نبيل فياض

الإسلام واليهوديّة: بحث مترجم!

مدخل:

إذا تحدثنا على نحو عمومي عن دائرة الفكر البشري ككل، يمكن أن نصل إلى نتيجة مفادها، سواء أكنا أمام أمور صارت واضحة لنا وضمن نطاق ملكية الجنس البشري، أو أمور متروكة للمستقبل كي يكشف الحجاب عنها ويحددها بدقة علمية، أن حدساً صحيحاً يسبق على الدوام تقريباً المعرفة العلميّة، وبالتالي فإن فكرة صحيحة عموماً، مع أنها غير مثبتة بعد بالأدلة الكافية، تستولي نوعاً ما على عقول البشر.

على هذا النحو فالنظرية التي يطرحها هذا البحث اعتبرت ممكنة منذ زمن طويل، وأقصد بذلك أن محمداً في قرآنه استعار الكثير من اليهوديّة، كما قدمت له نفسها في زمنه، مع أنه لم تقدّم حتى الآن الأرضيات الكافية لدعم هذا الرأي. والمحاولة بالذات لإعطاء هذا الحدس تحديداً مكانه بين اليقينيات العلمية يبدو أنه أنتج في ملكتنا العقلية الرغبة في أن نرى الباحثين وقد عملوا على المسألة بدقة وشمولية، مطلعين على القرآن واليهودية في مصادرهم الأصليّة؛ ومن أجل تلبية هذه الرغبة أخذت على عاتقي المهمة الحالية، مدركاً بالفعل للقوى البشرية المحدودة، لكن مع تصميمي على استخدام الصناعة السخيّة من أجل الوصول بثبات إلى هذا الغرض. هذا هو الهدف الذي نضعه تحت ناظرينا، كي نقدّم، عرضاً علميّاً، وليس مجرّد تكييفات ظاهريّة من اليهوديّة، أو عبارة من حقائق معزولة مستلة من سياقاتها التاريخيّة. من أجل هذا يجب أن ندرس سياق الحقائق التي يجب إثباتها ضمن حياة محمد وعمله ككل، إضافة إلى تلك الحوادث في عصره، التي إما كانت المحددة لأفعاله أو التي تم تحديدها من قبله. وهكذا فهذه المقالة تنقسم إلى قسمين، والتي يجب أن يجاب في قسمها الأول على الأسئلة التالية:

هل أراد محمد أن يستعير من اليهوديّة؟ هل استطاع محمد الاستعارة من اليهوديّة؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف كان ذلك ممكناً بالنسبة له؟ هل كان متوائماً مع خطته للاستعارة من اليهوديّة؟

على القسم الثاني أن يقدّم الحقائق من أجل إثبات الاستعارة، والتي قيل بناء على أرضيّات عموميّة أنها حدثت. فقط بهذه الطريقة يمكن للدليل الفردي من النوع المشار إليه أن يحظى بقيمة علميّة، من جهة بإلقائه الضوء على طبيعة خطة محمد، ومن جهة أخرى بإظهار الضرورة الفطريّة للحقيقة وأهميتها الفعليّة عبر ربطها مع وقائع أخرى من حياة محمد وعصره. من أجل هذا تمت إضافة ملحق، يتم فيه تقديم مجموعة من تلك المقاطع التي يبدو أن محمداً فيها لم يستعر كثيراً من اليهوديّة،  بقدر ما أعاد النظر في ما استعار لكن أيضاً بروح عدائية.

القسم الأول:

هل كان محمد يرغب بالاستعارة من اليهوديّة؟ هل كان بإمكان محمد أن يستعير من اليهوديّة؟ وإذا كان الأمر صحيحاً، كيف أمكن لاستعارة كهذه أن تكون ممكنة بالنسبة له؟ وهل كانت متساوقة مع خطة محمد للاستعارة من اليهوديّة؟

