نبيل فياض

إشكالية تجسير الفضاء الثقافي العربي الإسلامي

تعليق على مساهمة نبيل فياض في ملف دارون

الجمعة 27 آذار (مارس) 2009

بقلم: سامي العباس

يعرّي نصّ نبيل فياض عن الدارونية والفلسفة (تاريخ النشر: 15 مارس 2009) مشكلتين تواجه عملية تحديث الفضاء الثقافي العربي- الإسلامي:

 1- وعورة نقل المعرفة من لغة إلى أخرى. ذلك أنّ الترجمة- كجسر لنقل المعاني بين ضفتين – يضيق كلما اتسعت الحمولة المراد تمريرها. أو بالتعبير الصوفيّ البليغ "كلّما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة "، وهذه مشكلة يتحمّل المترجم القسط الأوفر من مسؤولية مضاعفتها..

2- سوء الاستقبال الذي تعانيه المعاني المترجمة.. ذلك أن ّالفضاء الثقافي المضيف، يتصرف حيال المعاني الوافدة من خارجه، كما يتصرّف الجسد عقب تزويده جراحيا بقطعة غيار:"قلب أو كلية ..إلخ ..".. ويشتد سوء الاستقبال كلما اختلطت المعاني الوافدة بالمخاوف من الهيمنة، كما هو الحال الراهن في العالم العربي –الإسلامي..

وكما يضطرّ الأطباء- في المثال المطروح- إلى إضعاف ممانعة الجسد ريثما يتأقلم مع قطعة الغيار الوافدة، رغم المخاطر التي قد يفضي إليها إضعاف الممانعة، فإنّ للنخب الحديثة هنا وهناك الحقّ في أن تتصرف حيال الممانعة التي تبديها الثقافة المحلية المهيمنة في وجه عملية تطعيمها بالثقافة الحديثة المستوردة من الخارج، بنفس المعيار من الحكمة والمسؤولية..

تختصر المشكلتان أعلاه – بقليل من تعسّف يمكن غضّ النظر عنه معرفياً – إشكاليات الطابق العلوي من أزمة التحديث في العالم العربي – الإسلامي. أعني تحديث العقل..

فيما يختص بالشطر من المسؤولية الذي تتحمله الترجمة أقتبس من نص الأستاذ نبيل فياض عيّنة، لأشرح ميلي إلى تحميله المسؤولية عن وعورة لا تتحمل اللغة المضيفة"العربية" مسؤوليتها بالكامل . أو بتعبير ربّات البيوت "المشكلة من المسحوق لا من الغسّالة"

"… ، يتساءل بيتر ماك- لفلين عما هو حديث في العلم الحديث حصريّاً، وذلك عبر تأمل أفكار الفعليّة actualism والماديّة والعلاقة بينهما. يرى هذا الفيلسوف أنه لا نظرية الارتقاء الدارونية، التي هي نظريّة اختباريّة، ولا وقائع الفيلوجينيا phylogeny ( فرع من علوم الحياة يتناول دراسة العلاقات الارتقائيّة بين الأنواع المختلفة أو تعداد العضويّات، من خلال معلومات جزيئية متتالية )، وهي إعادة بناء تاريخيّة، لهما متضمنات ميتافيزيكيّة بحدّ ذاتيهما. هذا يحدث فقط حين تجمعان من افتراضيات مثل المادية ( أو الطبيعيّة ) والفعليّة شريطة أن تؤخذا بمعنى ميتافيزيكي، ليس فقط طرائقيّاً، كما هو متطلّب من قبل التحري العلمي. وبلغة أكثر تعميمية، التفسيرات الدارونية تعطي العلل الطبيعيّة للظواهر المفسّرة حتى ذلك الزمن بالعلل ما فوق الطبيعيّة نظرة عالميّة Weltanschauung طبيعيّة لا تخلو من فائدة."

لقد مشّطتُ هذا المقطع جيئة وذهابا، في محاولة لإعادة ترتيب المعاني التي يحملها بطريقة تصبح أكثر يسراً على القارئ فخرجت بالتركيب اللغوي التالي :

"يسأل الفيلسوف : ماك – لفلين - بعد أن يتأمّل في :actualism- يترجمها نبيل فياض :فعلية، وفي: المادية. وفي العلاقة بينهما:

