نبيل فياض

هدية رأس السنة إلى القرّاء

بعد طباعة مجموعة كتب في دار نشر كندية صديقة بنجاح لافت، ارتأينا أن نكمل مسيرتنا المعرفية عبر المجلّد الأول من كتابنا، مصادر القرآن الكريم ". ونحن اليوم في طور إكمال المجلّد المتعلّق بالنبي يوسف، الذي سنتبعه بقصة موسى. ولأن علاقتنا بقرّاء هذا الموقع صارت أكثر من حميمة، فقد وجدنا أنه لا بد من تقديم وجبة بحثية دسمة بمناسبة نهاية العام وبداية عام جديد. ولا أعتقد أن ثمة ما هو أهم، بمنظورنا، من مقدمة كتابنا المتعب ذاك.

مصادر القرآن الكريم – مقدمة؟

ثمة جملة أو كلمة يتفوّه بها باحث أو مفكّر تترك في عقولنا أسئلة لا تنتهي فنبدأ برحلة مضنية عبر شوك المعرفة من أجل الحصول على ما يؤكّد صحة ما سمعناه أو ينفيه بالمطلق. من تلك الجمل الهامة، ما قرأناه قبل زمن طويل، في بدايات عملنا البحثي، من أن " محمداً نظر إلى التوراة بعيون الأغاداه "([1])، للمفكّر الشهير، لويس غنسبرغ.

لم يكن من السهل علينا إثبات تلك المقولة التي قد تبدو غريبة على أعين كثيرين، بمن فيهم بعض الاختصاصيين. الجملة، إذا ما أردنا تفسيرها على نحو تقريبي، تعني أن محمداً، نبي الإسلام، لم يكن يعرف التوراة بشكل مباشر، رغم كثافة ما يرد في التراث العربي-الإسلامي حول تردد هذا الرجل على مراكز التعليم اليهودية في المدينة، المسماة بيت ها مدراش [ بيت المدراس، باللغة العربية ] ([2]). إذاً، فروايات محمد في القرآن التي تتناول أنبياء اليهود لم تأت من التوراة مباشرة، بل جاءت من التفاسير الأغادية – الميثولوجية لقصص التوراة الشهيرة، خاصة تلك التي نصادفها في سفري التكوين والخروج.

محمد، إذاً، كان على اطلاع غير دقيق تماماً على الأغادوت [ جمع أغاداه = أسطورة ] اليهودية، التي كان يحل عليها أو يسمعها من يهود المدينة. الأخيرون، في الواقع، لم يكونوا نزيهين تماماً في نقل تلك القصص إليه. والقرآن ذاته في موقع معروف يحكي أن محمداً كان يدفع لبعض اليهود ثمن الأغادوت التي كانوا يبيعونها إليه؛ إلى درجة أنه حذّر نفسه من خبث بعض اليهود الذين كانوا يتعمدون نقل المعلومة إليه مغلوطة أو مشوّهة بهدف إظهار أنه هو من يؤلّف القرآن وذلك حين تظهر تلك المعلومة المشوهة في النص المقدّس إياه ([3]).

الحقيقة التي لا يتطرق إليها الشك هي أننا نفتقد بالمطلق ما كتبه الطرف الآخر، اليهود، حول المسألة. فاليهود تم اقتلاعهم من جذورهم ([4]) ، لأسباب كثيرة، على يد محمد، من يثرب.

المقاربة الغربية للنقدية القرآنية: أمثلة بارزة

يبدو واضحاً للعيان أن الباحثين اليهود الألمان كانوا من أبرز الطليعيين في المقاربة النقدية لكتاب المسلمين المقدّس؛ لكنها مقاربة تختلف بالمطلق عن تلك التي عرفتها العصور الوسطى عند بعض المفكرين اليهود العرب، مثل ابن كمّونة وابن ميمون (راجع هنا: ترجمتنا لرسالة اليمن لابن ميمون وكيفية التعامل مع نبي المسلمين في ذلك النص الفريد).

أبراهام غايغر واحد من أبرز هؤلاء الباحثين الألمان اليهود الذين قدّموا بحثاً طليعياً أسس لمدرسة من بعده. أبراهام غايغر (1810–1874) كان حاخاماً وباحثاً ألمانياً قاد مسيرة تأسيس حركة الإصلاح اليهودية. لقد سعى الرجل إلى إزالة كل العناصر القومية – يبدو هنا نقيضاً للحركة الصهيونية – من الديانة اليهودية، خاصة مذهب " الشعب المختار ". وكان أكثر ما أكّد عليه يهودياً اعتباره أن هذا الدين حركة متطورة ومتبدلّة بمرور الزمن، وذلك على النقيض من اليهودية الأرثوذكسية.

لقد قدّم هذا الباحث المتميّز واحداً من أهم الأعمال التي تناولت القرآن. ونحن نعتقد بالمناسبة أن إجادة اليهود عموماً للغة العبرية هو ما سهّل لهم مسألة مقاربة القرآن بحثيّاً؛ فاللغتان كما هو معروف متداخلتان حتى اللانهاية؛ ومن يجيد إحداهما من الغربيين بشكل خاص، ليس صعباً عليه أن يجيد الأخرى.

برأي أندرو ريبين، تلميذ جون وانسبرو، فإن البحثية القرآنية الحديثة بدأت مع أبراهام غايغر عام 1832، وذلك حين نشر مقالته باللاتينية، ماذا أخذ محمد عن اليهودية، ثم ترجمت إلى الألمانية تحت عنوان، "Was hat Mohammed aus dem Judenthume aufgenommen?”  ؛ لتنشر عام 1898 باللغة الإنكليزية تحت عنوان، اليهودية والإسلام،  "Judaism and Islam." .

أبراهام غايغر في عمله " ماذا أخذ محمد عن اليهودية "، الذي ترجمناه عن الألمانية إلى العربية ولم ننشره، أثبت معرفة ازدواجية نادرة بالأسفار المقدسة لليهودية والإسلام على حد سواء.

تميّز مقاربة غايغر للقرآن بداية البحثية العلمية الأوروبية عن مصادر كتاب المسلمين المقدّس وذلك  في اليهودية، وبمستوى أقل، في المسيحية. فلم يعد القرآن يُقارب يهودياً من المنظور الجدلي للعصور الوسطى المؤسس على فكرة أن محمداً كان نصاباً دينياً. لقد أطلق غايغر في عمله توجهاً جديداً في عالم البحثية الألمانية وذلك عبر افتراضه العملي أن محمداً كان مخلصاً في رسالته الدينية. وكان الحافز على دراسة غايغر مفاعيل التوجه الأساسي لأعمال ما بعد عصر الأنوار عموماً، فانطلق في بحثه هذا على أسس علمية لا أثر فيها لروح النقد الثأرية أو إثبات شيء لحساب شيء آخر.

يدور عمل غايغر، كما يشير اسمه، إلى العلاقة بين اليهودية والإسلام. وكانت أهم فصول الكتاب: هل كان باستطاعة محمد الاستعارة من اليهودية؟ إذا كان الأمر كذلك، كيف كان الشكل الممكن لهذه الاستعارة بالنسبة له؟ وهل كان محمد متناغماً مع مخططه وهو يستعير من اليهودية؟

في فصول أخرى نقرأ العناوين التالية، التي تدور في الفلك ذاته: مفاهيم مستعارة من اليهودية؛ آراء مستعارة من اليهودية، مثل: أراء تخص المبادئ؛ قوانين تتعلق بالأخلاق والشرع؛ وآراء لها علاقة بالحياة.