لا يكفي بالنسبة لنا أن نقدّم ملخصّاً هزيلاً للمقاطع التي يظهر أن لها علاقة ما مع اليهودية، وذلك كي نظهر أن محمداً امتلك معرفة معينة بها، واستخدمها من أجل التأسيس لديانته الجديدة، ومن ثم، لاحقاً، توضيح مقاطع كثيرة في القرآن عبر مقارنة معها. لكننا نرى أن مهمتنا تكمن في إظهار مدى ارتباطها مع روح محمد ونضالاته وأهدافه، مع تفكير زمانه وبناء ما يحيط به، ومن ثم البرهنة على الحقيقة بأنه، حتى لو كنا محرومين من كل الأدلة التي تظهر دون إمكانية للإنكار أن اليهودية أحد مصادر القرآن، فالحدس بأن الاستعارة من القرآن كانت قد حصلت يظل مع ذلك احتمالية كبيرة. لذلك من الضروري بالنسبة لنا أن نولي اهتمامنا لأجل هذا بالتطوّر الفلسفي لصيرورة الأمر، الذي سيؤكّد من ثم بالدليل التاريخي:

ثلاثة أسئلة ترمي بظلالها هنا:

الأول: هل اعتقد محمد فعليّاً أنه يمكنه أن يصل إلى أي هدف من وراء الاستعارة من اليهودية؟ أو، بكلمات أخرى، هل كان لمحمد غرض معين من وراء الاستعارة من اليهوديّة؟

الثاني: هل كان لمحمد الوسائل لإحراز معرفة باليهوديّة، وماذا كانت تلك الوسائل؟ أي، هل كان باستطاعته الاستعارة؟ وإذا صح الأمر، كيف كانت الاستعارة ممكنةً بالنسبة له؟

ثالثاً: ألم تكن ثمة ظروف أعاقت أو حددت بأية حال من هكذا استعارة؟ هل كانت الاستعارة متساوقة مع بقية خطته؟ هل كان الأمر مسموحاً له، وإن كان كذلك فعلى أية أسس؟ هذه التساؤلات الثلاثة تشكّل الأقسام المختلفة من الفصل الأول.

القسم الأول: هل أراد محمد الاستعارة من اليهوديّة؟

مع أننا قد لا نستطيع أن نعزو لمحمد أي رباط خاص باليهود أو باليهودية وأننا في حياته كما في الكتابات التي تركها خلفه كشرائع للأجيال التي بعده يمكن أن نجد بالفعل آثار كراهية لليهود واليهودية  على حد سواء – يظل مع ذلك واضحاً، من ناحية، أن القوة التي امتلكها اليهود في جزيرة العرب كانت كافية بما يكفي بالنسبة له أن يرغب بأن يجعل منهم أتباعاً له؛ ومن ناحية أخرى، فاليهود كانوا، رغم جهلهم، متقدمين للغاية في النواحي الدينية  1 خاصة في تلك المعارف التي زعم محمد أنه تلقاها عبر وحي إلهي2، كما كانت رغبته في إسباغ سمة الوحي الإلهي على كامل معارفه. أكثر من ذلك، فاليهود الذين سببوا له مشاكل كثيرة بملاحظاتهم المربكة والحصيفة خلقوا فيه الرغبة باستعاطفهم.

من الحياة الحرة لقبائل يهودية عديدة مستقلة بالكامل، والتي كانت تتواجهه أحياناً في معارك مفتوحة، يمكن أن نستشف أن يهود شبه جزيرة العرب زمن محمد كانوا يمتلكون قوة معتبرة. هذه الحقيقة معروفة بشكل خاص عن بني قنيقاع3 في السنة الثانية أو الثالثة للهجرة، وكذلك عن بني النضير4 في السنة الرابعة للهجرة.

لقد تحدّث جنب عن الأخيرين على أنهم عائلة كبيرة من اليهود1. هذا الواقع يُعرف أكثر عن يهود خيبر2 الذين حاربهم محمد في العام السابع للهجرة. ويفترض أن الإشارة في القرآن 2:59 هي إلى بني النضير. فهم يوصفون هناك على أنهم أقوياء إلى درجة أن المسلمين يئسوا من غزوهم، وأن الثبات الذي أظهروه قضى على أية أفكار بغزوهم، وكما لو أن محمداً عبّر عن الأمر بمبالغة ممكنة، فهم أنفسهم لم يدمروا بيوتهم بأيديهم، أو كما يؤكّد أبو الفداء بأرجحية تاريخيّة أكبر، فقد انسحبوا خيفة من حصار طويل الأمد إلى مناطق أكثر هدوءاً.