ما هو الحديث في العلم الحديث ؟

ويجيب على سؤاله بأنّ هذا الحديث ليس في نظرية النشوء لدارون لأنها اختبارية- ليس واضحا هل يشير إلى طابعها المخبري؟ أم إلى أنها لازالت قيد الاختبار؟ - ولا في الوقائع التي تعرّيها الفيلوجينيا- ويعرّفها: (فرع من علوم الحياة يتناول دراسة العلاقات الارتقائية بين الأنواع المختلفة أو تعداد العضويات، من خلال معلومات جزيئية متتالية ) لأنها- أي الفيلوجينيا - تعيد بناء تاريخية بتضمّنات ميتافيزيكية … الحديث فيهما فقط عندما تجمعان افتراضيات مادية أو طبيعية وفعلية، شريطة أن "لا تؤخذا "- أظن أن أداة النفي سقطت سهوا من النص –بمعنى ميتافيزيكي …..وبلغة أكثر تعميمية: الحديث في الداروينية أنها تعطي عللاً طبيعية للظواهر التي كانت تعطى حتى ذلك الزمن عللاً فوق طبيعية. وأن تعليل العالم بعلل طبيعية لا يخلو من فائدة.."

لا أدري مدى توفيقي في فهم هذا المقطع الشائك. أترك تقييم ذلك لنبيل. ولكني أودّ لفت النظر إلى أنّ وعورة النص المقتبس تعطي للذي علّق عليه بتهكم وعدائية فاضحة، الفرصة لكي يتصيّد مشاعره الشخصية حيال نبيل فياض في مياه عكرة .. رغم أنني أميل إلى ربط شحنة العدائية الواردة في التعليق في رقبة هذا المقطع من نص نبيل فياض :" لأنّ جوهر الدارونيّة ينقض أسس التفكير الديني. مع ذلك، فكما سنلحظ بالوثيقة، الدارونيّة بأشكالها المتعددة، تعرف توهّجاً لا انطفاء له في الغرب؛ رغم أنّ وصول لمعة منها إلى الشرق الإسلامي أمر صعب بمكان، لأنّ الإدراك الإسلامي، الذي هو نتائج عمليّات تكيفيّة مع بيئة لا تخلو من المستحاثيّة، غير قادر بشكله الحالي على فهم تبصّرات الدارونيّة أو الدارونيّة الجديدة أو ما بعد الدارونيّة الجديدة، فكيف بتمثّلها؟"

فيما يختص بتراجع – بل سقوط الفلسفة في العالم الناطق بالعربية يعدد من الأسباب المفضية إلى هذه النتيجة "الانتشار السرطاني للمعارف ( إن صحّت التسمية ) البصريّة؛ هذا يعني اكتفاء المواطن العربي عموماً بدور المنفعل- المتلقّي عوضاً عن دور الفاعل-المعطي. وهذا يتناسب بالكامل، رغم التناقض الظاهري، مع الثقافة الإسلاميّة التي ترفض معرفة تفعيل العقل."

ـ أشكّ في أنّ فارقاً مهماً بين المعرفة الكتابية والمعرفة البصرية يمكن أن يفسّر الفارق بين العقل الفاعل والعقل المنفعل.. فالمعرفة البصرية بدءا ً من الرسوم الأولى لإنسان الكهوف ووصولاً إلى السينما والتلفزيون يمكنها أن تساهم في بناء النمطين من العقل :الفاعل والمنفعل..

تتحدّد التخوم بين النمطين من العقل، بخط التماسّ الفاصل بين الدين والفلسفة.. ورغم أنّ التاريخ قدّم لنا حالات من تداخل مؤقّت للتخوم بين الدين والفلسفة يظهر فيها هنا أو هناك "الفيلسوف المتدين أو المتدين الفيلسوف "، إلا أنّ ميزان الذهب الذي يقيس الفروق مهما تضاءلت، هو ذاك الذي يحدّد مرجعية المعاني التي تتشكّل: الدماغ البشريّ؟ أم السماء؟..

يفتح هذا التحديد الباب لتمييز العقل الفاعل من العقل المنفعل ..

العقل الفاعل ينتج المعنى. أما العقل المنفعل فهو يتلقّاه من خارجه: بدءا من السماء وانتهاء بكلّ مصدر للمعنى لا يحفّز لدى الإنسان إرادة الخروج ممّا يسمّيه كانط في مقالته الشهيرة عن التنوير "بعربة المشي ".. على هذه الخلفية يمكن فهم مراوحة العرب والمسلمين عند التخوم الفاصلة بين استهلاك الحداثة وبين امتلاكها.. وليس هذا الوضع الراهن إلا استمرارا لما آلت إليه عملية غربلة الإسلام من الفلسفة.. تبدأ سلسلة التسليم إلى السماء، ولا تنتهي سلسلة وكلائها على الأرض .. ومع كلّ هذه الأطواق على العقل في العالمين العربي والإسلامي، كيف له أن يغامر بالخروج من عربة المشي؟

Who's Online

66 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home أبحاث إشكالية تجسير الفضاء الثقافي العربي الإسلامي