ثمة مجموعة فصول في العمل حملت عنوان، قصص مستعارة من اليهودية [في الإسلام]. وكانت العناوين الفرعية في هذا القسم الهام: من آدم إلى نوح؛ من نوح إلى إبراهيم؛ من إبراهيم إلى موسى؛ موسى وزمنه؛ الملوك الثلاثة قبل ثورة الأسباط العشرة؛ القديسون بعد زمن سليمان.

رغم الدور الطليعي لأبراهام غايغر، إلا أن هذا لا يمكن أن ينسينا النتاج البحثي الرائع للعالم اليهودي الألماني، هاينريش شباير. لقد بُخس هذا المفكّر والباحث العظيم حقّه، لحساب نجم أبراهام غايغر الذي ما يزال يسطع إلى اليوم في عواصم الغرب. وفي اعتقادنا فإن عمل شباير الموسوعي، " الحكايات  الكتابية في القرآن SPEYER (Heinrich), Die biblischen Erzählungen im Qoran, Hildesheim/New York City/Zürich, Georg Olms Verlag, 3ème éd. (1931), 1988, XIII-509 p. ISBN 3-487-00085-7 "، أهم كثيراً قرآنياً من عمل غايغر الذي توقف فيه الأب المؤسس عند مقولات بعينها دون دخول مربك في تفاصيل تبدأ ولا تنتهي. عمل شباير الموسوعي هذا، الذي ترجمنا منه أربعة فصول ونشرناها في لبنان، يتناول الموضوعات القرآنية كرونولوجياً ثم يتولى البحث عن أصولها، في زمن افتقد قاعدة معلومات إلكترونية، في الأسفار المقدسة أو شبه المقدّسة اليهودية أولاً ثم المسيحية. شباير، في هذا العمل الذي لم يلق ما يستأهل من التقدير، أثبت معرفة لا متناهية في الأسفار اليهودية والمسيحية على حد سواء. كذلك، أثبت شباير في " الحكايات "، ما قاله الباحث الهام، لويس غنزبرغ، من أن محمداً نظر إلى التوراة بعيون الأغاداه.

في الأقسام التي ترجمناها من هذا الكتاب التحفة، يقدّم الباحث اليهودي الألماني النص القرآني الأغادي محط البحث، ثم يبدأ رحلة معرفية شاقة يتلمّس فيها نصوصاً مشابهة من الأسفار المقدّسة أو شبه المقدسّة عند اليهود والمسيحيين، وأحياناً عند الغنوص أو ما شابه.

يتناول القسم الأول من هذا الكتاب الموسوعي مسألة خلق العالم بين القرآن والنصوص المقابلة، ثم ينتقل لاحقاً إلى ميثة خلق آدم والعائلة الأولى؛ منهياً الفصل بالصراع بين ابني الإنسان الافتراضي الأول، قايين وهابيل.

في الفصل الثاني يتناول شباير قصة الطوفان وحكاية النبي الأغادي، نوح؛ فالكتاب مرتّب كرونولوجياً، كما سبق وأشرنا. أما الفصل الثالث فمكرّس بالكامل لميثة إبراهيم، النبي المشترك الأهم بين الديانات الشرق أوسطية الثلاث؛ دون توقف تفصيلي عند أبنائه أو أحفاده.

بعد ذلك يفصّل شباير العلاقة بين قصة يوسف، النبي اليهودي الذي يكرّس له القرآن سورة كاملة، ما بين كتاب المسلمين المقدّس والأسفار التي سبقته في اليهودية والإسلام.

الفصل الأكبر في هذا العمل الموسوعي مكرّس لقصة موسى بين القرآن وأسفار اليهود والمسيحيين التي سبقت عليه. وفي هذا القسم المغرق في أهميته، نستكشف عمق العلاقة بين النصوص القرآنية المتعلّقة بموسى، ومثيلاتها خاصة في الأدب المقدّس اليهودي ما بعد التوراتي.

ثمة قسم أخير لا يقل أهمية عن الأسفار التي سبقته يتناول فيه شباير بالبحث عمق العلاقة بين قصص أهم أنبياء اليهود ما بعد موسى في القرآن ومثيلاتها في الأدب المقدس أو شبه المقدّس اليهودي. هنا، على سبيل المثال، نجد مصدر الميثة القرآنية التي تحكي عن تأليه اليهود لعازر، التي يقول شباير توثيقياً إن أحد الأسفار الأبوكريفية اليهودية حكت عن اعتقاد كهذا بين إحدى الجماعات اليهودية.

الشيء الملفت للنظر في عمليّ الباحثين الطليعيين أن قصة المسيح في القرآن، المتناثرة في غير مكان من سور كتاب المسلمين المقدّس، غائبة تماماً في الكتابين على حد سواء. كذلك فإن شباير على وجه التحديد اختار أن يتناول النص القرآني على أساس وحدة الموضوع، دون أدنى اهتمام لمسألة التعاقب الكرونولوجي لآيات الموضوع في القرآن، الذي قد لا يكون بهيئته الحالية مساعداً كما ينبغي إذا ما أردنا تقديم نص متناسق ومتماسك. بالمقابل، نلاحظ عند الباحثين اليهوديين الألمانيين الرغبة الواضحة بالتوثيق ما أمكن لما يمكن تلمّسه مما ما بين السطور لفرضية أن الإسلام ليس غير إعادة تقديم لبعض الإرث اليهودي العبراني باللغة العربية.

 الشخصية البحثية اليهودية الألمانية التي سنتوقف عندها في هذه المقدمة هي يوسف هوروفيتس (1874–1931) الذي ترك آثاراً لا تمحى على الإستشراق الألماني. إنه ابن الحاخام الأرثوذكسي ماركوس هوروفيتس (1844 – 1910)، والذي درس مع إدوارد زاخاو في جامعة برلين وعمل هناك منذ عام 1902 كمحاضر. بين الأعوام 1907 و 1915، انتقل إلى الهند، حيث قام هناك بتدريس اللغة العربية في كليّة MAO في أليغراه (دعيت لاحقاً جامعة أليغراه الإسلامية) وعلّم هناك اللغة العربيّة بناء على طلب القيّم على دائرة النقوش الإسلامية التابعة للحكومة الهندية. ومن هذا الموقع، عمل على التحضير لمجموعته Epigraphia Indo-Moslemica (1909–1912). وبعد عودته إلى ألمانيا عمل منذ عام 1914 حتى وفاته أستاذاً للغات السامّية في المعهد المشرقي في جامعة فرانكفورت.

منذ تأسيس الجامعة العبرية في القدس عام 1918، كان هوروفيتس أحد أعضاء مجلس الأمناء فيها. فأسّس هناك قسم الدراسات الشرقيّة، وكان مديره. لقد ركّز في دراساته أساساً على أدب التاريخ العربي. ثم نشر عمله الفهرس الأبجدي للشعر العربي القديم. عمله الرئيس كان تفسير القرآن، الذي ظل غير مكتمل. في عمله دراسات قرآنية، 1926، استخدم طريقة في التحليل التفصيلي للغة محمد وصحابته، واستبصارات تاريخية من دراسته الخاصة للنصوص القديمة (الكتاب السنوي للكلية العبرية المتحدة، 2؛ سنسيناتي 1925) أما في الجنّة القرآنية (القدس، 1923) فقد امتحن العلاقة بين الإسلام واليهودية. عمله حول الهند في ظل الانتداب البريطاني ظهر عام 1928 (لايبتسغ: ب غ تويبنر)؛ وقد غطى الحقبة منذ أول سلالة لمسلمي دلهي حتى ظهور غاندي.

استجابة منه لنظرية إيغناس غولدتسيهر التي تقول إن الحديث تم تدوينه في نهاية القرن الثاني وفي القرن الثالث، أظهر هوروفيتس أن جمع الحديث وتدوينه بدأ في الربع الأول من القرن الثاني للهجرة.