 

إن الرغبة بحياة مدنيّة مستقرّة، التي استمرت في جزيرة العرب حتى حكم محمد، كانت أكثر ما يرغب به اليهود، الذين كانوا قد فرّوا إلى ذلك البلد بأعداد ضخمة بعد دمار القدس، بقدر ما تمكّنهم من التجمع والتأكيد على استقلاليتهم. وقبل محمد بقرن، وصلت هذه الاستقلاليّة إلى درجة أنه بين الحميريين قام الحاكم اليهودي بالفعل بتهويد غير اليهود وكانت الحماسة الخاطئة لآخر حاكم يهودي، ذو نواس3، وحدها التي قادته إلى محاولة وحشية لقمع العقائد الأخرى ( محاولة يتم تصويرها لنا بألوان كثيرة تحت اسم جداول الشهداء )، والتي أدت إلى سقوط العرش اليهودي مع مقدم ملك حبشي مسيحي4.

مع أنه يبدو مؤسفاً أنه من غير المحتمل على الإطلاق أن المقطع في القرآن 4:85 يشير إلى هذه الواقعة، من جهة بسبب عدم تحديد الزعم ومن جهة أخرى أنه على أساس من هذا الافتراض المسيحيون يسمون " المؤمنون 5"، الأمر الذي لا نجده أبداً في أي موضع آخر، مع أن تعامل محمد مع المسيحيين كقاعدة اتسم بالتساهل؛ ومع أنني أمتلك تفسيراً لهذا المقطع مختلفاً بالكامل، تفسير يأخذ باعتباره كل كلمة، فرغم ذلك فإن هذا التفسير الخاطئ من قبل المفسّرين يُظهر بالذات الأهميّة التي علقها العرب على  هذا الغزو للحاكم اليهودي، وهو دليل على عظمة سلطته السابقة.

 يتجلّى لنا بوضوح أن بقايا سلطة كهذه، حتى وهي مشتتة، ظلّت هامة بحد ذاتها، ويتضح الأمر أكثر في مقطع نستشهد به2، حيث يوصف الحميريون على نحو خاص بأنهم كفّار.  يذكر كاتب عربي3 قبائل أخرى إضافة إلى الحميريين باعتبارهم معتنقين للديانة اليهوديّة، أي، بنو كنانة بنو حارث بن كعب، وكندة4.

إن القوة الماديّة لليهود أثارت في ذهن محمد الرعب من ناحية، والاحترام من ناحية أخرى، لذلك بدا وكأنه يخشى من تفوقهم الفكري ومن ظهوره أمامهم كجاهل؛ وهكذا كان غرضه الأول استرضاء خواطرهم عبر إذعان ظاهري لآرائهم. وكون منظومة الاعتقاد اليهوديّة كانت عندئذ منظومة مكتملة التطور، والتي اخترقت حياة كل عضو في الملّة، فهذا ما تبرهن عليه آثار العصور القديمة وحقيقة أن التلمود كان قد استكمل للتو. مع ذلك فإن يهود تلك المنطقة كانوا ضمن الأكثر جهلاً، الأمر الذي يظهره صمت التلمود بشأنهم، وأيضاً بما استعير منهم وتم ضمه إلى القرآن، مع ذلك فإن تقاليد كثيرة جداً وأقوالاً بليغة استمرت في أفواه الناس، والتي أعطت اليهود دون شك مظهر التفوق الفكري في أزمنة الظلمة تلك وفي مناطق حيث عمّ الجهل، وبالتالي أكسبتهم الفخار في أعين الآخرين.

من هنا فإن ما حدث بالطبع هو أن محمداً أراد تعلّم آرائهم وإدخالهم في ملته. لم تكن فقط فكرة تضخيم جماعته بهذه الأعداد من المناصرين1 التي أججت به هذه الرغبة، بل أيضاً طريقتهم في الدفاع عن قضيتهم وطريقتهم في التعامل معه. والحقيقة التي تطلّ برأسها هنا هي أن محمداً كان يخسر أيّ جدل ديني، وهو ما توضحه أقوال كثيرة، خاصة النص التالي الحاسم للغاية: " وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ  2فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ".  هذه العبارة الملفتة بقوتها، والتي يُجْعل الله يقول فيها إن حضور النقاشات المتعلقة برسالة محمد هو من عمل الشيطان،  تُظهر كم كان محمد يخشى الجدل. بل يبدو أن الحوار مع اليهود كان خطراً على مسلميه أيضاً، فهو يحذرهم من التواصل المتكرر أو العلاقة الحميمة مع اليهود. وهو بالطبع يقدّم أسبابه لذلك، لكن لا يبدو أنها صحيحة؛ فالعلة الحقيقية للتحذير هي أن محمداً كان يخشى بوضوح من قوة اليهود في هز إيمان غيرهم من أتباع الدين الموحى له4.

