نبيل فياض

بحث مترجم عن الموسوعة اليهودية

يصل قريباً إلى بيروت وبغداد كتابنا المترجم، " رسالة اليمن "؛ وهو نص حصلنا عليه من جامعة لايبتسغ الألمانية، ونقلناه إلى العربية. النص مكتوب باللغة العربية، لهجة مصر في القرن الثاني عشر، لكن بالحرف العبري: وهو أقرب ما يكون إلى ما يسمى " بالكرشونية " – حرف سرياني، ولغة عربية. لكن شواهد ابن ميمون هنا كانت باللغة العبرية، الأمر الذي صعّب المسألة، لأنه لم يضع حدوداً أو تأطيراً للشواهد.

 بالمناسبة؛ قبل أكثر من ربع قرن، أردنا بإشراف الأب الراحل المطران القديس، ملاطيوس برنابا، ترجمة كتاب تاريخ ميخائيل الكبير، المكتوب بالكرشونية؛ وقد ذهبنا بالفعل إلى كنيسة " صدد "، التي كانت تضمّ نسخة عن هذا العمل الهام. لكن " السلطات العليا " ارتأت غير ذلك، فلا يحق لغوييم – مثلنا – من خلفية لا تلتقي وخلفية تلك السلطة، أن يدنّس كلمات ميخائيل الكبير بأصابعه: في النهاية، كلهم دواعش!

في إطار تقديمنا لعمل الراب رام بام ( الراب موشيه بار ميمون أو ابن ميمون )، وجدنا أنه من المفيد أن نعطي لمحة عن يهود اليمن في تلك الفترة. ولم نجد أفضل من الموسوعة اليهودية، نسخة مكتبة الأسد، مصدراً نلجأ إليه لذاك الغرض.

بحث مترجم عن الموسوعة اليهودية:

يهود اليمن!


ثمة دليل غير مباشر على انتشار التقاليد الشفوية الربانية [ الحاخامية ]، خاصة القصص اليهودية، في جنوب جزيرة العرب؛ وهو ما يثبته ما يقدّمه في أدب الحديث الإسلامي وقصص الأنبياء يهوديان قدما من جنوب جزيرة العرب، أي كعب الأحبار، الذي اعتنق الإسلام زمن الخليفة عمر وشارك في غزو القدس؛ ووهب بن منبّه، الذي جاء بعده بجيل، وهو ذاته اعتنق الإسلام أيضاً أو كان ابناً لشخص اعتنق الإسلام.

يقول بكري ( القرن 11 )، الجغرافي العربي، إنه خلال حكم الخليفة عمر لم يُطرد اليهود من نجران ولا من اليمامة أو البحرين. بل إن رسائل الغيئونيم [ جمع غاؤون: راجع مقالتنا في الموقع عن بستاناي ] التي وجدت في غنيزا الفسطاط ( مصر ) تشهد على العلاقة آنذاك بين المركز في العراق واليهود في اليمن. فقد دعمت الجماعات اليهودية اليمنية أكاديميات الغيئونيم في العراق فشكرت الأخيرة رؤساء تلك الجماعات على دعمهم وأسبغت عليهم اللقب الشرفي alluf. وقد برز على نحو خاص في مسألة الدعم طائفة صنعاء، حيث كان ثمة مركز إقليمي لجمع النقود لأكاديميات العراق، وبعد ذلك لمصر. في إحدى الرسائل نسمع صدى تذمّر من جماعة يروم التي توقفت عن إرسال مساهماتها. تُذكر أيضاً جماعات ترج ( في منطقة عسير )، صعدة ( اليمن الشمالي )، Dala  ( في الجنوب )، كما كان واضحاً اسم عدن.