لقد ترجمنا لهذا الباحث الهام دراسة طليعية تحمل عنوان، رحلة محمد السماوية؛ ونشرناها في كتابنا حكايا الصعود. وكان بحث هوروفيتس الصغير هذا، المنشور في المجلة الألمانية الشهيرة، الإسلام، الحافز الذي دفع بنا إلى ترجمة ودراسة النص الأبوكريفي، سفر أخنوخ الأثيوبي، ومدى علاقته بميثات الإسراء والمعراج الإسلامية؛ وكذلك النص الأغادي، سلّم يعقوب، الذي كان مصدر موتيفات كثيرة في ميثة رحلة محمد السماوية: بغض النظر عن توقف هوروفيتس الهام عند الأفستا، وقوله إن بعض موتيفات الأفستا تسربت أيضاً إلى الميثة الإسلامية الشهيرة، وساهمت في صياغة كثير من مواضيعها.

جون إدوارد وانسبرو (1928 –2002): كان مؤرخاً أمريكياً علّم في جامعة لندن، كلية الدراسات المشرقيّة والأفريقية. تركّز عمل وانسبرو أساساً على نقد الروايات التقليديّة للإسلام. (دراسات قرآنية: مراجع وطرائق تفسير النص المقدّس، أوكسفورد 1977).

في سبعينيات القرن الماضي، أحدث وانسبرو ضجّة حين قادته بحوثه في مخطوطات بدايات الإسلام، بما في ذلك تحليله للاستخدام المتكرر للصور المتخيلة التوحيدية اليهودية-المسيحية التي وجدها في القرآن، إلى الافتراض بأن ظهور الإسلام كان طفرة لما كان أصلاً طائفة يهودية مسيحية تسعى إلى التوسّع في بلاد العرب، لكنه ليس انتشاراً ثقافيّاً بسيطاً. وقد تبنّى الآراء الواردة في عمله بطرق متباينة عدد من تلاميذه ومن غير تلاميذه، مع أنه ليس ثمة رأي راديكالي متناسق أوحد. وقد كان مضمون رأي وانسبرو المتعلّق بالقرآن هو أن معظم هذا الكتاب قد تم تأليفه بعد تاريخه المعتمد بنحو من مئتي سنة، وأنه ألّف في بلاد ما بين النهرين لا في الحجاز. هذا الرأي الراديكالي شكّل تحديّاً للكائن المسلم أكثر بكثير من الآراء غير الإسلامية المعيارية.

بتفصيل أكثر، يرى وانسبرو أنه مع تقدّم الزمن تبنّت الأسفار المقدّسة اليهودية-المسيحية منظوراً عربيّاً وتحوّلت إلى ما أصبح يعرف اليوم بالقرآن، والذي تطوّر عبر القرون بمساهمات من مصادر لقبائل عربيّة مختلفة. ويقترح بحث وانسبرو أن جزءاً كبيراً من التاريخ التقليدي للإسلام ظهر كتلفيق لأجيال لاحقة تلتمس صياغة هويّة دينية فريدة ومن ثم تبريرها. وضمن هذا السياق، فإن شخصية محمد يمكن النظر إليها كميثة مصنّعة خُلِقت من أجل أن تعطي القبائل العربية نسختهم العربيّة الخاصة للأنبياء اليهود-المسيحيين.

نشر هذا الكتاب أصلاً عام 1977. لكن مقدّمة جون وانسبرو التي ترجع إلى تموز 1975 توضح أن المسودة النهائية للعمل استكملت في تموز 1972 الأمر الذي يعني أن وانسبرو لم يأخذ بعين الاعتبار الدراسات التي صدرت بعد ذلك التاريخ.

هذا الكتاب، كالهاجريون أو ماذا أخذ محمد عن اليهودية، مكتوب من شخصية أكاديمية لأشخاص أكاديميين آخرين. من هنا، تبدو صعوبة قراءته غير معقولة بالنسبة لغير المختص، فالمؤلف يتحرّك برشاقة ملفتة بين لغة إنكليزية أكاديمية عالية المستوى، عربية مكتوبة بالخط العربي، عربية مترجمة، لاتينية، عبرية، يونانية وألمانية. من هنا، يفترض المؤلّف بالقارئ معرفة كاملة باللغة التي اعتاد باحثو الكتاب المقدّس استخدامها لتحليل نص الكتاب المقدّس ومناقشته. لا بد أن نضيف هنا أنه ليس من السهل تلخيص هذا الكتاب، لأنه مكوّن من مقالات كتبت أصلاً على نحو منفصل. ثم أخذت شكل كتاب بقليل من الاندماج.

النسخة التي سنأخذ منها الآن بعض الشواهد هي تلك المنشورة عام 2004 والتي تتضمّن مقدّمة، ترجمات وملاحظات مسهبة، قام على صياغتها الباحث أندرو ريبين، أحد الذين تخرّجوا بإشراف وانسبرو، وهو اليوم أحد أبرز المفكّرين في تيّار الباحث الأمريكي المؤسس.

يتولّى أندرو ريبين تقديم النسخة المشار إليها آنفاً – مساهمة هامة لا تفيد فقط في إدخالنا إلى عالم وانسبرو المغرق في صعوبته، بل تساعدنا نحن أيضاً في توضيح موقفنا من مسألة النقديّة القرآنية والعقبات الواقفة أمام صيرورة انطلاقها نحو مجال لا يمكن أن يُشك في عقلانيته. يبدأ الباحث التلميذ، ريبين، مقدمته لعمل وانسبرو الموسوعي على النحو التالي:

" الدراسة الأكاديمية للقرآن، وهذا ما تمت ملاحظته غالباً، متخلفة جداً عن دراسة الكتاب المقدّس، في حين أنها صيغت على شكلها إلى حد بعيد. ليس فقط أنّ المراجع المتاحة لباحثي القرآن هي أكثر محدودية بكثير من تلك المتاحة لنظرائهم من باحثي الكتاب المقدّس، بل إن عمق التجريبية الطرائقية في التعامل مع النص الروحاني [القرآن] محددة على نحو كبير إذا ما قارنا بين الطرفين. هذا الوضع يمكن توضيحه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار كم البحوث الواضح الذي تم إنتاجه وعدد العلامات الفارقة البحثية التي تتواجد في هذا الحقل. فالبحوث الكتابية [المتعلّقة بالكتاب المقدّس] الحديثة تملأ المكتبات أكثر بمرات عديدة من حجم تلك التي كرّست للقرآن. وكل مذهب فرعي في الدراسات الكتابية له مجموعته الخاصة من " الأعمال الكلاسيكية ". بالمقابل، ما يزال ممكناً الإشارة إلى أعمال فردية في تاريخ دراسة القرآن؛ كما يمكن إظهار النصوص المحورية التي توفر الأساس لجميع الدراسات اللاحقة ".

بكلام أبسط نقول، في حين أنّ الأعمال التي تقارب الكتاب المقدّس اليهودي-المسيحي كثيرة إلى درجة أنه لا يمكن إحصاؤها أو حتى تقديم بيبلوغرافيا جامعة مانعة لنقديّات الكتاب المقدس على امتداد التاريخ والجغرافيا، فإن النقدية القرآنية مسألة لا تكاد تذكر، إلى درجة أنه يمكن بسهولة مروعة تعداد تلك الأعمال التي تناولت القرآن نقدياً، خاصة وأن ما عرفته اللغة العربية، التي كُتب بها القرآن أساساً، من أعمال يمكن عنونتها " بالنقديّة القرآنية "، تكاد أن لا تكون موجودة.

