نبيل فياض

الديانة اليهودية: الجماعة الإصلاحيّة

اليهوديّة الإصلاحيّة هي التفسير الأول الحديث لليهوديّة، والتي ظهرت استجابة لتبدّل الظروف السياسيّة والثقافيّة التي أعقبت تحرّر اليهود. إنها الفرع من اليهوديّة الأكثر تكيّفاً مع معايير الفكر والمجتمع المعاصرين، في الاعتقاد والممارسة. كما أنها تدعى أحياناً باليهوديّة الليبراليّة أو اليهوديّة التقدّميّة.

يعيش أكثر من مليون يهودي إصلاحي في أوروبا وأميركا وأستراليا وجنوب إفريقيا وإسرائيل. وتتحد كلّ الأبرشيّات الإصلاحيّة، على صعيد العالم، في " الاتحاد العالمي لليهوديّة التقدميّة "، الذي يعقد مؤتمره مرّة كل سنتين، وعادة ما يكون مكان اللقاء أوروبا أو إسرائيل. في الولايات المتحدة، يشكّل نحو من 70 أبرشيّة مستقلّة " اتحاد الأبرشيّات الأمريكيّة العبرانيّة المستقلّة " ( UAHC  )، الذين لديهم أكثر من 1300 حاخام يشكّلون " المؤتمر المركزي للحاخاميم الأمريكيين " ( ( CCAR. يتم تدريب الحاخاميم، الباحثين، المعلمين، العاملين ضمن الأبرشيّات، والمرتلين في " الكليّة العبريّة المتحدة – المعهد اليهودي للدين " ( HUC-JIR )، الذي يمتلك فروعاً في سينسيناتي، لوس أنجلس، نيويورك والقدس. إن أقوى دور للقيادة التنظيميّة في اليهوديّة الإصلاحيّة هو رئاسة UAHC، التي تولاها أحد الحاخاميم في السنوات الأخيرة.

الاعتقاد والممارسات:

1-    التوراة

لا يؤمن الإصلاحيّون بأن الشرع المكتوب ( التوراة ) أو الشرع الشفوي ( التلمود ) أوحى بهما الله إلى موسى حرفيّاً على جبل سيناء. وهم يقبلون بالنقدية الكتابيّة والتاريخيّة كمعيار، كما يفهمون النصوص المقدّسة على أنها نتاج تفكير بشري بمساعدة الوحي.

2-    الأخلاق:

تعترف اليهوديّة الإصلاحيّة بالعلاقة القويّة بين الدين والأخلاق، وتؤكد بشكل خاص على رسالة العدالة الاجتماعيّة للأنبياء. كما تعتبر أن اليهوديّة موجودة من أجل هدف كوني عال، يطمح إلى السلم العالمي.

3-    الوحي:

تعتبر اليهودية الإصلاحيّة أن الوحي متواصل مع تقدّم المعرفة البشريّة والحساسيّة الدينية. وهذا يخالف الرأي الأرثوذكسي القائل إن التجلّي في سيناء يشكّل التعبير الدائم الموثوق عن إرادة الله، وهو ما يجب أن يبقى معياراً في كلّ زمان ومكان.

4-    الإرادة الحرّة:

إن حريّة الفرد اليهودي، في أن ينتقي، من التقليد اليهودي، تلك العناصر العرفيّة أو الاعتقاديّة التي يجدها مفيدة له شخصيّاً، هي أكبر عند اليهود الإصلاحيين مما هي عند الأرثوذكس أو المحافظين بما لا يقارن. لا يقبل اليهود الإصلاحيّون بالتقليد التشريعي اليهودي كشيء مقيّد، بل يحولونه على الدوام إلى هاد في المسائل الطقسيّة. ويصدر CCAR باستمرار كتب صلاة سبت ودليلاً إلى دائرة الحياة اليهوديّة.

5-    الصلاة:

في معظم الأبرشيّات الإصلاحيّة اليهوديّة في أميركا تجري الخدمة الدينيّة الرئيسة مساء الجمعة من كلّ أسبوع؛ فيجلس الرجال والنساء معاً، يشاركون في الخدمة على نحو متعادل. ولم يبدأ بعض الحاخاميم، وقلّة من النساء، بارتداء الطاقيّة الطقسيّة إلا مؤخراً، وذلك أثناء الصلاة. في الكنس يصاحب الأرغن الطقوس. تتلى معظم الصلوات بالانكليزية، باستثناء مقاطع ذات أهميّة خاصة، تترجم إلى العبريّة.

