نبيل فياض

"يسوع في التلمود": مقدّمة المترجم

منذ زمن طويل، لم أقم بترجمة عمل " بحثياً " كما هي الحال مع دراسة الباحث الألماني، بيتر شيفر، " يسوع في التلمود ". الموضوع كان يستهويني منذ زمن طويل؛ وأذكر أنه قبل أكثر من ربع قرن، وكنت أعمل في إحدى الدوريات اللبنانية، أجريت دراسة لا تقل عن مئة وخمسين صفحة، تحمل العنوان ذاته، يسوع في التلمود. واعتمدت وقتها على ما بين أيدي من رسائل تلمودية " باللغة الإنكليزية "، إضافة إلى النص الهام، تولدوت يشو [ " تاريخ يسوع "]، الذي اعتمد أساساً له تلك المقاطع المتشظية في التلمودين، وربما بعض المدراش، من أجل تقديم نص هو الأسوأ حول يسوع والمسيحية. لكن النص " فقد " في الدورية(!)، ولم ينشر!!

أعدت الكرّة من جديد، بنصيحة من الراحل سعيد عقل، حين ترجمت رسالة العبودا زارا [ " عبدة الأوثان " ] التلمودية البابلية، ومن ثم نشرتها في طبعات كثيرة. العبودا زارا، كما يشير اسمها، تهتم أساساً بعبدة الأوثان وكيف يمكن لليهودية الحاخامية التعامل معهم. وكان ملفتاً للغاية المصطلح العبراني مينيم، الذي يعني – ربما؟ - هراطقة، أو بلغة أوضح، " كفّار "! إذن، في اعتقادنا، إن رسالة عبدة الأوثان هي أول رسالة تكفير منظمة عرفتها المعارف البشرية. ومن هذا النسق التكفيري جاءت كل مناهج رفض الآخر على أسس غيبية-دينية. ما يهمنا هنا هو أن عبدة الأوثان كانت تحتوي مقاطع – نادرة – حول يعقوب، تلميذ يشو [ اسم يسوع في اليهودية، وهو الأحرف الأولى من ثلاث كلمات باللغة العبرية والتي تعني، ليمح اسمه وذكره ]. يعقوب، هو على الأرجح، يعقوب بن حلفى יעקב בן חלפי أحد الإثني عشر رسولًا، وهو أحد الأعمدة الثلاثة لكنيسة الختان كما دعاها بولس (غلاطية 2: 7-9). عرف أيضاً باسم " يعقوب أخو الرب "، لأنه ابن خالته بالجسد من مريم زوجة كولوبا [ " كلمة حلفى آرامية وتقابلها "كلوبا" باليونانية ]. كما عرف باسم يعقوب الصغير (مرقس 15: 40) تمييزًا له عن يعقوب الكبير بن زبدي. وعرف أيضًا باسم يعقوب البار نظرًا لقداسة سيرته وشده نسكه. كما عرف باسم يعقوب أسقف أورشليم لأنه أول أسقف لها.  وقد استشهد عام 62 أو 69.

لم يكن وجود يسوع في عبدة الأوثان مباشراً: فنحن هنا لا نلتقي بالشخص المؤسس وجهاً لوجه – لكنه على الدوام، رغم ندرة المقاطع حوله كم اشرنا، كان يظهر على نحو غير مباشر، عبر يعقوب الذي يقوم بالإشفاء مستخدماً اسم المعلّم، يسوع. وهكذا، نشهد هنا محاولات " يهودية " للإستشفاء باسم يسوع عبر يعقوب، مقابل محاولات حاخامية مستميتة لمنع ذلك بكل السبل الممكنة. ويقال، بالمناسبة، إن يعقوب هو الأب الروحي لشيعة " النصارى " التي انقرضت وانتهت أخبارها في وقت ما من القرن الخامس.

في كتابنا " النصارى " كان لا بد من مقاربة مسألة يسوع في التلمود وغيره من الأدب الحاخامي من جديد. وهكذا، فقد كرّسنا فصلاً كاملاً بعنوان " النصارى في التلمود " من كتابنا الذي عرف طبعات كثيرة. النصارى هم صيغة الجمع من נוצרי التي تعني بالعبرية،" مسيحي ". واليهودية الحاخامية، بالطبع، لا تطلق على المسيحيين عموماً غير التسمية " نصارى "، لأنها لو أسمتهم " مسيحيون " משיחיים لكان في ذلك اعترافاً ضمنياً بأن يسوع هو المسيح، وبالتالي فأتباعه مسيحيون – الأمر الذي ترفضه كل المصادر الحاخامية بعناد لا يبارى.

النصارى، باختصار، هم أولئك اليهود الذين آمنوا أن يسوع هو مسيح اليهود المنتظر؛ وهكذا، فقد حافظ هؤلاء على وصايا العهد القديم، إضافة إلى تبنيهم لنص إنجيلي معين، لا نمتلك حتى اليوم الملامح الحقيقية له، رغم أننا وصلنا إلى كسرات كثيرة منه، قمنا بنشرها قبل نحو من عشرين سنة في كتابنا.