بعودة جديدة إلى ريبين، نقرأ: "كان وانسبرو أول شخص يُخضع للتحليل البحثي مجموعة كاملة من النصوص الأدبية معزوة للقرون الإسلامية الأربعة الأولى والتي تقف كشاهد على وصول القرآن إلى موقع المرجعية المطلقة عند الجماعة [كنّا نفضّل هنا لو يستخدم الباحثون الغربيون التعبير اليهودي، "الأمة"، عوض مصطلح "الجماعة" المسيحي التضمينات] الإسلامية. ومع أنه من المعروف أن هذه الأعمال التفسيرية كانت قيد الوجود، وأن سيزغين Sezgin صنفها بإخلاص شديد، فإنه ما من باحث قرأ هذه النصوص بالفعل وحاول من ثم تقديم معنى متماسكاً لهذه المواد. وكان هذا أحد إنجازات وانسبرو الرئيسة كما يعكس هذا الكتاب، الذي يورد قائمة بأسماء سبعة عشر عملاً مخطوطاً. من المهم أن نلاحظ هنا، أن معظم هذه الكتب لم يجر تنقيحها أو طباعتها حتى الآن".

يمضي ريبين في صوغ السؤال الذي يحاول طرحه وانسبرو وغيره من الباحثين: "السؤال يدور أساساً حول ما نعنيه "بالقرآن" وأي نوع من الأدلة بحوزتنا للإجابة على مثل هذا السؤال. هناك قدر كبير من عدم اليقين بالنسبة لما نعنيه هنا "بالقرآن". لكن وانسبرو يتحدّث بالتأكيد عن شيء له أهيمته، وليس عن مجرد بنيان نظري. ما أود قوله إنه عندما نتحدّث عن القرآن في هذا السياق، خاصة إذا ما أردنا إجراء مناقشة للمسألة نصل منها إلى مغزى، لا بد أن ندخل إلى حيز الملعب ثلاثة عناصر: الأول، يجب أن يكون هنالك هيئة ثابتة للنص الذي هو، ثانياً، مكتوب، وثالثاً، لديه قدر من القبول ضمن مجموعة من الناس وذلك بوصفه مصدر للمرجعية".

بالانتقال إلى وانسبرو شخصيّاً، نقرأ في مقدمته التي تحاول استعادة مشهد ولادة القرآن التالي: " كسجل للوحي الإسلامي لا يتطلّب الكتاب [القرآن] مقدّمة. [بالمقابل]، من غير المعروف افتراضياً [أن هذا الكتاب] كان كوثيقة عرضة للتحليل بأدوات وتقنيات [مستمدة] من النقديّة الكتابية. العقبات المذهبية [العقائدية] التي أعاقت تقليدياً هذا النوع من البحث، من ناحية أخرى، معروفة للغاية. ليس فقط العقائد مثل تلك التي تعرّف الكتاب المقدّس [للمسلمين] على أنه كلمة الله غير المخلوقة والتي تقول بالإعجاز الشكلي والجوهري [له]، لكن أيضاً فإن كامل مجموعة الهستوغرافيا الإسلامية، عبر تقديمها لتقرير متماسك و معقول تقريباً حول الظروف المحيطة بالوحي القرآني، لم تشجع على فحص الوثيقة [القرآن] باعتبارها ممثلة لنمط أدبي. لكن الهستوغرافيا، مثل باقي الأنواع الأدبية، تأخذ جزءاً هاماً من زخمها من الوسائل البلاغية التي تعتمد للتعبير، إذا صح القول ، على تقنيات مصممة، مطوّرة، أو مستعارة لتقوية تواصلها أو تفسيره. والتقارير التاريخية حول الوحي القرآني ليست استثناء، فقد بدا لي أن التحليل البنيوي، ليس فقط لنص الكتاب المقدّس [القرآن] بل أيضاً للدليل الآخر المتداعي مع تكوينه ومع تفسيره، يمكن أن ينتج بعض المقارنات المفيدة مع الهستوغرافيا التقليدية ".

بكلمات أخرى، عبر البحث في نص القرآن ونصوص الكتابات التاريخية الإسلامية التي ما تزال قائمة لليوم حول القرآن، اعتبر وانسبرو أن باستطاعته الوصول إلى تفسير بديل لأصول كتاب المسلمين المقدّس.

في تناوله لمسألة القرآن كوثيقة، يبدأ هنا عبر تقديمه لوجهة نظره الشاملة حول كتاب المسلمين المقدّس: " من ناحية الشكل والمفاهيم، الكتاب المقدّس عند المسلمين يأخذ من مخزون الصور عند التوحيديين، والذي يمكن وصفه بمخطط الوحي... لقد اختصرت المادة الروائية أصلاً على نحو ثابت تقريباً إلى سلسلة من التصريحات المنفصلة والمكافئة. مثال توضيحي هنا هو سورة يوسف، التي يتم الاستشهاد بها غالباً كمثال وحيد للرواية الكاملة والمتواصلة في القرآن، لكن الواقع أنه دون مساعدة التفاسير فإن لا شيء واضح في قصة يوسف القرآنية، لكنها تتضح عبر العرض بيضاوي الشكل للقصة من ناحية وعبر الإشارات العرضية إلى الروايات المتعلقة بها من خارج الكتاب المقدّس من ناحية أخرى، ومثال على ذلك المقابلة بين 24، 67، 77. لذلك يمكن الافتراض بالفعل أن الجمهور الذي كان الكتاب المقدّس عند المسلمين موجهاً له كان يتوقع أن يتم تقديم تفصيل ضائع إليه. إن المعالجة المميزة الخاصة بالأسلوب القرآني حول ما لمحت إليه كمخطط وحي، متمايزة مرجعياً، وذلك بالمقابلة مع التفاسير".

بالنسبة لمسألة تأليف القرآن، يفصّل وانسبرو مسرح الأحداث الذي ظهر عليه كتاب المسلمين المقدّس بقوله إنه يرى أن القرآن يتناسب مع التقليد الأكثر اتساعاً المتعلّق بالنصوص المقدسة اليهودية والمسيحية التي سبقته. كما أنه يقرّ بأن المسلمين يعتبرون أن القرآن يكمل وينجز ما سبقه من وحي.

" إجراءات النقل والحفظ تتطلّب أن تتفق كلمة الله مع نماذج معترف بها للكلام البشري. من تحليل المخطط البلاغي وتقاليد القراءات، المعاني التفسيرية والاستيعاب المفاهيمي، يمكن الافتراض أن الوحي القرآني ليس استثناء للقاعدة العامة. لكن عملية المحاكاة هي عملية صعبة. عزل مثل تلك الصور التوحيدية كسمة لمقولات مثل العقاب والآية الإلهيين، العهد والسبي، يشير إلى اختراق أنماط أدبية كانت موجودة آنئذ للكتاب المقدّس عند المسلمين. مع ذلك، فإن أسلوب التلميح المجرّد الموجود في تلك الوثيقة سيظهر وكأنه يستبعد افتراض وجود علاقة تفسير رمزي (علم الأنماط) المعترف بوجودها بين العهدين القديم والجديد. إن أنموذج الإكمال ( figuram implore)، لا يمكن انتزاعه، أو على الأقل يصعب جداً انتزاعه، من المقارنة بين كتاب المسلمين المقدّس ونظيره العبراني. وأن هذا ليس مجرد استدلال سلبي من الغياب لرباط صريح للنوع المؤسس بين الأسفار المقدّسة المسيحية والعبرانية لا بد من توضيحه من فحص للأنماط القرآنية بحد ذاتها، والتي تعكس، لكنها لا تطوّر، معظم المقولات المرتبطة تقليدياً بأدب التعبير النبوي. إذا تم الاعتراف بالزعم بأن القرآن يجب وضعه ضمن ذلك التقليد الأدبي الواضح التعريف ، فإن أحداً لن يكون مع ذلك دقيقاً في وصف تلك الوثيقة على أنها تظهر أساساً  كالكاً [استعارة حرفية من لغة أخرى] لصيغ ثابتة أكثر قدماً. العلاقة بالمقابل أكثر تعقيداً، على الأقل بسبب أن مصادر الكتاب المقدّس للمسلمين ما تزال محط جدل".