6-    الإصلاحيّون خارج الكنيس:

يعيش الإصلاحيّون إيمانهم خارج الكنيس عن طريق محاولتهم أن تكون المبادئ الأخلاقيّة اليهودية الهادي لهم في حياتهم. ويمارس بعضهم طقوساً يهوديّة في المنزل، خاصة إشعال الشموع عشيّة السبت، وطقس عشيّة الفصح، والاحتفال بعيد الحنوكاه.

7-    اعتناق اليهوديّة:

يظل الإصلاحيّون الطائفة الأكثر ميلاً للتبشير بين كل الفروع اليهوديّة الأخرى. والنسبة الأعظم بين كل معتنقي اليهوديّة تنتمي إلى الفرع الإصلاحي. فنسبة " اليهود بالاختيار " تشكّل جزءاً ضئيلاً لكن متنامياً من الفرع الإصلاحي اليوم.

8-    الزواج المختلط:

الحاخاميم الإصلاحيّون وحدهم من رجال الكهنوت اليهودي الذين يعقدون زواجات لا يكون فيها أحد الطرفين يهوديّاً؛ بل لا ينوي أصلاً اعتناق اليهوديّة. لكن عادة ما يعد الزوجان أن يكون أولادهما من اليهود.

تاريخ الحركة:

غالباً ما يشير الإصلاحيون إلى أن الإصلاح الديني موجود في اليهودية منذ البداية. ويقولون إن الأنبياء اليهود انتقدوا الأعراف الدينيّة السائدة، وإن التلمود يتضمّن إصلاحاً للشرائع السابقة، بل يقولون إن العلماء المتأخرين كانوا يرغبون بتغيير العقائد والأعراف السائدة. لكن هذه الرغبة انسحقت تحت وطأة الاضطهاد والعزلة. مع ذلك، فقد تقوضت أركان هذا الوضع اليهودي العصر-وسيطي تحت تأثير عاملين: المركزية السياسيّة وشموليّة عصر الأنوار. فقد كانت الدول الأوروبيّة ترغب بمركزيّة سياسيّة أكبر، الأمر الذي أدى إلى وضع اليهود تحت سلطة الدولة بشكل أكثر مباشريّة، وتقليص سلطة الحاخاميم. وهكذا، بدأت مجموعات متزايدة من بتعلّم اللغات الأوروبية الحديثة، وقراءة الأدب المعاصر، واستيعاب القيم الجماليّة السائدة، واعتبار أنفسهم أوروبيين ثقافيّاً مثلما هم يهود دينيّاً. إذن، إن خلفيّة ظهور حركة الإصلاح هو تبدّل الوضع السياسي والثقافي لليهود في وسط أوروبا وغربها في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. وهكذا خلقت فجوة بين التقاليد اليهودية وقسم من يهود أوروبا الغربيّة.

الخروقات الشهيرة الأولى

 

كان أول من اخترق الشرع بقوة، الفيلسوف الأرثوذكسي الشهير، موسى مندلسون ( 1729 – 1789 )، الذي رفض، عام 1772، على أسس طبيّة ومنطقيّة، مسألة الدفن المباشر للميت، التي يقر بها الشرع اليهودي. وظلّت هذه المسألة، لعشرات السنين، حجر محك يفصل التقليديين عن العصريين.

بعد مندلسون تطالعنا مباشرة قضيّة شاؤول آشر ( 1767 – 1822 )، الذي أصدر كتاباً بعنوان " Levithan " في برلين. رفض آشر في كتابه تقسيم مندلسون بين ديانة طبيعيّة وشرع موحى به. فهو يعتقد أن الديانة اليهوديّة لا تمتلك عقائد خاصّة بها تعزلها عن الدين الطبيعي. وهكذا، فاليهوديّة ليست معتمدة على استقلاليّة سياسيّة أو قضائيّة، بل باستطاعتها أن تأخذ مكانها بجانب البروتستانتية أو الكاثوليكيّة، وتختلف عنهما كما يختلف أي دين عن الآخر.

