة للإرهاب في اللاوعي الجمعي السوري، خاصة في البيئات الحاضنة للجماعات الإرهابية ذات الشخصية الدينية.

ب – بمرور السنين على الأزمة، ظهر إعلام خارجي داعم للدولة السورية زاد من قناعة المراقب الحيادي بمدى عقم الإعلام السوري وضعف تأثيره على الشعب.

خامساً: البيئة السياسية في المجتمعات الحاضنة للإرهاب ذي الشخصية الدينية:

آ – القطيعة المعرفية شبه التامة في تلك المناطق المهمشة الحاضنة لهذا النوع من الإرهاب بين المجتمع وبين الحزب الأوحد المسيطر على مفاتيح العمل السياسي في سوريا.

ب – أظهرت الأزمة عمق النفاقية السياسية عند قطاعات كبيرة من الشعب السوري خاصة في المناطق الحاضنة؛ وكان لمهرجانات الانسحاب من حزب البعث في الأشهر الأولى للأزمة الدور الأهم في إظهار أن الحزب استخدم بشكل كبير لغايات أخرى لا علاقة لها بالأيديولوجية البعثية التي كانت في واد والناس في واد آخر عموماً.

جـ - كان يمكن لقانون أحزاب عصري حقيقي أن ينقل الصراع من غرائزي-طائفي إلى عقلاني-سياسي؛ لكن هذا، رغم عمق الأزمة ومهولية الكوارث، لم يحصل حتى الآن.

سادساً: البيئة الطائفية-المذهبية: الأسباب والنتائج!

في شهر شباط-فبراير 1981 اندلعت أحداث حماة التي انتهت بهزيمة مشروع الأخوان المسلمين وسيطرة الدولة السورية على المدينة التي عرف بعضها عصياناً مسلحاً إضافة لبعض مناطق سورية أخرى. وبدل إعلان علمانية الدولة ومدنيتها مقابل الطرح الطائفي لجماعة المعارضة شبه الوحيدة آنذاك، الأخوان المسلمون، فُتح الباب على مصراعيه، لأسباب طائفية يعرفها الجميع، أمام تيارات مذهبية أخرى لا تقل خطورة عن الأخوان المسلمين. وهكذا، انتشرت بشكل سرطاني مجاميع مذهبية بمراكز رسمية عملت على الترويج لثقافة مذهبية لا تقل تطرفاً عن المعرفية الأخوانية؛ ومع الاجتياح الأفقي لهذه الثقافة لعقول الناس، بدأت تظهر، كمصر، جزر متطرفة وضحت ملامحها تماماً بعد دخول الأمريكيين إلى العراق والتصدّي السلفي له. وهكذا، ومع ذهاب كثير من السوريين "للجهاد" في العراق، وعودة بعضهم مدعماً بالمعرفة القتالية العملياتية، صار لزاماً أن تتحوّل سوريا من أرض عبور للسلفيين لقتال الأمريكيين في العراق، إلى أرض قتال ضد كل من تعتبره القاعدة، على اختلاف تجمعاتها، أنه خارج السرب الإسلامي.

الطائفية ممارسة غرائزية؛ ومن ثم فإنه مع فتح الأبواب على مصراعيها أمام الطائفية بأسوأ صورها بعد شباط 1981، صارت فئات من المجتمع السوري تميل باتجاه الأكثر طائفية وبالتالي غرائزية؛ وهكذا شهدنا انفضاض غالبية الناس من تلك الفئات عن بعض الرموز الطائفية التي حاولت التصدي للإرهاب إلى رموز أكثر طائفية، ووصل الأمر إلى اغتيال بعض تلك الرموز الشهيرة.

2 – العلل الخارجية:

مما لا شكّ فيه أن دور الخارج في هذا التفجّر للإرهاب ذي الشخصية الدينية جوهري إلى درجة أنه قد يوازي في أهميته العناصر الداخلية التي أوصلت إلى ما نحن عليه أو ربما يفوقها أهمية. وقد أُثبت بالوثائق دور المملكة العربية السعودية وبدعم أميركي باكستاني في خلق تنظيم القاعدة من أجل محاربة "الاحتلال" السوفيتي الملحد لأفغانستان المسلمة الذي استمر منذ عام 1979 إلى عام 1989. ومن ذلك التنظيم القائم على أسس معرفية وهابية تفرّعت كل التنظيمات الإرهابية ذات الشخصية الدينية.

لقد ساهم صعود أسعار النفط بعد حرب 1973 في انتشار الحركة الوهابية في كافة أرجاء العالم، وأولها في دول الجوار للملكة العربية السعودية. وكانت تلك الحركة استغلّت هزيمة 1967 للأنظمة القومية أسوأ استغلال، معتبرة في مخاطبتها للاوعي الجمعي الإسلامي أن سبب الهزيمة الرئيس هو ابتعاد الأنظمة القومية عن الدين، وتابعت ذلك في استغلالها لفورة أسعار النفط بعد 1973 في ترسيخ الوجود الوهابي في العالم ودول الجوار.