 يبدو وانسبرو وكأنه يمتلك آراء مسبقة حول كيف كان سيكتب القرآن وما كان يجب عليه قوله وذلك حين نجده مستمراً في " تطوير معظم المقولات المتداعية تقليدياً مع أدب التعبير النبوي ". كذلك فإن وانسبرو يكرر تأكيده القديم بأن القرآن نشأ من خلال الجدليات ضمن الجماعة الإسلامية ذاتها. لذلك يرفض وانسبرو الرأي التقليدي بأن القرآن نزل على مراحل وأن تسلسل الوحي زمنياً أمر معروف. وهو يستهلك عدداً من الصفحات ليحلل مسألة ظهور جعفر بن أبي طالب أمام حاكم إثيوبيا حين أرسلت قريش وفداً لتأمين عودة المهاجرين إلى مكة. ويناقش وانسبرو هنا عدداً من روايات مختلفة تتعلق بهذه القصة في المخطوطات التي بين يديه ليصل إلى نتيجة مفادها أن ما قيل حول التسلسل الزمني للوحي في سورة مريم أمر لا يمكن الركون إليه.

يذكر وانسبرو رأي الباحثين قبله بمسألة الروايات الإسلامية ومن ثم يصرف النظر عنه:

" التحليل النقدي للتقاليد المقدّم في الجزء الثاني من العمل التأسيسي لنولدكه-شفالّي، والذي يمكن أن نقرأ فيه حكم الكاتبين الختامي في مسألة التعارض القطري  diametrical  بين صياغة النص القانوني للقرآن وصياغة الكتابات المسيحية واليهودية المقدّسة؛ يقول: " ظهور النص القانوني عند المسلمين أمر استثنائي بالكامل؛ بل يمكن للمرء القول إنه قد شُكّل بما يناقض المعايير المتعارف عليها. إنه ليس عملاً لكتّاب عديدين، بل هو عمل لرجل أوحد أكمله في فترة قصيرة لا تتعدّى الجيل الأوحد ". يبدو لي الآن على الأقل أنه يمكن البرهنة بدليل من القرآن ذاته، بمعزل تماماً عن الدليل من روايات في التفاسير، على أن هذا التأكيد لا يحظى إلا بالقليل النادر من الدعم. ويظهر بالفعل من وصفي لتلك الوثيقة أن كتاب المسلمين المقدّس ليس تأليفاً مفرداً، بل أيضاً، وذلك يمكن الاستدلال عليه من التحليل المتعلق بالأنماط للتفاسير القرآنية، أن الفترة اللازمة لإنجازه احتاجت على الأرجح لأكثر من جيل أوحد ". 

إذن: ورغم أن ما تركه نولدكه-شفالي في عالم البحثية الإسلامية أوغل بصمته في الاستشراق حتى اليوم، فقد رفض وانسبرو المقولة المركزية في بحثهما التأسيسي من أن القرآن " عمل لرجل أوحد أكمله في فترة قصيرة لا تتعدّى الجيل الأوحد "، حين قال عن الكتاب ذاته، إنه " ليس تأليفاً مفرداً [أي، لفرد أوحد] " وإن " الفترة اللازمة لإنجازه احتاجت على الأرجح لأكثر من جيل أوحد ".

يستمر وانسبرو في انتقاده الباحثين الآخرين الذين يسعون إلى فهم القرآن اعتماداً على التسلسل الزمني التقليدي لآياته. يقول هذا الباحث البارز: " بالنسبة للمادة القرآنية التي تخص إبراهيم، فقد طوّر بيك ومبارك دراساتهما من التزام اعتباطي بالتسلسل الزمني التقليدي للوحي وانتهيا بمسح تاريخي " لموقف النبي [محمد] المتغيّر حيال الآباء [آباء سفر التكوين] ". البرهنة على " التطوّر التاريخي لإبراهيم في القرآن " هو تطوّر لشخصية مركبة من صورة ثنائية أصلاً،  وهو ما يتطلّب ليس فقط تسلسلاً زمنياً يمكن التحقق منه لآيات الوحي بل أيضاً الوحدة البنيوية للنص القانوني. والاثنان أُكّد عليهما على حد سواء؛ لكن ما من أحد منهما قد تم إثباته ".

إضافة إلى ما سبق، يظهر وكأن وانسبرو يعتبر أن التكرار في القرآن يستبعد أيضاً أن يكون هنالك كاتب واحد لهذا النص المقدّس، أو حتى لجنة تحرير، كما تتحدّث الروايات الإسلامية. بدلاً من ذلك، يظهر وكأنه  يجادل بأن مقاطع النص، الذي اعتبر للتو بأنه مقدّس، ألصقت ببعضها لتشكيل القرآن.

" الموقع المتطرّف الذي يحتله " النص المقدّس " في علم النبوّة الإسلامي يتطلّب أن يُفحص في ضوء مبدأين يُفسّران عموماً بأنهما فريدان بالنسبة للاهوت الإسلامي، أي، أن القرآن لا يضاهى وأنه كلمة الله غير المخلوقة. مناقشة المبدأين على حد سواء تحوّلت إلى شكل كلام الله ومحتواه اللذين يبدو أنهما اتخذا بعداً خارج كل أقسام دوره كحسن نية نبوي. وفي حين أن هذا الدور لم يهمل قط، قد يبدو أكثر واقعية أن نفترض أن صفتي الإعجاز والأبدية كانتا قد صيغتا في محاولة لتأمين موقع لوثيقة الوحي ضمن الجماعة الإسلامية. إن واقعة القوننة canonicity [اختيار ما هو قانوني وما هو غير قانوني]، المفترضة هنا كنتيجة لصيرورة بناء معرفي للجماعة  Gemeindebildung [الجماعة الإسلامية الأولى] هي ذات صبغة طويلة ومتفاوتة، والتي كان المعني بها قبول النص المقدّس ليس فقط كدليل على المهمة الإلهية لإنسان واحد، لكن أيضاً وعلى نحو أكثر خصوصية، الإقرار بمرجعيته في حياة الجماعة ".

"إن التعاون بين الوحي القرآني وصيرورة البناء المعرفي للجماعة  Gemeindebildung  كان إنجازاً لتفسير هاغادي haggadic  [هاغاداه أو أغاداه، هي قصة تتعلق بشخصية دينية لها طابع أسطوري عموماً] والذي رُبطت فيه بحرص مراجع النص الموحى به التي لا نعرف أسماء أصحابها أساساً بالشخصية المستقلّة أصلاً للنبي العربي. الأدوات الأدبية الهاغادية كانت كثيرة ومتنوعة. والمدى الذي اهتم به الهاغاديون من أجل توضيح أولاً نصاً مقدّساً ثابتاً كان قد خضع لنوع من المبالغة. وإذا كان من المناسب وصفنا لجزء على الأقل من عمل ابن اسحق، على سبيل المثال، بأنه تفسيري، لكان من الممكن أن يكون الوصف مضللاً إذا قيض للمصطلح التقني أن يتم بناؤه بمعناه التقليدي، تفسير النص (explication de texte) ,... كل السويات البنيوية تُظهر دفعة واحدة قلقاً من أجل أن تموضع أصول الإسلام في الحجاز".