الجماعات الإصلاحيّة الأولى:

كان الإصلاحيّون الأوائل علمانيين، عملوا دون قيادة حاخاميّة، وكانت اهتماماتهم منصبّة على إضفاء المعايير الجماليّة الغربيّة على الأسلوب التقليدي للعبادة اليهوديّة. وعام 1797 قامت جماعة " أدات غرشون " في أمستردام بإجراء أوّل إصلاح في طقس الكنيس تحت تأثير الثقافة الغربيّة. كانت هذه الجماعة تدفن موتاها في اليوم الثالث. كذلك، فقد قُصّرت الليتوروجيا، وأدخلت " تحسينات " جماليّة على الخدمة الطقسيّة، وأضافت عظة أو مقولة أخلاقيّة، وحُذفت الصلاة التي تطلب الثأر من قتلة اليهود أيام الصليبيين. لكن هذه الجماعة عادت وانضمّت إلى الطائفة اليهوديّة العامّة بطلب من ملك هولندا الجديد، لويس بونابرت.

عام 1808، ظهر مجلس كنسي في ألمانيا مشكّل من ثلاثة حاخاميم وعلمانيين، وذلك تحت تأثير رجل المال الغني والقوي، إسرائيل ياكوبسن ( 1768-1828 ). أدخل هذا المجلس طقس تثبيت، مأخوذ عن المسيحيّة، وحاول عموماً فرض شكل للعبادة أكثر احتشاماً وإجلالاً.
انتقل ياكوبسن من " وستفاليا " إلى برلين، حيث أسس في بيته لطقس عبادة أسبوعي لأولئك الذين يرغبون بخدمة من تلك النوعيّة التي كانت في " وستفاليا ": استعمال الأرغن، ووجود كورال من الصبية. كبر عدد المصلّين، وبدأ إدخال عظات وتراتيل دائمة باللغة الألمانيّة. لكن التقليديين عارضوا أي إدخال للإصلاحات إلى كنيس الجماعة، وذلك في مرسوم صدر عام 1823.

اتحاد المعبد الجديد:

ظهر هذا الاتحاد في هامبورغ عام 1817. ونجح أعضاؤه في تأسيس كنيس لهم، رغم المعارضة اليهوديّة الأرثوذكسيّة، لتساهل مجلس المدينة. عام 1819، أصدر معبد هامبورغ كتاب صلاة، أُحدثت فيه للمرّة الأولى تبديلات جوهريّة في الليتورجيا. وفي حين لم تحذف كل الإشارات إلى صهيون من الكتاب، فقد عكست فيه رغبة أعضاء المعبد بالتخلّي عن العودة إلى أرض إسرائيل وإعادة الطقس القرباني القديم. واستمر هذا المعبد في الوجود حتى مذابح النازيين.

الأيديولوجيّون:

 بعد فترة ركود، ظهر الحاخام أبراهام غايغر ( 1810-1874 )، كأيديولوجي قيادي للحركة في أوروبا. قال غايغر إن اليهوديّة كيان نشوئي، خاضع لقوى التاريخ، وإن جوهر اليهوديّة لا يمكن في نظامها الشرائعي بل في روحها الدينيّة، التي تُعكس في طقوسها. أكد غايغر على رسالة اليهوديّة الكونيّة، واضعاً توحيدها الأخلاقي في تناقض حاد مع عقيدة التثليث المسيحيّة والماديّة الوثنيّة. ورأى أن واجب الحاخام الإصلاحي هو دفع عجلة التاريخ إلى الأمام عبر برنامج إصلاحات حديثة وعقلانيّة.

كان صموئيل هولدهايم ( 1806-1860 ) أبرز الإصلاحيين الراديكالين في تلك الحقبة. فقد اعتقد أن الحالة الجديدة الثوريّة لليهود في الغرب تتطلّب تغييراً شاملاً في اليهوديّة. وهكذا، فضّل نقل يوم الراحة اليهودي إلى الأحد وإلغاء كل العناصر التشريعيّة من اليهوديّة. صار هولدهايم حاخام جماعة إصلاحيّة منفصلة في برلين، فقام عندئذ باختصار الليتوروجيا وتعديلها، محتفظاً بشيء ضئيل فقط باللغة العبريّة، كما نقل الخدمة الطقسيّة إلى يوم الأحد.