لعب النفط دوراً أكثر سلبية في تكريس الطائفية من خلال المحطات التلفزيونية الطائفية الممولة وهابياً. وهكذا، وبمرور الزمن، رسخت الوهابية أقدامها مجتمعياً بقوة الإعلام الطائفي وضعف الإعلام القومي في الدول المجاورة؛ وبعد انتشار أفقي مجتمعي في الدول المجاورة للفكر الطائفي الوهابي على اختلاف مسمياته، جاءت ظاهرة ما يسمى بالربيع العربي لتنقل الوهابية من التواجد المجتمعي-الثقافي إلى حلم التواجد السياسي. ورغم كل الاعتراضات السياسية الظاهرية من قبل الجماعات الوهابية السياسية على السلوك الإرهابي للجماعات الأخرى التي خرجت من الرحم الوهابي، مثل جبهة النصرة ودولة الخلافة، إلا أنه لا يخفى على أحد أن الوهابية تستغل وجود الجماعات الإرهابية ذات الشخصية الدينية من أجل أجندتها السياسية.

أهداف المركز:

1 - يتضح تماماً أن الهدف الرئيس للمركز هو مكافحة كافة أشكال الإرهاب ذات الشخصية الدينية. إن أبسط المعطيات المعرفية تقول إن عدم دراسة الظاهرة الأخوانية وتجلياتها العسكرية في القرن الماضي في سوريا، على سبيل المثال لا الحصر، بشكل علمي-حيادي، أوقعنا من جديد في ظواهر أخرى أكثر إرهابية من مثيلتها الأخوانية. ونحن، إن وقفنا في الأزمة التي تعيشها سوريا منذ عام 2011 على الجانب العسكري، دون تحليل علمي عميق لأسباب الأزمة ونتائجها، فسوف نعود إلى ظاهرة أكثر تطرفاً في السنوات القادمة.

2 – إن أي مشروع يكافح الإرهاب ذا الشخصية الدينية إنما من نتائجه أيضاً مكافحة الثقافة الطائفية-المذهبية التي عمل على الترويج لها في مصر وسوريا والعراق ثلاثة أطراف هي أميركا، إسرائيل، والوهابيون، لأسباب مختلفة: الطرفان الأولان يرغبان على الدوام بالقضاء على مقدّرات دول "الطوق" الثلاث، والطرف الثالث يسعى إلى تواجد سياسي في تلك الدول من خلال الثقافة الطائفية-المذهبية.

3 – من نتائج مشروع كهذا دعم ثقافة المواطنة المدنية-العلمانية في سوريا ومن ثم في الدول الأقرب إلى المدنية في الشرق الأوسط العربي. وهكذا، فمن خلال مكافحة ثقافة الإرهاب ذات الشخصية الدينية والثقافة الطائفية-المذهبية تٌدعم كل المشاريع المناقضة البديلة التي تم تغييبها بشكل أو بآخر.

4 – من خلال توثيق ما حصل في سوريا منذ بداية الأزمة إلى اليوم، يمكن إطلاع الرأي العام المحلّي والعالمي على حقيقة الأمور التي عُمل على تزويرها بطريقة مدروسة بهدف الإساءة إلى الدولة السورية، ضمن مشروع قد تكون رسمت ملامحه قبل الأزمة بزمن طويل.

طرق تحقيق المشروع:

أولاً:

دراسة الأسباب الموضوعية التي أدت إلى انتشار ظاهرة الإرهاب ذي الشخصية الدينية في سوريا أولاً وفي غيرها من الدول المحيطة ثانياً. وهنا، ولأسباب لوجستية آنية، سنعمل على الاستعانة بما يقدّمه لنا باحثون متبرعون شبان من بحوث وآراء يمكن نشرها على موقع سنخصصه لهذه الغاية.

ثانياً:

بما أن مشروعاً ضخماً كهذا يتطلّب دعماً مادياً كبيراً، وبما أن الغالبية تعتقد اليوم أن الحسم العسكري، لا المعرفي، هو الأهم؛ وبما أن كثيراً من الشبان الموهوبين عاصروا الأحداث والأزمة في مناطق الاضطرابات منذ البداية؛ وبما أن أحد أهداف هذا المشروع إلقاء الضوء على مواهب بحثية شابة، فإننا نتوجه إلى من يمتلك تجربة أو رأياً أو عايش إحدى حلقات الأزمة وله في ذلك رأي بحثي، إرسال ما بحوزته إلينا ونحن نتعهد تقديم لمحة عما أرسل بأكثر من لغة وإرسال ذلك إلى مراكز بحثية عالمية ونشر ما أرسله كاملاً باللغة الأم.

نتمنى، بالمقابل، أن نستطيع تأمين دعم مادي، إن ذاتياً أو عن طريق أطراف مهتمة، كي نستطيع من خلال ذلك تبني مجموعة مختارة من باحثين شبان يمكن أن يرسموا مستقبل سوريا والمنطقة كما يحصل في كل الدول المتحضرة.

للسؤال يمكن الاتصال على:

0993245010 - 0968334411
أو الإرسال إلى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Who's Online

46 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home أبحاث مشروع مركز بحوث مكافحة البنى المعرفية للإرهاب ذي الشخصية الدينية