يمضي وانسبرو مفسّراً وجهة نظره بأن القرآن قد تم تأليفه من مجموعات نصوص منفصلة والتي كانت قد أحرزت لتوها مكانة دينية ضمن الجماعات المختلفة التي نشأت فيها، ويؤكّد بشكل خاص على بلاد ما بين النهرين. ويتغاضى عن الرأي القائل بوجود جماعات يهودية في الحجاز:

"بعض الباحثين، ومن ضمنهم بن-زفي وكاتش، كانوا كريمين على نحو مفرط في تقديرهم للقيمة الوثائقية لمواد المصادر الإسلامية [لإثبات] وجود الجماعات اليهودية في الحجاز و[إثبات] أهميتها الثقافية، وهي جماعات لا نجد ذكراً لها في المراجع اليهودية. الإشارات في الأدب الربّاني [الحاخامي] إلى شبه جزيرة العرب لا تمتلك ما يكفي من الأهمية لأغراض إعادة بناء تاريخية، خاصة بالنسبة للحجاز في القرنين السادس والسابع. إن عدم التوافق بين المراجع الإسلامية وتلك اليهودية كان فقط قد تم تحييده على نحو متحيز، لكن استبدادية الأصول الحجازية للإسلام مبرهن عليها بالكامل، وذلك بالتركيز على هجرة يهودية كبيرة إلى وسط شبه جزيرة العرب. وبعض المواد التي جمعها رابين، مثل المفهوم الأبوكاليبتي والتزيينات لعلم الأنبياء، تمثّل بالطبع انتشاراً عبر الاحتكاك، لكنها لا تتطلّب خروجاً من اليهودية [منطقة في فلسطين] إلى الصحراء العربية ".     

يمضي وانسبرو لمناقشة آراء الباحثين مثل شاخت بأن الفقه الإسلامي أصلاً لم يعتمد على القرآن أو السنة واستخدامهما في الفقه جاء متأخراً.

يقدّم وانسبرو آراءه المتعلّقة بالقراءات المختلفة للنص القرآني؛ وهو أكثر ما يهمنا هنا. ومن خلال القراءات المختلفة يمكننا أن نستنتج، برأيه، وجود نسخ عديدة للقصة ذاتها ضمن نص القرآن: "يمكن مقاربة معضلة القراءات المختلفة على نحو مفيد عن طريق التمييز بين القراءات المختلفة، القلق المشروع للماسورتيين، وروايات القراءات. في أدب التفاسير الإسلامي يتم شرح الأخيرة، أو تفاديها، عبر الإشارة إلى التسلسل الزمني للوحي، والذي من خلاله يمكن تسويغ التكرار الذي لا لبس فيه للنص القرآني. إن نسخ التسلسل الزمني، إضافة إلى التقاليد ذات العلاقة بلحظة الوحي، اعتبر معياراً كافياً من أجل وصف جمع النص وحفظه من قبل الجماعة الإسلامية. لكن روايات الفروقات موجودة بكمية تكفي للفت الانتباه إلى وصف العملية التي صار بها الوحي نصّاً قانونياً. خلافاً للتفصيلات التي يمكن الحصول عليها من القراءات المختلفة  variae lectiones، فإن تحليل روايات الفروقات سوف لن يدعم نظرية النص الأصلي  Urtextولا حتى نظرية تحرير مركّب قامت به لجنة بطريقة مدروسة، فكلاهما، دون أن يفاجئنا ذلك، يمكن أن تعزا إلى نصوص أولية  Vorlagenحاخامية. تحاليل كهذه تشير، على الأرجح، إلى وجود تقاليد مستقلّة، وربما تكون اقليمية، دمجت دون مس تقريباً ضمن التوليفة القانونية، والتي هي بحد ذاتها نتاج التوسع والصراع ضمن  الجماعة الإسلامية".

آرثر جفري (18 تشرين الأول 1892 في ملبورن – 2 آب 1959 في ساوث ملفورد، نوفا سكوتيا، كندا) هو واحد من أهم الباحثين من غير العرب الذين درسوا القرآن لسنوات عديدة ثم نشروا عدة أعمال خالدة تقارب القرآن نقديّاً.ورغم الصعوبة البالغة للعمل النقدي على القرآن لباحث يعيش بين المسلمين، الذين يعتقدون بلا كيف أن القرآن هو كلام الله غير المخلوق وبالتالي فهو الله ذاته – هل يمكن أن نقارن هنا بين المسيح الكنيسة التقليدية من ناحية وبين القرآن في المسجد التقليدي؟ - فقد قدّم هذا المفكّر الكبير أعمالاً كثيرة ترجما له منها، " القرآن ككتاب مقدّس"، كما لا يمكن غير الإقرار بأن سلسلة فروقات المصاحف ليست غير توسع موثّق ضخم لكتابه، مواد من أجل تاريخ القرآن النصّي. آرثر جفري هو أسترالي بروتستانتي كان أستاذاً للغات السامية من عام 1921 في مدرسة الدراسات الشرقية في القاهرة، ومن عام 1938 حتى وفاته في جامعة كولومبيا والمعهد اللاهوتي المتحد في نيويورك. إنه مؤلّف لدراسات تاريخية واسعة حول مخطوطات الشرق الأوسط.

من أعماله الهامة: مواد من أجل تاريخ القرآن النصّي ؛ المصاحف القديمة؛ الألفاظ الغريبة في القرآن؛ وهو يتناول أصول 318 كلمة غير عربية موجودة في القرآن؛ القرآن ككتاب مقدّس، الذي ترجمناه إلى العربية وقمنا بنشره قبل زمن طويل.

بعض دراسات جفري يمكن أن نجدها في الكتاب الذي حرّره ابن الوراق، الباحث الشهير اليوم، وصاحب كتاب، لماذا أنا لست مسلماً (ترجمه أحد طلابنا إلى العربية ولم ينشر حتى اليوم)، والذي يحمل عنوان، أصول القرآن: مقالات كلاسيكية حول كتاب الإسلام المقدّس.



([1] ) الحاخام لويس غنزبرغ هو واحد من أبرز الشخصيات البحثية في علوم التلمود؛ كذلك فهو من أبرز رموز الحركة المحتفظة اليهودية في القرن العشرين. ولد غنزبرغ عام 28 تشرين تشرين الثاني، 1873، في كاوناس، اقليم فيلنا، ( دعي لاحقاً كونفو )، ليتوانيا؛ ومات في الحادي عشر من تشرين الثاني، 1953، في مدينة نيو يورك.

يعتبر كتابه " أساطير اليهود " واحداً من أهم التي تناولت مسألة أساطير اليهود خارج التوراة. من هذا العمل الموسوعي أخذنا بعض الفقرات التي نشرناها في كتابنا المترجم، محمد نبي الإسلام. من أجل قراءة العمل؛ يمكن التواصل على موقع:http://www.gutenberg.org/cache/epub/1493/pg1493.html

 

([2] ) " وأما الكنائس فجمع كنيسة، وهي لأهل الكتابين. ولليهود خاصة الفُهُر-بضم الفاء والهاء- واحدها فُهْر، وهو بيت المدراس الذي يتدارسون فيه العلم.

وفي الحديث "أن رسول اللّه في دخل على اليهود بيت مدراسهم ".

وفيه أيضاً قول أنس: "كأنهم اليهود حين خرجوا من فهرهم ". وحكم هذه الأمكنة كلها حكم الكنيسة وينبغي التنبيه عليها. " (ابن قيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، 219 ).

" وسمّي بيت تعلّم اليهود المدراس " (محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير من التفسير، 1383 ).      