ألمانيا:

في فرانكفورت وبرلين وبريسلاو ظهرت، بعد عام 1840، الجماعات العلمانيّة التي تطال بإصلاحات أكثر راديكاليّة. وكانت عاقدة العزم على إزالة الرموز القوميّة والأحكام الطقسية من اليهوديّة واستبدالها بدين عالمي ذي روحانيّة عالية، لترسو في فهم إنساني للتوراة العبرانيّة مستبعدة فعليّاً التقليد الحاخامي اللاحق.

عقدت ثلاثة مؤتمرات إصلاحيّة بين عامي 1844-1846، شارك فيها 42 حاخاماً. وكان من ضمن القرارات التي تمّ التوصّل إليها في هذه المؤتمرات: استخدام اللغة العبريّة في الخدمة شأن شخصي لا ضرورة موضوعيّة له؛ لا بد من إزالة صلوات العودة إلى صهيون وإعادة الخدمة القربانيّة من كتاب الصلاة؛ والسماح باستخدام الأرغن في الصلوات بما فيها صلاة السبت.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أخذت الإصلاحيّة الدينيّة اليهوديّة في ألمانيا شكلاً عرفيّاً تحت اسم " اليهوديّة الليبراليّة "، والتي كسبت إلى جانبها بسرعة غالبيّة اليهود الألمان. ومع نهاية القرن، تم تأسيس اتحاد دائم للحاخاميم الليبراليين. عام 1908، ظهرت منظمة وطنيّة مشابهة لكل اليهود الليبراليين. ثم ظهر كتاب الصلاة الخاص بالجماعة عام 1929.

الامتداد الأوروبي:

من ألمانيا، انتشر الخط الإصلاحي، لتتبناه أولاً إحدى الجماعات في فيينا عام 1826، ثم هنغاريا فهولندا والدنمارك. بل وصل الإصلاح إلى روسيا عبر المهاجرين الألمان اليهود، منذ ستينات القرن التاسع عشر. عام 1840، تأسست في إنكلترا جماعة إصلاحيّة، حملت اسم كنيس لندن الغربيّة لليهود البريطانيين؛ ثم امتد الخط الإصلاحي إلى كافة أرجاء إنكلترا. أما فرنسا، فقد تأسس فيها الاتحاد الإسرائيلي الليبرالي، وهو جماعة إصلاحيّة مستقلّة بعد فصل الكنيسة عن الدولة عام 1905.

عام 1926، أحرزت اليهوديّة الليبرالية وحدة تنظيميّة عالميّة مع تأسيس الاتحاد العالمي لليهوديّة التقدميّة، الذي شارك فيه ممثلون من 26 بلداً. كانت الشخصيّة المؤثرة في هذا الاتحاد، حتى الحرب العالميّة الثانية، الحاخام ليو بايك ( 1873-1956 )، الذي كان يعلّم في كليّة الحركة في برلين، المؤسسة عام 1872.

أميركا:

 

وصلت الحركة إلى قمة نجاحها في الولايات المتحدة، حيث لا معارضة من قبل اليهود الأرثوذكس ولا من قبل السلطات. وقد ساعد في ذلك أمور عديدة، منها: عدم وجود جماعات يهوديّة معترف بها رسميّاً تتمتع بسلطة جبي الضرائب والسيطرة المركزيّة على الشئون اليهوديّة؛ الفصل الكامل بين الدين والدولة؛ وجود جماعات مسيحيّة كثيرة؛ والانطباع القائل إن الدين مسألة خيار شخصي تخلقه الظروف. كذلك، كان من الصعب على اليهودي المهاجر إلى الولايات المتحدة كسب عيشه إذا ما أراد الالتزام بتقاليده الموروثة كلّها. أخيراً، فإن الهجرة الكبيرة لليهود الألمان إلى الولايات المتحدة في الثلث الثاني من القرن العشرين، جعلت اليهوديّة الإصلاحيّة تسيطر حتى عقود القرن الأخيرة.