 

السمة الأكثر خصوصية، والتي تتناسب تماماً دون أدنى شك مع الأسلوب الفكري لليهود، تَظهَر في اللعبة الحصيفة والهجائية للسؤال والجواب، التي كان يتذمّر منها محمد بمرارة، والتي غالباً ما كانت تمنحه أسلحة ظاهرية ضد اليهود، حيث كان ينظر إلى ألفاظهم على أنها تعبيرات صادقة عن الرأي لا مجرد استهزاء بقصد الإزعاج. وهكذا، في بحثه عن الشهرة، ولأنه أيضاً كان واقعاً تحت تأثير انطباع مفاده، أنه إذا انضم إليه بعض اليهود ( قال عشرة )، فسوف يصبح الباقون جميعاً من أتباعه، قام بمحاولات مع بعضهم، من الذين كانوا إما خائفين من صده، أو أنهم غير راغبين بجدل مطوّل معه. وكانوا يتفادونه إما بإجابة لم يكن باستطاعته إنكارها، أو كانوا يخلطون الكلمات التي طلبها منهم مع أخرى تشبهها لفظاً، لكن معناها مختلف أو حتى مناقض. وهكذا قالوا له مرة: " وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ 2". في مناسبة أخرى نصحوه أن يذهب إلى سوريا، باعتبارها المكان الأوحد الذي كان ممكناً فيه نزول الوحي على الأنبياء، وذلك وفقاً للمقولة اليهودية3: " النبوءة لا توجد خارج الأرض المقدّسة ". وهذا ما يقدّمه بعض المفسّرين على أنه سبب نزول الآية 78 من السورة 17 4، لكن بعضهم الآخر يعزو للآية سبب نزول آخر.    

 واستمر المفسّرون لاحقاً في رواية حوادث كثيرة عن طريق تفسير أسباب النزول لمقاطع بعينها، والتي تظهر لغير المتحامل في الضوء ذاته تماماً. وفي تفسيره للآية 91:2، يروي البيضاوي القصة التالية1: " قيل: دخل عمر بن الخطّاب ( رض ) مدراس2 اليهود يوماً فسألهم عن جبريل؛ فقالوا له: ذلك عدونا، يطلع محمد على أسرارنا؛ وأنه صاحب كل خسف وعذاب؛ وميكايل صاحب الخصب والسلام؛ فقال: وما منزلتهما عند الله تعالى؟ فقالوا: جبريل عن يمينه وميكايل عن يساره، وبينهما عداوة. فقال: لئن كان كما تقولون فليسا بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير3 ، ومن كان عدو أحدهما فهو عدو الله تعالى. ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي؛ فقال عليه الصلاة والسلام: لقد وافقك ربك يا عمر ".

مع أن ما يقدّم هنا يوافق إلى حد ما ما كان يؤمن به اليهود بالفعل، أي أن جبريل رسول العقاب 4 على سبيل المثال، ومع أن هذه الرواية بالتالي تحمل كثيراً من الحقائق؛ مع ذلك فالقول المستشهد به آنفاً قد تم تحريفه، فجبريل يعتبر يهوديّاً رسول الله لمعاقبة الاثمين

 فحسب؛ وفي مقطع آخر من التلمود1 يقال عنه بالفعل إنه يدعى2 الذي يمنع، لأنه يمنع ذنوب إسرائيل، أي يمحوها، وبالتالي لا يمكن على الإطلاق أن يُقدّم على أنه عدو الإسرائيليين.

أكثر من ذلك، يمكن أن نلحظ سوء التقديم3 المقصود من قبل محمد ذاته في تبديله للمنظومة التي يضع اليهود فيها الملاكين. فاليهود يؤكدون على أن ميكائيل يقف إلى يمين الله وجبرائيل إلى يساره4.