وقد كانت لليهود مواضع يتدارس فيها رجال دينهم أحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبار الرسل والأنبياء، وما جاء في التوراة والمشنا، وغير ذلك. عرفت بين الجاهليين ب "المدراس" و "بيتالمدراس" "والمدراش". وأطلق الجاهليون على الموضع الذي يتعبد اليهود فيه "الكنيس" و "كنيسة اليهود" تمييزاً لهذه الكنيسة عن "الكنيسة" التي هي لفظة خاصة بموضع عبادة النصمارى. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الكنيسة كلمة معربة من "كنشت" وهي لليهود، والبيعة للنصارى. وذهب بعض آخر إلى أنها متعبد الكفّار مطلقاً. وقد أخذ الجاهليون مصطلح "المدراس" من العبرانيين، من لفظة "مدراش" Midrash التي هي من أصل "درش"Darash التي تقابل "درس" في العربية، وتؤدي هذه الكلمة المعنى المفهوم " من لفظة "درس" العربية تمام الأداء. ويقصد بالمدراش درس نصوص التوراة وشرحها وتفسيرها وإيضاح الغامض منها وأسرارها وامثال ذلك، وينهض بذلك المفسر الشارح "درشن" Darshan، ولكل طريقة واسلوب. وقد نجمت عن هذه الدراسة ثروة أدبية ودينية طائلة للعبرانيين. نتجت من اتباع جملة طرق في الشرح والتفسير، منها "مدراش هلاخه" Midrash Halachah و "مدراش هاكاده " Midrash، Haggadah، وتختلف هذه في كيفية اتباع طرق العرض والشرح والتفسير. ولم يكن المدراس "المدراش" موضع عبادة وصلوات حسب، بل كان إلى ذلك دار ندوة ليهود يجتمعون فيه في أوقات فراغهم لاستئناس بعضهم ببعض وللبحث في شؤونهم، وللبت في القضايا الجسيمة الخطرة على اختلاف درجاتها.

فهو اذن مجمع الأحبار ومجمع الرؤساء والسادات وأصحاب الشرف فيهم، واليه كان يقصد الجاهليون حين يريدون أمراً من الأمور أو الاستفهام عن شيء يريدون الوقوف عليه، والية ذهب الرسول وكبار المسلمين لمحادثة يهود ومجادلتم فيما كان يحدث بينهم من خلاف أو من أمر يريدون البت فيه. ويقال انهم عرضوا أمام الرسول كتبهم، فكان يقرأها له بعضهم ممن دخل في الإسلام كعبد الله بن سلام أو بعض المسلمين ممن كان له علم وفهم في العبرانية لغة يهود.

قال "ابن عباس": "دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن سرو، والحارث بن زبد: على أي دين أنت يا محمد ? فقال على ملة ابراهيم ودينه. فقالا: فإن ابراهيم كان يهودياً. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبوا عليه". ويظهر ان هذا المدراس كان من بيوت مدراسهم بيثرب ". (د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1552 ).  " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس؛ فقال: أخرجوا الي أعلمكم! فقالوا: عبد الله بن صوريا فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فناشده بدينه وبما أنعم الله به عليهم وأطعمهم من المن والسلوى وظللهم به من الغمام: أتعلم أني رسول الله؟ قال: اللهم نعم وان القوم ليعرفون ما أعرف وان صفتك ونعتك لمبين في التوراة ولكنهم حسدوك " ( طبقات ابن سعد، 68 ). قريب منه: ابن الجوزي، صفة الصفوة، 13؛ سيرة ابن هشام، 204؛ نور الدين الحلبي، السيرة الحلبية، 489.

الخبر ذاته نجده في نص آخر، وإن بصيغة مختلفة:" فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس، فقال: يا معشر يهود أخرجوا إلى علماءكم، فأخرجوا إليه عبد الله صوريا وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا فقالوا: هؤلاء علماؤنا فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: هذا عبد الله بن صوريا أعلم من بقي بالتوراة: فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا فقال له: يا بن صوريا أنشدك الله، وأذكرك بأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم ان الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة ? قال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم انهم ليعرفون انك لنبيٌ مرسل، ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر برجمهما فرجما عند باب مسجده، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، 1860). قريب منه: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في معرفة الصحابة، 640؛ سيرة ابن هشام ابن هشام، 199؛ تهذيب سيرة ابن هشام، عبد السلام هارون، 174.

خبر آخر بطله هنا أبو بكر: " ودخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى بيت المدراس على يهود، فوجد جماعة كثيرة منهم قد اجتمعوا إلى حبر من أحبارهم يقال له فنحاص، ومعه حبر آخر يقال له أشيع؛ فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص! اتق الله وأسلم، فوالله انك لتعلم محمدا لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والأنجيل " ( السابق، 1858 ). مثله أيضاً: ابن سيّد الناس، عيون الأثر في المغازي والسير، 137، عبد السلام هارون، تهذيب سيرة ابن هشام، 172؛ محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير من التفسير، 866؛ د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1551؛ سيرة ابن هشام، 201.

خبر آخر حول بيت المدراس بأبطال آخرين: " وفي تفسير ابن عطية والكشاف وأسباب النزول للواحدي أن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس وفيه فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس وغيرهما من اليهود فقالوا لحذيفة وعمار "ألم تروا ما أصابكم يوم أحد ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير ونحن أهدى منكم" " (محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير من التفسير، 866 ).

" قال ابن عباس: هذه الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني على ملة إبراهيم ". فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ". فأبيا عليه فنزلت الآية. " ( تفسير القرطبي، 720 ). قريب منه: عبد السلام هارون، تهذيب سيرة ابن هشام، 169.

" من حديث ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بيننا. [ وفي نص ]: فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، فقال: " أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن "، فقالوا: يحمم وجهه ويجبه ويجلد " ( تفسير القرطبي، 1182 ).

" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن في المسجد خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقوا إلى يهود، فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم فقال: يا معشر اليهود، أسلموا. فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال: ذلك أريد. فقال أسلموا. فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك أريد. ثم قالها الثالثة فقال: اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله " (ابن قيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، 58 ).

" ويؤيّده أنّه ورد في حديث البخاري وغيره أنّهم لمّا استفتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم انطلق مع أصحابه حتّى جاء المدراس وهو بيت تعليم اليهود وحاجّهم في حكم الرّجم، وأجابه حبران منهم يدعيان بابني صوريا بالاعتراف بثبوت حكم الرجم، في التّوراة؛ وإمّا أن يكونوا حكّموا النبي صلّى الله عليه وسلّم قصدا لاختباره فيما يدّعي من العلم بالوحي، وكان حكم الرجم عندهم مكتوما لا يعلمه إلاّ خاصّة أحبارهم، ومنسيا لا يذكر بين علمائهم، فلمّا حكم عليهم به بهتوا، ويؤيّد ذلك ما ظهر من مرادهم في إنكارهم وجود حكم الرّجم. ففي صحيح البخاري أنّهم أنكروا أن يكون حكم الرجم في التّوراة وأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء المدراس فأمر بالتّوراة فنشرت فجعل قارئهم يقرأ ويضع يده على آية الرجم وأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أطلعه الله على ذلك فأمره أن يرفع يده وقرئت آية الرجم واعترف ابنا صوريا بها. وأيّامّا كان فهذه الحادثة مؤذنة باختلال نظام الشّريعة بين اليهود يومئذ وضعف ثقتهم بعلومهم. " (محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير من التفسير، 1137 ).

 

([3] ) "  وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " ( 78:3 ).