بدأ إدخال الإصلاحات الليتورجيّة تدريجيّاً عام 1842، واستمرّ عشرين سنة. وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سيطر على الإصلاح الأمريكي حاخامان مهاجران، هما دافيد أينهورن ( 1809-1879 ) وأيزاك ماير وايز ( 1819-1900 ). كان الأوّل حاخاماً في بالتيمور ثم في نيويورك. ويمكن إجمال آرائه، كما يلي: التأكيد على الرسالة الكهنوتيّة للشعب اليهودي؛ معارضة الزواج المختلط؛ اعتبار أن الطقوس اليهودية غير ذات قيمة كبيرة؛ وإيمانه الثابت أن اليهوديّة ستتقدّم بمعزل عن النصوص المقدّسة القديمة. كان تأثير أينهورن بارزاً في اجتماع الحاخاميم في فيلادلفيا عام 1869. وعن هذا الاجتماع نتجت قرارات هامة؛ أبرزها: اعتبار تشتت بني إسرائيل عناية من الإله لنشر الهدف المسياني في العالم؛ ورفض عقيدة القيامة الجسديّة التقليديّة في صالح الايمان بخلود الروح. كان أيزاك ماير وايز المؤسس الفعلي لليهوديّة الإصلاحيّة في الولايات المتحدة. فقد حاول هذا الرجل خلق يهوديّة أمريكيّة يمكنها جذي أكبر عدد من يهود أميركا.

مؤتمر بتسبرغ عام 1885:

 

ترأس هذا المؤتمر أيزاك ماير وايز، لكن الشخصيّة البارزة فيه كانت كاوفمان كوهلر ( 1843-1926 )، صهر أينهورن ووريثه الروحاني، وخليفته في رئاسة الاتحاد العبراني. عن هذا المؤتمر صدر " بيان بتسبرغ "، الوثيقة التي ظلّت تمثّل الموقف الأيديولوجي لليهوديّة الإصلاحيّة طيلة نصف قرن. وفي إعلان بتسبرغ وردت الفقرات التالية: " تمثّل اليهوديّة أرفع مفاهيم فكرة-الإله كما تعلمها كتبنا المقدّسة وكما طوّرها المعلمون اليهود وفق التطوّر الفلسفي والأخلاقي لعصورهم "؛ التوراة هي " سجل تكريس الشعب اليهودي لرسالته ككاهن للإله الأوحد ". لكن الإعلان قال إن الشرائع الأخلاقيّة وحدها الملزمة، في حين أنه لا بد من إخضاع القواعد الطقسيّة لمعيار قدرتها المستمرة على التواؤم مع الحياة العصريّة. أما اليهود فقد عرّفهم الإعلان كجماعة دينية، لا كأمة، وعرّفت ديانتهم على أنها تقدّميّة، " تناضل على الدوام من أجل التناغم مع فرضيّات العقل ".

خلال السنوات الخمسين التي أعقبت ظهور إعلان بتسبرغ، حافظت اليهوديّة الإصلاحيّة على تمسّكها به. وخلال هذه الحقبة ازداد عدد أعضاء الحركة، لتصل إلى حوالي 60 ألف عائلة في 285 أبرشيّة. ثم نشرت الـ CCAR عام 1892 أول طبعة من كتاب الصلاة الموحد. لكن الحركة أجبرت على التخلّي عن آمالها بأن تصبح معياراً لليهوديّة الأمريكيّة؛ خاصّة وأنها كانت مرتبطة على نحو متزايد بالمهاجرين اليهود الألمان أو المنحدرين منهم. فاليهود الأوربيون الشرقيون، الذين راحوا يتركّزون في نيويورك، كانوا أرثوذكس في معطمهم؛ أما جيلهم الثاني فقد جذبته اليهوديّة المحافظة بإحساسها الإثني القوي.

بيان كولومبوس:

في أواخر ثلاثينات القرن الماضي بدأت اليهوديّة الإصلاحيّة تفقد تماثلها مع اليهود الألمان المهاجرين إلى الولايات المتحدة. وصار الحاخاميم والعلمانيّون على حد سواء يردون إلى هذه الجماعة من خلفيّة أوروبيّة شرقيّة. خلال هذا العقد، خلقت مذابح اليهود في ألمانيا النازيّة روابط أكثر قوة بين اليهود؛ وبدأت اليهوديّة الإصلاحيّة عمليّة تحوّل تدريجيّة دمجت في بنيانها عبرها عناصر إثنيّة وطقسيّة أكثر قوّة من السابق. وأخيراً، صارت المرحلة الأولى تسمّى، اليهوديّة الإصلاحيّة الكلاسيكيّة، أما المرحلة الحاليّة فتسمّى، اليهوديّة الإصلاحيّة معادة-التوجيه.