إذن، كما هو مفترض، كانت الإشارات إلى النصارى ويسوع في المصادر الحاخامية غير منفصلة عن " شخص يعقوب "، الذي أشرنا إليه للتو. فالنصارى هم أتباع يسوع الذي يبشّر باسمه يعقوب الذي من سخانيا.

البحث عن يسوع التاريخي؟

البحث عن يسوع التاريخي هو محاولة لاستخدام الطرائق التاريخية وليس الدينية لبناء تاريخ شخصي موثوق ليسوع. والواقع أننا في طرائقنا البحثية التاريخية نستخدم ما يسمى بالأدلة الداخلية – في حالة يسوع، العهد الجديد وتراث الكنيسة المسيحية – إضافة إلى الأدلة الخارجية، والتي لا تبدو كثيرة في حالتنا هذه.

الأدب الحاخامي هو من أهم ما يقال إنه مصدر للأدلة الخارجية التي يمكن اعتبارها أدلة غير مسيحية على حقيقة الوجود التاريخي ليسوع. وقد أشار كثير من الباحثين المسيحيين إلى أن التلمودين وغيرهما من الأدب اليهودي ما بعد التوراتي ليسوا غير وثائق خارجية، في المقاطع المتعلقة بيسوع والمسيحية، تؤكّد الحقيقة التاريخية لما يمكن اعتباره، من منظور آخر، قصص لا ترقى إلى الواقع التاريخي بأي طريقة. لكن هذا الكتاب، يسوع في التلمود، يتركنا في حيرة شديدة بأسئلته غير المغلقة: هل كتبت المقاطع التلمودية المتعلقة بيسوع كنوع من ردات الفعل على ما قرأه حاخامات اليهود في العهد الجديد ( إنجيل يوحنا على الأغلب؟! ) من نصوص أثارت حفيظتهم للغاية، أم أن ما كتب كانت نتيجة معايشة حقيقية لهذه الدعوة التي خرجت من رحم اليهودية ثم انشقت عنها، إن عبر مؤسسها، أو عبر تلاميذه وأتباعه؟ وإذا كان واضحاً أن النصوص المتعلقة بيسوع والمسيحية إنما هي موجودة في التلمود البابلي عموماً، وليس الأورشليمي – رغم وجود بعض المقاطع ذات الصلة في الأخير – ألا يعني ذلك أن التواصل مع يسوع والمسيحية لم يكن مباشراً، جغرافياً على الأقل، وأن نصوص التلمود البابلي ذات الصلة ليست أكثر من ردات فعل على بعض مقولات الأناجيل، وبالتالي لا يمكن اعتمادها على الإطلاق كوثائق خارجية في مسألة، البحث عن يسوع التاريخي؟ هذه نماذج عن الأسئلة التي يثيرها في الذهن هذا الكتاب الهام، ولا يقدّم عليها إجابات واضحة – وليس المطلوب منه ذلك. من هنا، إذا كان الهدف من هذه الدراسة المساهمة في مسألة البحث عن يسوع التاريخي، لا أعتقد أن من يضع في ذهنه ذلك يمكنه أن يجد هنا ضالته.

ماذا يريد شيفر؟؟

هل هي محاولة من باحث من أصول مسيحية لإثبات أنه قادر على الدخول في سر أسرار اليهودية الحاخامية ومناقشة ذلك رغم أصوله غير اليهودية؟؟ أم أنها محاولة استعراضية بحثية يظهر من خلالها شيفر أنه ملم بالكامل بالمخطوطات التلمودية، وهو ما يتجلّى بأوضح ما يمكن في الملحق الذي يستعرض فيه الفوارق بين المخطوطات بشكل دقيق للغاية؟ لقد اعتدنا، محلياً، على أنه لكل باحث غاية، تتوضح أحياناً وتتخفى أحياناً أخرى؛ لكن بحث شيفر يبدو وكأنه بحث لمجرّد البحث!

ملاحظة:

في نص شيفر، نعرف أن أحد أشهر الأسماء التي تطلق على يسوع، هو ابن بانديرا. وإذا ما وضعنا نصب أعيننا سلفاً أن قصة يسوع التلمودية تركّز للغاية على الجانب الجنسي – بالمعنى السلبي للعبارة – في حياة يسوع وعائلته، لماذا نستبعد أن يكون " بانديرا " تعني القوّاد؟ Pander الإنكليزية، المشتقة عن Pandare الإنكليزية من العصور الوسطى ( نهاية القرن الرابع عشر )، والتي استخدمها أبو الأدب الإنكليزي، جيفري تشاوسر ( 1343 – 1400 )، في عمله ، Troilus and Criseyde، الذي استعارها بدوره من بوكاشيو ( بالإيطالية، Pandaro، عن اليونانية،  Pandaros ).

نبيل فياض

Who's Online

92 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home أبحاث "يسوع في التلمود": مقدّمة المترجم