التفسير:

يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الْيَهُود عَلَيْهِمْ لَعَائِن اللَّه أَنَّ مِنْهُمْ فَرِيقًا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه وَيُبَدِّلُونَ كَلَام اللَّه وَيُزِيلُونَهُ عَنْ الْمُرَاد بِهِ لِيُوهِمُوا الْجَهَلَة أَنَّهُ فِي كِتَاب اللَّه كَذَلِكَ وَيَنْسُبُونَهُ إِلَى اللَّه وَهُوَ كَذِب عَلَى اللَّه وَهُمْ يَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسهمْ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا وَافْتَرَوْا فِي ذَلِكَ كُلّه

... يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ قِيلَ الْكَذِب عَلَى اللَّه , وَالشَّهَادَة عَلَيْهِ بِالْبَاطِلِ , وَالْإِلْحَاق بِكِتَابِ اللَّه مَا لَيْسَ مِنْهُ طَلَبًا لِلرِّيَاسَةِ وَالْخَسِيس مِنْ حُطَام الدُّنْيَا .

" مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً " ( 46:4 ).

ثمة آية في سورة البقرة، 79، لم تلق ما تستحق من الانتباه، تشير إلى أن بعض العرب في المدينة كانوا يشترون من أحبار يهود آيات زعم الأخيرون أنها من التوراة ثم تبين للنبي لاحقاً أنها ليست كذلك: " وَقَوْله تَعَالَى " فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ". هَؤُلَاءِ صِنْف آخَر مِنْ الْيَهُود وَهُمْ الدُّعَاة إِلَى الضَّلَال بِالزُّورِ وَالْكَذِب عَلَى اللَّه وَأَكْل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ وَالْوَيْل وَالْهَلَاك وَالدَّمَار ...

عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا" فَوَيْل لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ ؛" قَالَ: هُمْ أَحْبَار الْيَهُود وَكَذَا قَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة هُمْ الْيَهُود وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَلْقَمَة سَأَلْت اِبْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَنْ قَوْله تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ؛ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكِتَاب! وَقَالَ : السُّدِّيّ كَانَ نَاس مِنْ الْيَهُود كَتَبُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدهمْ يَبِيعُونَهُ مِنْ الْعَرَب وَيُحَدِّثُونَهُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه فَيَأْخُذُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا...". فمن كان يشتري تلك الآيات من أحبار اليهود، ولماذا غضب محمد وبالتالي الله عليهم؟ الجواب الأكثر منطقية هنا هو أن محمداً كان يرسل من يشتري آيات توراتية ربما تكون مترجمة من أحبار اليهود لأسباب بعينها، ليكتشف من ثم عن طريق بعض المقرّبين منه من اليهود أنها ليست كذلك. فصبّ جام غضبه الكاسح عليهم.

يقول تفسير آخر للآية: "الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتَاب اللَّه مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل ... ثُمَّ بَاعُوهُ مِنْ قَوْم لَا عِلْم لَهُمْ بِهَا وَلَا بِمَا فِي التَّوْرَاة جُهَّال بِمَا فِي كُتُب اللَّه لِطَلَبِ عَرْض مِنْ الدُّنْيَا خَسِيس , فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : { فَوَيْل لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ وَوَيْل لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } . [و ] كَانَ نَاس مِنْ الْيَهُود كَتَبُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدهمْ يَبِيعُونَهُ مِنْ الْعَرَب , وَيُحَدِّثُونَهُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه لِيَأْخُذُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ". ثم يُضاف: " كَانَ نَاس مِنْ بَنِي إسْرَائِيل كَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ لِيَتَآكَلُوا النَّاس , فَقَالُوا : هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه , وَمَا هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه ". وبعدها، " لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب الَّذِي وَصَفْنَا أَمْره مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل مُحَرَّفًا , ثُمَّ قَالُوا : هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه ; ابْتِغَاء عَرَض مِنْ الدُّنْيَا بِهِ قَلِيل مِمَّنْ يَبْتَاعهُ مِنْهُمْ . ... وَيَكْسِبُونَ مِنْ الْحَرَام بِكِتَابِهِمْ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ , بِخِلَافِ مَا أَنَزَلَ اللَّه , ثُمَّ يَأْكُلُونَ ثَمَنه وَقَدْ بَاعُوهُ مِمَّنْ بَاعُوهُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كِتَاب اللَّه ".

بالمناسبة، ثمة تفسير للأميين – نحن نعتقد أن الأميين هم الذين لا يؤمنون بكتاب مقدّس، بعكس اليهود والمسيحيين أو النصارى – يتنافى مع المعنى الشائع عند العوام، أي من لا يجيد القراءة والكتابة: " عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : الْأُمِّيُّونَ قَوْم لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أَرْسَلَهُ اللَّه , وَلَا كِتَاب أَنَزَلَهُ اللَّه , فَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ , ثُمَّ قَالُوا لِقَوْمٍ سَفَلَة جُهَّال : { هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ : عَرَضًا مِنْ عَرَض الدُّنْيَا ". (راجع تفسير ابن كثير، القرطبي والطبري للآية ).

{ وَيْل } فَالْعَذَاب الَّذِي هُوَ شُرْب صَدِيد أَهْل جَهَنَّم فِي أَسْفَل الْجَحِيم لِلْيَهُودِ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْبَاطِل بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه .

كَانَ نَاس مِنْ الْيَهُود كَتَبُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدهمْ يَبِيعُونَهُ مِنْ الْعَرَب , وَيُحَدِّثُونَهُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه لِيَأْخُذُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ... عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : الْأُمِّيُّونَ قَوْم لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أَرْسَلَهُ اللَّه , وَلَا كِتَاب أَنَزَلَهُ اللَّه , فَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ , ثُمَّ قَالُوا لِقَوْمٍ سَفَلَة جُهَّال : { هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } قَالَ : عَرَضًا مِنْ عَرَض الدُّنْيَا . ... كَانَ نَاس مِنْ بَنِي إسْرَائِيل كَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ لِيَتَآكَلُوا النَّاس , فَقَالُوا : هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه , وَمَا هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه .

...{ وَوَيْل لَهُمْ } أَيْضًا { مِمَّا يَكْسِبُونَ } يَعْنِي مِمَّا يَعْمَلُونَ مِنْ الْخَطَايَا , وَيَجْتَرِحُونَ مِنْ الْآثَام , وَيَكْسِبُونَ مِنْ الْحَرَام بِكِتَابِهِمْ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ , بِخِلَافِ مَا أَنَزَلَ اللَّه , ثُمَّ يَأْكُلُونَ ثَمَنه وَقَدْ بَاعُوهُ مِمَّنْ بَاعُوهُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كِتَاب اللَّه .

" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ " ( 44:4 ).  

 

([4] ) بنو قنيقاع:

أمر الرسول بجمع أموالهم وأسلحتهم، ثم قسمها على الأنصار بعد أن حجز منها الخمس وأبقى لبني قنيقاع ذراريهم ونسائهم وأمهلهم ثلاثة أيام، ولما رحل بنو قنيقاع من يثرب نزلوا بوادي القرى حيث احتفى بهم إخوانهم من اليهود، فأقاموا عندهم على الرحب والسعة، إلى أن رحلوا نهائياً إلى الشام

الواقدي 94

خرج بنو النضير من آطامهم: " أنه حدث أنهم انتقلوا بالنساء والأبناء والأموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم " (ابن هشام 2: 51 ).

" لم ينج من بني قريظة غير أربعة رجال أسلموا كلهم؛ وقتل محمد امرأة واحدة ". ( ابن هشام 3: 90 – 94 ).

" إن المسلمين لم يتركوا ليهود خيبر سوى ثوب واحد لكل منهم وسوى نسائهم وذراريهم " ( الواقدي 277 ).

" كان بين المغانم التي غنمها المسلمون في غزوة خيبر، صحائف متعددة من التوراة، فلما جاء اليهود يطلبونها أمر النبي بتسليمها لهم " (  تاريخ الخميس 2: 60 ).

Who's Online

58 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home أبحاث هدية رأس السنة إلى القرّاء