هذه الوضعيّة يعكسها محمد، من أجل أن يضفي على جبرائيل5 المكانة العليا، لأنه هو الذي يعزو له إنزال كل الوحي عليه.

هذا رغم الحقيقة أن الرأي الآخر يتناغم بالكامل مع روح المذهب اليهودي حول الملائكة كما يقبل بها اليهود، والذي يرى أن الموقعين " إلى اليمين " و" إلى اليسار " يعنيان فقط القرار أو تبني معايير رحمة أو معايير عقاب. لا يمكن أن يكون ثمة تساؤل بالطبع حول العدائيّة بين جبرائيل وميكائيل، والكلام هنا ليس غير جواب سريع، والذي يبرر لمحمد بحسب تفكيره أن يشهر اتهامه في وجه اليهود.  بل يبدو الأمر أكثر وضوحاً في القصة التالية التي يوردها أحد المفسّرين في شرحه لكلمتي " الله فقير 1": " قاله اليهود لما سمعوا: من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً؟ ( القرآن 246:2 ). وروي أنه عليه الصلاة والسلام كتب مع أبي بكر ( رض ) إلى يهود بني قنيقاع يدعونهم إلى الإسلام وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً. فقال فنحاص بن عازوراء2: إن الله فقير حين سأل القرض! فلطمه أبو بكر ( رض )؛ وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك؛ فشكاه إلى رسول ( صلعم )، وجحد ما قاله ونزلت ".

 الشيء ذاته نجده في مقطع آخر1: " وقالت اليهود يد الله مغلولة ". السمة المليئة بالمعاني لهذه الجملة تظهر بحد ذاتها أن اليهود لم يكونوا جديين وإذا ما أخذنا الواقعة التي أدت إلى هذه الملاحظة، والطريقة التي قيلت بها، فسوف نرى بوضوح الميل إلى الاستهزاء والإزعاج في تعاملات اليهود مع محمد. كانت الإجابة على تعبير، " يقرض الله "، الذي لا بد أنه بدا لهم سخيفاً في أبسط معانيه،  الرد الحاسم السهل، " إذا كان الله بحاجة للنقود، فلا بد أنه فقير "، والذي جاء بسهولة للغاية. واستطاع محمد فقط عبر كمية معينة من التحريف ولي الكلام أن يغيّر هذا الخطاب إلى تهمة ضد اليهود.

ثمة قصة لا بأس بها تحفظها لنا السنة من عام 608، تسير حوادثها كالتالي: " بعد غزو خيبر وضع اليهود خروفاً مسمماً أمام محمد. وحين اكتشف الأمر، دعاهم جميعاً إليه، وجعلهم يقسمون على قول الحقيقة، وسألهم ما إذا كانوا قد سمموا الخروف. فاعترفوا، فسألهم، " وما هو السبب ؟ " فأجابوه، " كي نخلّص منك، إن كنت مخادعاً، لأنه إن كنت نبيّاً، فالسم لن يؤثر بك " ". من منا لا يمكنه أن يرى في هذه الإجابة رغبة في تحرير أنفسهم من انزعاج محمد عن طريق جواب مخادع؟

في مناسبات أخرى كانوا يبدّلون كلماته، أو يستخدمون كلمات لها معان مزدوجة. ففي التحية المتعارف عليها كانوا يقولون فعليّاً " رأينا "، لكن ليس بالمعنى الذي كان ينويه محمد؛ إنما إما بمعنى اعتبرنا مخطئين، أو باللعب على " را " العبرية التي تعني الشرير 1 . وكذلك كان مجبراً على استبدال أنظرنا التي لها المعنى ذاته 2.

 أيضاً عوضاً عن حطة3، التي تعني الغفران، كانوا على الأرجح يقولون خطيئة4. يقدّم جلال الدين5 تنويعة أخرى فيقول، إنه عوضاً عن قول اليهود حبات، أي حب، كانوا يقولون، حبات في شعيرت، أي، حبة في سنبلة شعير. ومن ثم راحوا يبدلون التحية القائلة، السلام عليك6، إلى السأم عليك 7، 8 ، وهذا هو أساس تذمّر محمد في الآية 9:58.