كان " بيان كولومبوس "، الذي تبنّاه الـ CCAR عام 1937، أهم مؤشّر على هذا التحوّل. كانت هذه الوثيقة إلى حد كبير نتيجة جهود صموئيل كوهن ( 1888-1959 )؛ وهو يهودي أوروبي شرقي عمل لسنوات كأستاذ للاهوت اليهودي في الكليّة المتحدة العبريّة. لقد تحدّث البيان عن " الإله الحي " لا عن " فكرة الإله "؛ ووصف التوراة، بالمعنى الواسع، كتشريع شفوي ومكتوب، على أنها تحتوي " شعور إسرائيل المتنامي أبداً بالإله "؛ وقال إنه يجب على كل اليهود إعادة بناء إسرائيل بوصفها الوطن اليهودي، " وملجأ المقموعين ومركز الثقافة والحياة الروحيّة اليهوديتين ". وبعكس بيان بتسبرغ، ألح بيان كولومبوس على استعمال اللغة العبريّة في العبادة وعلى أهميّة الأعراف والرموز والطقوس.

تطوّرات ما بعد الحرب العالميّة الثانية:

عام 1951، نقلت الـ UAHC  مكاتبها من سينسيناتي إلى نيويورك، مركز الحياة اليهوديّة في الولايات المتحدة. بين العامين 1943-1973، ترأس اتحاد الأبرشيّات الحاخام موريس ايسندراث، وهو قيادي موهوب وخطيب مفوّه. أما ألأركيولوجي الشهير، نلسون غلويك، رئيس كليّة الاتحاد العبرية بين العامين 1947-1971، فقد استطاع أن يدمج كليّته بمعهد الدين اليهودي، الذي أسسه الحاخام الإصلاحي الصهيوني، ستيفن س. وايز؛ محققاً بالتالي وجوداً مبرّزاً للمؤسسة المتحدة.

عام 1961 أسست الـ UAHC  مركز العمل الديني في واشنطن.

الاستيطان في إسرائيل:

تأخر الإصلاحيّون نسبيّاً في استيطانهم، مقارنة مع باقي الطوائف اليهوديّة. وعلى أيدي بعض المهاجرين الألمان، ظهر أوّل تجمّع لهم في القدس عام 1958. تلت ذلك تجمعات أخرى في المدن الرئيسة، وتوحدت الجماعات وحاخاميمها تحت اسم " حركة اليهوديّة التقدميّة في إسرائيل "؛ وهي عضو في الاتحاد العالمي لليهوديّة التقدميّة. وفي سبعينات القرن الماضي، أسست الإصلاحيّة اليهوديّة أول " كيبوتس " لها في الصحراء الجنوبيّة، إضافة إلى منظمة شبابيّة لها أفرع في مدن مختلفة. وعام 1980 تم رسم أول حاخام إصلاحي في القدس. لكن الحاخاميّة الإسرائيليّة ترفض الاعتراف باليهوديّة الإصلاحيّة.

بين الصهيونيّة والإصلاحيين:

ثمة ملاحظة لا بد من الإشارة إليها في البداية أن هنالك نوعاً من التعابير المعادية للصهيونيّة العلمانيّة قائمة على أساس ديني. من هنا، ضمن أمور أخرى كثيرة، فاليهودية الدينيّة الإصلاحيّة في القرن التاسع عشر، في أوروبا وأميركا، عارضت بثبات التعريف القومي لليهوديّة. وكان بيان بتسبرغ، بشكل خاص، يرفض أي انتظار لعودة اليهود إلى صهيون. لكن عام 1937، كان على حركة الإصلاح أن تتبنى موقفاً أكثر حياديّة من الصهيونيّة عبر بيان كولومبوس حيث تمّ الإقرار " بالولاء الجماعي " اليهودي إضافة إلى دعم إعادة بناء إسرائيل  " كملجأ المقموعين ومركز الثقافة والحياة الروحيّة اليهوديتين ". مع ذلك، فإن جناحاً من الحركة الإصلاحيّة، الذي شكّل المجلس الأمريكي لليهوديّة، عارض بقوّة قيام إسرائيل، في الأربعينات. لكن بعد حرب الأيام الستة، توضحت الهويّة الصهيونيّة للحركة الإصلاحيّة، وانضمّت إلى المنظمة الصهيونيّة العالميّة.

Who's Online

65 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home أبحاث الديانة اليهودية: الجماعة الإصلاحيّة