في القرن الحادي عشر، صارت العلاقات مع الفسطاط، مركز اليهودية المصرية، أكثر حميمية؛ وهنالك ذكر ليهودي من صعدة، يدعى سعيد بن أبراهام، الذي زار مصر عام 1134. في صلاة سبت لرئيس الجماعة، رئيس اليشيفاه [ مركز تعليم ديني ] في مصر، مصلياح ها-كوهين، ثمة يهودي عراقي، كان ممثلاً للأكاديمية [ اليهودية التي كانت ] في بغداد، والذي كان حاضراً في الكنيس، واحتج على خرق السلطة المركزية [ لقوانين ] اليهودية العالمية. زتقدّم لنا الغنيزا أيضاً معلومات كثيرة حول دور عدن كمركز ترانزيت للتجارة اليهودية مع الهند. وخلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر، يمكن اقتفاء أثر عائلة ممثلي تجّار اليهود في عدن، وهم بني بندار Beni Bandār، لبعض أجيال. وأول شخص اشتهر من هذه العائلة هو يافث ( حسن ) بن بندار. أما ابنه مضمون ( مات عام 1151 )، والذي كان الوكيل اليهودي في عدن، فقد اعتبر ديّاناً [ قاض ] محليّاً أيضاً من قبل السلطات اليهودية في بغداد، كما في مصر. كما كان أول نغيد nagid ليهود اليمن، وقد جعله مركزه الرسمي هذا كممثل لتجّار اليهود في عدن على علاقات قوية مع تجّار المغرب ( شمال أفريقيا ) ومصر. وثمة وثيقة من بيت دين [ محكمة ] الفسطاط تقول إنه كان يعرف " بربّنا وبرجلنا العظيم، سيّدنا وحاخامنا مضمون، الربّ العظيم في إسرائيل ". كما كتب له شاعر مغربي قصائد مديح، وذلك حتماً أثناء إقامته في عدن. وبفضل موقعه، استولى مضمون على ممتلكات تاجرين من المغرب كانا قد غرقا في البحر. كذلك فقد أرسل من بضاعته إلى بلاد فارس. ثمة أهمية خاصة لرسالة أرسلت من جوه ( منطقة عدن ) يُذكر فيها عن جمع كمية كبيرة من النقود ( مئات الدنانير ) من القرية، والتي أعطى كاتب الرسالة جزءاً منها. وقد نال ابن ميمون منها أكثر من مئة دينار، وهو مبلغ كبير حتى على عالم مثله، لذلك يبدو محتوماً أن النية من ذلك كانت مدرسته. فقد كان ابن ميمون على احتكاك مع جماعة يهود اليمن، ومن عمله " رسالة إلى اليمن "، نحصل على معلومات كثيرة حول الوضع هناك في زمنه.

كان لسقوط الفاطميين في مصر وتولي الأيوبيين زمام الأمور هناك أثره أيضاً على الوضع في اليمن، التي خضعت بدورها لسلطانهم ( 1174 ). لكن هذه التبدلات أثارت تعصّب الشيعة، الذين كانوا قد أجبروا قبل سنوات ( 1165 ) بعض اليهود على اعتناق الإسلام، وذلك بزعامة الإمام عبد النبي بن مهدي. وكانت حملة [ الأسلمة ] قد شنها يهودي سابق كان قد اعتنق الإسلام. وأدّت الاضطهادات إلى ظهور حركة مسيانية [ من مسيا، أي التبشير بظهور المسيح ] بين اليهود حيث أعلن أحدهم أنه المسيح [ المنتظر ]. وفي لج اضطرابهم، أرسل يهود اليمن وزعيمهم، يعقوب بن نتانئيل الفيومي، إلى ابن ميمون طالبين منه الإرشاد. فكتب الأخير لهم " رسالة إلى اليمن " [ ترجمناها ونشرناها في أميركا ]، والتي قد تكون مجموعة رسائل قصيرة، يفترض أنها ألّفت في بدايات سبعينيات القرن الثاني عشر ( 1172 تقريباً ).