حوادث كهذه، مع أنها أدّت به لاحقاً إلى كراهية كبيرة لليهود، لا بد أنها في البداية، وقت كان ما يزال يأمل بهدايتهم، حثته على محاولة كل الطرق الممكنة لاسترضائهم؛ لأنهم لم يكونوا مهمين سياسيّاً فقط بل أيضاً كانوا قادرين على السخرية منه عبر عقلهم وحصافتهم. وكان قلقاً بالتالي على إقناعهم أن آراءه كانت مطابقة لآرائهم مع بعض اختلافات قليلة.

لقد قدمنا ما يكفي من الأسباب التي جعلت محمد يتعامل مع اليهود باحترام، وسوف نقدّم الآن أدلة تفيد بأنه قام بجهود كبيرة لاجتذابهم إلى طريقة تفكيره. إضافة إلى الجدل الديني المتكرر والذي أشرنا إليه للتو، هنالك مقاطع عديدة في القرآن موجهة على نحو خاص لليهود، وهي بشكل عام تحذّرهم بطريقة ودية بأن عليهم استخدام القرآن كحكم في نزاعاتهم الذاتية. لم يخاطبهم محمد بلطف واحترام فحسب، بل قام عمليّاً بأشياء كثيرة أيضاً لكسب ودهم. ففي بداية الأمر فقط لأن اليهود يتوجهون في صلواتهم إلى القدس، غيّر محمد ببساطة قبلته إليها من مكة، البقعة التي اعتبرها العرب القدماء مقدسة على الدوام؛ ولم يبدّل قبلته عائداً إلى اتجاهه السابق إلا حين أدرك جدب محاولته استرضاء الإسرائيليين.

الحقيقة أن القرآن لا يتحدّث كثيراً عن التبديل الأول ، ووحده التذمر الذي أدى إلى التغيير الثاني موجود في القرآن، لكن بعض المفسّرين يؤكدون أن التلميح هو للتبديل السابق. 1 وفي الجدل الديني بين المسلمين واليهود يظهر محمد نفسه أحياناً وكأنه متساهل جداً ربما. ويقال إن هذا أعطى الفرصة للمؤمنين كي يرفضوا الإذعان لحكمه، وهو ما تذمّر منه في الآية 63:4.

 وفي مقطع آخر1، يحمي نفسه من تهمة تقديم حكم خاطئ بالقول إنه يحكم بالحق؛ وفي مقطع آخر2 يسأل، ما إذا كانوا خائفين ما إذا سيخطئونهم، مع أن المفسّرين يقدمون حدثاً كمناسبة لهذا القول. وهو ينصح المسلمين أيضاً بأن يجادلوا اليهود3 برفق، كما في المقطع التالي: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون "4  .

 ثمة دليل قوي على أن محمداً كان يكن لليهود احتراماً كبيراً، نجده متجسداً في المقاطع التي تعدّد العقائد المختلفة1، حيث يذكر اليهود بعد المسلمين مباشرة. وفي إثنين من هذه المقاطع يعد اليهود الذين يخشون الله بالمساواة المطلقة مع المسلمين؛ ومع أنه في المقطع الثالث والأخير لا يبدو لين العراك، ويهدد أن ثمة تمييزاً بين الديانتين، فمن الواضح جداً مع ذلك أنه في هذا المقطع الأسبقية على الكيانات الدينية الأخرى أسبغت على اليهود. في النصوص الإسلاميّة يقال إن المسلم المذنب سوف يدخل جهنم الأولى2، الأهين بين الجهنمات السبع، أما اليهودي فيذهب إلى الثانية، ويذهب المسيحي3 إلى الثالثة، وهكذا4.

إضافة لهذا كله، والذي ولّد عند محمد رغبة تبني الكثير من اليهودية داخل منظومته الدينية، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار التطور الرائع الذي وصلت إليه التقاليد والتاريخ اليهوديين في فم الشعب، المؤكدة إلى درجة أنها كانت ستجذب بقوة العبقرية الشعرية للنبي؛ وهكذا لا يمكننا أن نشك أنه بقدر ما كانت لديه الوسائل للاستعارة من اليهوديّة، وبقدر ما كانت الآراء اليهودية لا تتعارض مباشرة مع آرائه، كان محمد متلهفاً على دمج الكثير مما استعاره من اليهودية في قرآنه.

Who's Online

122 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home أبحاث الإسلام واليهوديّة: بحث مترجم!