تذكر إحدى الرسائل من اليمن ( 1202 )، التي كتبها مضمون بن دافيد، الذي قد يكون أحد أحفاد مضمون سابق الذكر، المساعدة التي قدّمها ابن ميمون ليهود اليمن، الذين كان يحكمهم آنذاك أحد الأيوبيين. إن المدراش ها-غدول [ كتاب تعليم ديني يهودي ]، الذي حرّره دافيد بن عميرام العدني ( القرن 16 )، والمقالة الاستعارية، كتاب الحقيقة، التي كتبها يهودا بن سليمان من صعدة ( القرن 14 )، يقدّمان شواهد على النتاج الأدبي ليهود اليمن في حقبة لا توجد منها مصادر أخرى. ولابد أن نلاحظ هنا أن نسخاً عن رسائل ابن ميمون أحضرها معهم اليهود الذين انتقلوا من مصر إلى صنعاء عام 1366. بل ثمة معلومة هامة حول يهود عدن نجدها في رسالة لعوباديا الذي من بترينورو، وكان كتبها في القدس عام 1489؛ تقول: " في هذه الأيام جاء يهود إلى هنا من أرض عدن ... يقولون إن هنالك جماعات يهودية ضخمة [ هناك ]... وهؤلاء الناس يميلون إلى السواد [ في لون بشرتهم ]؛ وهم لا يمتلكون رسائل التلمود، بل فقط [ ما كتبه ] الراب [ الحاخام ] الفاسي ( الحاخام اسحق الفاسي ) والتفاسير و[ كتب ] ابن ميمون. وكل هذه نظمها ابن ميمون " ( Yaari, Iggerot, 140).

لا توجد بين أيدينا مصادر تاريخية يمكنها إثبات موثوقية التقاليد والافتراضات حول بدايات الاستيطان اليهودي في جنوب جزيرة العرب، خاصة اليمن. ويمكن الافتراض أنه خلال حقبة الهيكل الثاني كان ثمة تجّار يهود عاشوا في عواصم بابل وفارس وتاجروا مع سبأ وكوش [ أثيوبيا ]. ومن ثم استوطن هؤلاء التجّار وغيرهم من العناصر اليهودية في اليمن آنذاك من أجل متابعة أعمالهم، وهو ما كان استيطاناَ دائماً؛ ثم راحت الجماعات اليهودية تتطور في جنوب جزيرة العرب. مع ذلك، يمكن أن يكون هؤلاء بقايا القوة التي كانت يهودية بالكامل تقريباً والتي أرسلها هيرودوس مع الفيالق الرومانية الغازية بقيادة إيليوس غالوس لفتح جنوب جزيرة العرب والتي بقيت في المنطقة بعد هزيمة الحملة قرب نجران. لكن ما من شك أن من تهود من حمير بعد ذلك لم يكن مرسلاً من بابل ولا من أرض إسرائيل، أو متهودين بشكل طوعي من جنوب جزيرة العرب، بل كانوا مستوطنين يهود من المناطق آنفة الذكر. وبسبب نقص المواد في المصادر اليهودية، باستثناء نقوش بيت شعاريم الحميرية، كان لا بد من استكشاف مصادر أخرى.

الفعاليات الأدبية والعلمية:

إن علاقات الجماعة [ اليهودية اليمنية ] مع الأكاديميات الغيئونية في بغداد تشير إلى أن يهود اليمن كانوا متأثرين بها في حياتهم الدينية وفعالياتهم الروحانية. ويظهر مقطع من كير كيساني ( كتاب الأنوار والمغارب، 1، 135 )، وهو عمل تاريخي شهير لطائفة القرّائين ( النصف الأول من القرن العاشر )، أن النسخة البابلة من الكتاب كانت تستخدم في اليمامة، البحرين واليمن. كما أن بعض عادات طقوس الصلاة اليمنية إنما ترجع إلى كتاب صلاة سعاديا. ووجدنا أجزاء من ترجمة عربية له في غنيزا يوسف بن غوريدن ( Yosippon)، " تاريخ اليهود خلال الهيكل الثاني "، الذي أعدّه زكريا بن سعيد اليمني، كذلك فإن يمنياً آخر كتب شرحاً عربيّاً لملخص الفاسي الوافي لرسالة حولين التلمودية.

Who's Online

115 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

اشترك بالنشرة البريدية

أنت هنا: Home أبحاث بحث مترجم عن الموسوعة اليهودية